أدب وفلسفة

2-3- حين يصبح امتلاك الإنسان شرفاً أنثروبولوجيا المكانة والرق والذاكرة الاجتماعية من السودان إلى الجنوب الأمريكي-

خالد كودي

15/8/2026 خالد كودي.

: ٩/ الجنوب الأمريكي: العبودية بوصفها أرستقراطية
تقدم تجربة الولايات المتحدة، وخصوصاً الجنوب الأمريكي قبل الحرب الأهلية، مقارنة كاشفة لفهم العلاقة بين الرق والمكانة. فقد كان امتلاك أعداد كبيرة من المستعبدين مصدراً مباشراً للثروة، لكنه كان كذلك علامة على الانتماء إلى طبقة كبار ملاك المزارع. فالمنزل الكبير، والأرض، والخيل، والخدم، وعدد المستعبدين لم تكن مجرد ممتلكات اقتصادية، بل كانت لغة اجتماعية تقول إن صاحبها رجل ذو شأن ومكانة. وهنا تظهر إحدى أخطر قدرات المجتمع العبودي، وهي تحويل السيطرة على البشر إلى احترام اجتماعي. ولم يكن جميع البيض في الجنوب الأمريكي يملكون عبيداً، ومع ذلك استطاع نظام التفوق الأبيض أن يمنح حتى قطاعات من البيض الفقراء مكانة
W. E. B. Du Bois نفسية نسبية داخل النظام العنصري. وهنا يساعد مفهوم
عن “الأجر النفسي للبياض” في تفسير الظاهرة، إذ قد يكون الرجل الأبيض فقيراً، لكنه يحصل على تعويض رمزي من معرفته بأن النظام يضعه قانونياً واجتماعياً فوق الإنسان الأسود. ولذلك ليس ضرورياً أن يمتلك الإنسان عبداً حتى يستفيد نفسياً من مجتمع العبودية؛ يكفي أن يقنعه النظام بأنه ينتمي إلى فئة البشر الذين يمكن أن يكونوا أسياداً، لا إلى فئة البشر الذين يمكن أن يكونوا مملوكين. وهذا أحد أوجه المقارنة المهمة مع بعض المجتمعات العربية والسودانية التي استطاعت فيها ذاكرة الرق أن تمنح بعض الجماعات قيمة رمزية حتى لمن لم يكن أجدادهم أنفسهم من كبار المالكين.

١٠/ كيف يستطيع الإنسان القاسي أن يعتقد أنه إنسان عظيم؟
هنا نصل إلى قلب المسألة النفسية. فمن الخارج قد يبدو أن مالك الرقيق ينبغي أن يعيش في شعور دائم بالتناقض والذنب، لكن البشر يمتلكون قدرة هائلة على إعادة تعريف أفعالهم أخلاقياً بطريقة تحمي صورتهم عن أنفسهم. يستطيع المالك أن يقول إن هؤلاء أقل منا، أو إننا نحميهم، أو إن هذه عادات المجتمع، أو إن القانون يسمح بذلك، أو إن الآباء والأجداد فعلوه، أو إن الجميع كانوا يفعلونه، أو إن المسترقين غير قادرين على إدارة أنفسهم. وهكذا لا يغير الإنسان بالضرورة سلوكه حتى يتوافق مع الأخلاق، بل يستطيع أن يغير
تعريف الأخلاق حتى يتوافق مع سلوكه. وهذه واحدة من الآليات التي يدرسها علم النفس الاجتماعي تحت مفهوم فك الارتباط الاخلاقي
Moral Disengagement
حيث يعاد تعريف العنف، وتخفف المسؤولية الشخصية عنه، وتنقل إلى المجتمع أو القانون أو الجماعة، ويقلل من حجم Dehumanization الضرر، وتجرد الضحية تدريجياً من إنسانيتها. وهنا تصبح عملية نزع الإنسانية
ضرورة نفسية للنظام، لأن الإنسان يصعب عليه أن يبيع طفلاً إذا ظل يراه طفلاً مساوياً لطفله. ولذلك يجب أن تتغير اللغة أولاً؛ يتحول الإنسان إلى “عبد” أو “مملوك” أو “خادم” أو “تابع” أو “أدنى”، ومن خلال هذه اللغة يصبح التصنيف الاجتماعي مقدمة للعنف المادي، لأن تجريد الشخص من اسمه وإنسانيته الفردية يجعل التعامل معه بوصفه شيئاً أو فئة أكثر سهولة.

: ١١/ القسوة ليست خللاً في الرق؛ إنها شرط لاستمراره
فريدريك دوغلاس، الذي عرف العبودية من تجربته الشخصية، أدرك هذه الحقيقة بوضوح استثنائي. فقد رأى أن المجتمع العبودي يستطيع أن يصنع لنفسه معياراً أخلاقياً خاصاً يسمح لمالك الرقيق بأن يظهر، داخل منظومته الاجتماعية، رجلاً عادلاً ومحترماً ومتديناً، بينما تكون المؤسسة نفسها، إذا نظر إليها من خارج ذلك النظام الأخلاقي، قائمة على النهب والعنف وإنكار الحرية. وذهب دوغلاس في خطابه ومؤلفاته إلى أن إبقاء الإنسان في وضع العبودية لا يقتصر على اعتباره ملكية، بل يقتضي إخضاعه لنظام يمنعه من اكتساب المعرفة والاستقلال والقدرة على تحدي وضعه. وهذه فكرة مركزية في فهم العبودية، لأن القسوة فيها ليست دائماً انحرافاً فردياً عن النظام، بل تكون في كثير من الأحيان إحدى تقنياته الأساسية. فالإنسان الذي يدرك كامل إنسانيته، ويستطيع التعلم والتنظيم والحركة والتملك والرفض والتفاوض، يصبح أكثر قدرة على مقاومة موقعه، ولذلك يحتاج نظام الرق إلى العنف الفعلي أو إلى إمكانية العنف الدائمة حتى يحافظ على العلاقة غير المتكافئة. ومن هنا ينبغي فهم القسوة لا بوصفها حادثاً عرضياً في العبودية فقط، بل بوصفها جزءاً من البنية التي تجعل تحويل الإنسان إلى ملكية قابلاً للاستمرار.

: ١٢/ الجريمة التي تتحول إلى نسب
لكن السؤال السوداني الأكثر إزعاجاً يبدأ بعد انتهاء الرق القانوني، عندما يقول شخص في القرن الحادي والعشرين، على سبيل الفخر، إن “أجدادنا كانوا يملكون العبيد”. فهذه العبارة ليست دائماً مجرد معلومة محايدة عن التاريخ العائلي، وإنما تحتاج إلى التفكيك وفق السياق الذي تقال فيه. فإذا كان المقصود تسجيل حقيقة تاريخية بغرض المعرفة والنقد فلا مشكلة في ذلك، لأن مواجهة التاريخ تستلزم معرفة ما حدث. أما إذا قيلت العبارة لإثبات المكانة الاجتماعية أو رفعة النسب، فإن معناها الضمني يصبح أن أجدادي كانوا يملكون أجداد غيري، ولذلك فإن نسبي أعلى ومكانتي أرفع. وهنا نكون أمام استمرار لمنطق العبودية من دون وجود سوق للرقيق. فقد اختفى عقد البيع، لكن بقيت تراتبية الذاكرة؛ واختفى القيد الحديدي، لكن بقي تصنيف النسب؛ واختفى السوق، لكن بقيت الإهانة. وهذه الظاهرة ليست خاصة بالسودان، فقد بينت دراسات غرب أفريقيا والساحل أن وصمة الانحدار من أصول مسترقة يمكن أن تستمر أجيالاً بعد الإلغاء القانوني، Slave Descent ولهذا تميز الأدبيات بين وجود الرق الفعلي وبين ما يعرف ب
أي استمرار الآثار الاجتماعية والسياسية والثقافية المترتبة على الانحدار من أناس تعرضوا للاسترقاق. وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية الكبرى: أن تتحول جريمة ارتكبها المالك ضد إنسان آخر إلى مصدر فخر لنسل المالك، بينما يتحول ما وقع على الضحية قسراً إلى وصمة يراد لنسلها أن يحملها بعد أجيال.

: ١٣/ المجتمع الذي يحترم النخاس ومالك الرقيق يحتاج هو نفسه إلى التحليل
المشكلة في إرث الرق لا تكمن في الفرد الذي يتفاخر بأن جده كان يملك العبيد فقط، ولا في الأسرة التي تستدعي هذا التاريخ بوصفه دليلاً على الثراء أو النفوذ أو “العراقة”. المشكلة الأعمق تكمن في البنية الاجتماعية والثقافية التي تجعل هذا التفاخر مفهوماً ومقبولاً، بل وقابلاً للتحول إلى مكانة واحترام. فالتفاخر لا يعيش في فراغ، ولا يستطيع الإنسان أن يصنع لنفسه مكانة رمزية من واقعة تاريخية إلا إذا وُجد مجتمع يفهم هذه الواقعة بالطريقة نفسها، ويمنحها القيمة التي يريد صاحبها أن تستبطنها. ولهذا فإن السؤال الأنثروبولوجي الحقيقي ليس: لماذا يفتخر بعض الناس بأن أجدادهم كانوا ملاكاً للرقيق فقط؟ بل السؤال الأكثر إزعاجاً هو: ما نوع المجتمع الذي يستطيع فيه الإنسان أن يحوّل حقيقة أن جده نخاسا، او امتلك إنساناً آخر إلى شهادة على الشرف والنسب والوجاهة؟ عندما يقول شخص، على سبيل الاعتزاز، إن جده كان يملك عدداً كبيراً من العبيد، ثم يفهم المستمع من ذلك أن الجد كان ثرياً وقوياً وصاحب أرض ورجال ونفوذ، فإن المجتمع يكون قد قام بعملية شديدة الدلالة: لقد أعاد ترجمة السيطرة على البشر من فعل استغلال إلى علامة مكانة اجتماعية.
Symbolic Capital وهنا تصبح نظرية بيير بورديو في رأس المال الرمزي
من أكثر الأدوات قدرة على تفسير الظاهرة. فبورديو يبين أن السلطة الاجتماعية لا تتأسس بالمال وحده؛ فالثروة الاقتصادية تستطيع أن تتحول إلى اسم ونسب وهيبة وتعليم وشبكة علاقات وقدرة على التأثير، ثم يعترف بها المجتمع بوصفها علامات على “الاستحقاق” و”العراقة”. وعندما يحدث ذلك، تكون القوة قد انتقلت من صورتها المادية المباشرة إلى صورة رمزية تبدو أقل عنفاً وأكثر طبيعية. بهذا المعنى، لا يبقى الرق مجرد علاقة بين مالك ومملوك في لحظة تاريخية محددة، فقد تنتقل آثاره عبر سلسلة طويلة من التحولات: الاسترقاق ينتج الثروة، والثروة تنتج الأرض والنفوذ، والنفوذ ينتج الاسم والمكانة، والمكانة تتحول إلى نسب وعراقة، ثم يرث الأحفاد المكانة بينما يتراجع في الذاكرة السؤال عن الطريقة التي أُنتجت بها تلك المكانة. وهنا تحدث عملية يمكن تسميتها بـ الغسل الأخلاقي للتاريخ؛ فالمجتمع يحتفظ بالنتيجة ويحذف الوسيلة. يحتفظ بصورة “البيت الكبير”، لكنه لا يسأل من الذي بنى البيت وبأي شروط؛ يحتفظ بصورة الأسرة الثرية، لكنه لا يسأل عن العمل القسري الذي ساهم في إنتاج ثروتها؛ يحتفظ بالأرض والماشية والخيل والأتباع بوصفها علامات على القوة، لكنه لا يبحث في الكيفية التي جُمعت بها هذه الموارد؛ ويحتفظ بلقب “السيد”، لكنه يمحو الإنسان الذي كان يجب أن يوضع في موقع “العبد” حتى يصبح الآخر سيداً. وهكذا يمكن لعلاقة تاريخية قائمة على إنكار حرية الإنسان أن تتحول، بعد أجيال، إلى رأسمال عائلي وأخلاقي قابل للتوريث.
والأكثر خطورة من ذلك أن بعض المجتمعات تستطيع أن تنجز انقلاباً أخلاقياً شبه كامل في توزيع الشرف والعار. فقد يحمل الإنسان الذي وقع عليه الاسترقاق، أو يحمل أحفاده بعد أجيال، وصمة “أصل العبيد”، بينما يواصل نسل المالك حمل ألقاب العراقة والسيادة و”البيت الكبير” و”الأصل الرفيع”. أي أن الفعل الذي ينبغي أخلاقياً أن يثير السؤال والمراجعة ينتج مجداً للفاعل، بينما تقع الوصمة على الضحية. فبدلاً من أن يكون السؤال: من استرق الإنسان؟ يصبح السؤال: من كان عبداً؟ وبدلاً من أن تُربط الوصمة بالفعل غير الإنساني، تُلصق بمن وقع عليه ذلك الفعل. وهذا ليس مجرد خطأ في الذاكرة، بل هو نظام اجتماعي لإعادة توزيع الشرف والعار، بحيث يبقى المستفيد من النظام محتفظاً بمكانته، بينما يستمر الطرف الذي تعرض للإخضاع في دفع ثمن ذلك التاريخ رمزياً.
شديد الأهمية. Symbolic Violence وهنا يصبح مفهوم بورديو عن العنف الرمزي
فالعنف الرمزي لا يحتاج دائماً إلى السوط أو الشرطة أو القانون؛ إنه يعمل بطريقة أكثر عمقاً عندما تنجح علاقات الهيمنة في تقديم نفسها بوصفها طبيعية، وعندما تصبح التصنيفات التي أنتجها تاريخ القوة جزءاً من اللغة اليومية والذوق والأعراف والتوقعات الاجتماعية. وهكذا يمكن أن يختفي السوط ويبقى ترتيب اجتماعي صنعه السوط، ويمكن أن ينتهي سوق الرقيق ويبقى مفهوم “السادة”، ويمكن أن تلغى ملكية البشر ويبقى مفهوم “أصل العبيد”، ويمكن أن تختفي وثيقة البيع والشراء بينما تبقى التراتبية التي صنعتها تلك الوثيقة في الزواج والنسب والألقاب والمجالس والعلاقات الاجتماعية. وهذا يبين أن الإلغاء القانوني للعبودية ليس هو نفسه الإلغاء الاجتماعي لمنطق العبودية.
Habitus ويفسر مفهوم بورديو عن الهابيتوس
كيف تستطيع هذه التصنيفات أن تعيش بعد اختفاء المؤسسة الأصلية التي صنعتها. فالهابيتوس ليس قانوناً مكتوباً ولا عقيدة يرددها الإنسان بالضرورة بوعي؛ إنه مجموعة من الاستعدادات والتوقعات والعادات وطرائق الإحساس والتصنيف التي يتشربها الفرد داخل المجتمع حتى تبدو له طبيعية وعفوية. بهذا المعنى يستطيع الرق أن يموت كمؤسسة قانونية، لكنه يستمر كـ هابيتوس اجتماعي. يبقى في السؤال عن أصل الأسرة قبل الزواج، وفي البحث عن “النسب” قبل السؤال عن شخصية الإنسان، وفي تصنيف بعض الأعمال باعتبارها “أعمالاً وضيعة”، وفي المباهاة بأن الأسرة “لم تكن تخدم أحداً بل كان لها من يخدمها”، وفي استخدام بعض الكلمات المرتبطة بتاريخ الرق بوصفها إهانات اجتماعية، وفي الأغنيات التي تحتفي بصاحب الرجال والأتباع والخدم، وفي المجالس التي تمنح بعض العائلات أولوية رمزية لا تقوم بالضرورة على إنجاز معاصر، وفي التمييز بين “الأصيل” و”الغريب”، وفي أسماء المؤسسات والميادين والشوارع، وفي المناهج التي تحفظ أسماء أصحاب السلطة لكنها نادراً ما تسأل عن أسماء الذين دفعوا ثمن تلك السلطة. وهكذا تنتقل العبودية من سوق يبيع البشر إلى ثقافة تصنف البشر، ويصبح الماضي حاضراً لا لأن الناس يتذكرونه بالضرورة، بل لأنهم يمارسون بعض قواعده من دون إدراك كامل لمصدرها التاريخي.
ويضيف أنطونيو غرامشي مستوى آخر بالغ الأهمية من خلال مفهوم الهيمنة الثقافية. فالسلطة الأكثر استقراراً ليست التي تعتمد على القهر المباشر وحده، وإنما التي تستطيع أن تحول رؤيتها للعالم إلى “حس مشترك”؛ أي إلى أفكار تبدو للناس طبيعية، ولا تحتاج في كل مرة إلى إثبات أو دفاع. عند هذه النقطة لا يعود النظام محتاجاً إلى إجبار الناس على الاعتقاد في التراتبية، بل يبدأ المجتمع نفسه في إعادة إنتاجها داخل الأسرة، وفي الزواج، وفي الأغنية، وفي النكتة، وفي المدرسة، وفي الخطاب الديني، وفي كتابة التاريخ، وفي الأنساب، وفي تعريف من يستحق الاحترام. وهنا تكتسب ظاهرة احترام مالكي الرقيق معناها الكامل. فحين يقول المجتمع “هذه أسرة كبيرة”، ولا يسأل أحد كيف تكوّن هذا “الكِبَر” تاريخياً، تكون الهيمنة قد نجحت. وحين يقال “هؤلاء أسياد”، ولا يسأل أحد: أسياد على من؟ وبأي حق؟ تكون اللغة قد حجبت التاريخ. وحين تتحول ملكية البشر إلى جزء من قصة الفروسية والكرم والقوة والعراقة، بدلاً من أن تكون موضوعاً للنقد الأخلاقي، تكون الذاكرة الجماعية قد أدت وظيفة أيديولوجية كاملة.
فالذاكرة لا تحتاج دائماً إلى الكذب الصريح؛ قد يكون أخطر ما تفعله هو الانتقاء. تحتفظ باسم القائد وتنسى الذين استرقهم، وتحتفظ بثروة الأسرة وتنسى مصدر بعض تلك الثروة، وتحفظ نسب المنتصر بينما تضيع أسماء الذين اقتُلعوا من أنسابهم وأوطانهم، وتحتفظ بصورة “السيد” ولا تحفظ اسم “العبد”. وهكذا يصبح الصمت نفسه أداة لإنتاج المكانة، لأن ما لا يدخل الذاكرة العامة لا يستطيع أن ينافس الرواية التي صنعت المجد لأصحاب القوة.
وتمنحنا جدلية السيد والعبد عند هيغل مدخلاً فلسفياً أعمق إلى هذه الظاهرة. فالسيد لا يستطيع أن يكون سيداً في ذاته؛ “السيد” هو تعريف علائقي، ولا معنى له من دون شخص آخر وُضع في موقع التابع أو العبد. ولذلك فإن هوية السيد لا تقوم على خاصية جوهرية داخله، وإنما على علاقة غير متكافئة مع إنسان آخر. ومن هنا يمكن قراءة التراتبية الاجتماعية قراءة أكثر جذرية: لا معنى لـ”الأصل العالي” إذا لم يصنع المجتمع “أصلاً منخفضاً”، ولا معنى للقول إن هؤلاء “أولاد ناس” إذا لم يكن هناك ضمنياً من يُعاملون وكأنهم أقل استحقاقاً لهذا الوصف، ولا معنى لفكرة “السادة” من دون إنتاج جماعة يمكن أن توضع في موضع أدنى. وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في عقلية السيد: إنه يتخيل أن تفوقه قائم في ذاته، بينما هو في الحقيقة يحتاج إلى صناعة دونية الآخر حتى يستطيع تخيل نفسه أعلى.
ولهذا فإن المساواة قد تصبح تهديداً نفسياً عميقاً للمجتمعات التي بنت هويتها على التراتب، حتى بعد زوال المصلحة الاقتصادية المباشرة من الرق. فالمساواة لا تقول: لن تملك هذا الإنسان فقط، بل تقول شيئاً أكثر عمقاً: لن تكون أعلى منه أصلاً. وهنا تكمن إحدى الإجابات عن سؤال استمرار بعض تصنيفات الرق بعد إلغائه: تلك التصنيفات لا تحمي امتيازات مادية فقط، بل تحمي هوية التفوق نفسها. ولذلك قد يتمسك الإنسان بنسبه أو بلقب “السيد” أو بتاريخ أسرته في امتلاك الآخرين، ليس لأنه يحتاج اليوم إلى الاسترقاق اقتصادياً، وإنما لأنه يحتاج نفسياً واجتماعياً إلى استمرار السلم الذي يضعه في مرتبة أعلى.
Social Death ويكمل أورلاندو باترسون هذه الصورة من خلال مفهوم الموت الاجتماعي
فالاسترقاق لا يعني انتزاع عمل الإنسان فقط، بل يعني كذلك ضرب استقلاله ونسبه وقدرته على تحديد موقعه داخل المجتمع. لكن من المفيد النظر إلى الوجه الآخر لهذه العملية: إذا كان المسترق يتعرض لإنتاج دونية اجتماعية، فإن المالك يحصل في المقابل على فائض من المكانة. إفقار قيمة أحدهما يثري القيمة الرمزية للآخر؛ وسلب النسب من أحدهما يجعل نسب الآخر أكثر مركزية؛ وحرمان الأول من الملكية يجعل كثرة ملكية الثاني دليلاً على السيادة؛ وإسكات الأول يجعل صوت الثاني هو الذي يتحول إلى التاريخ الرسمي؛ وإذا صار الأول بلا اسم في الأرشيف، تضخم اسم الآخر في كتب التاريخ والأنساب والذاكرة الشعبية. وهكذا لا يمكن فصل إهانة المسترق عن إنتاج شرف السيد؛ إنهما وجهان للعملية الاجتماعية نفسها. وبذلك فإن المجتمع الذي يستمر بعد إلغاء الرق في التعامل مع تاريخ امتلاك البشر باعتباره دليلاً على العراقة لم ينجز بعد تفكيك اقتصاد الشرف الذي أنتجته العبودية. لقد ألغى الملكية القانونية، لكنه لم يُعد تعريف الشرف؛ وقد يرفض اليوم بيع الإنسان، لكنه لم يسأل بصورة كافية لماذا بقيت ذاكرة من كان يبيعه مصدراً للوجاهة. وهذه هي المسألة الأعمق: تحرير المجتمع من الرق لا يعني فقط تحرير الضحية من القيد، وإنما تفكيك المكانة التي صنعها القيد للسيد.

: ١٤/ من العبودية إلى العنصرية: عندما ينتج الاستغلال نظرية عن الإنسان
من أخطر ما تكشفه دراسة تاريخ الرق أن العلاقة الاقتصادية والسياسية لا تبقى دائماً علاقة اقتصادية وسياسية، بل تستطيع مع مرور الزمن أن تتحول إلى نظرية كاملة عن طبيعة الإنسان وقيمته. تبدأ العملية بالفعل المادي: نأسر جماعة، وننتزع منها حرية الحركة، ونستخدم أفرادها في العمل، ونبيعهم، ونتصرف في أجسادهم ونتاج عملهم، ونورث ملكيتهم. لكن استمرار هذه العملية يخلق مشكلة أخلاقية وسياسية عميقة. فالإنسان الذي يريد أن يرى نفسه صالحاً يحتاج إلى تفسير يسمح له بأن يسأل: كيف أستطيع أن أكون إنساناً أخلاقياً وفي الوقت نفسه أملك إنساناً آخر؟ وهنا تبدأ الحاجة إلى الأيديولوجيا. القوة تحتاج إلى قصة، والاستغلال يحتاج إلى تبرير، والامتياز يحتاج إلى نظرية تجعل الضحية تبدو مستحقة لوضعها.
ولهذا يبدأ المجتمع في صناعة “الدونية”. يقال أولاً إن هؤلاء مختلفون، ثم يصبح اختلافهم علامة نقص، ثم يقال إنهم أقل تحضراً، وأقل عقلاً او دينا، وأقل قدرة على إدارة أنفسهم، وأقل استعداداً للحرية. ثم تتحول هذه الأحكام من ذرائع سياسية إلى معتقدات ثقافية تدخل في الأمثال والعادات والأدب والدين الشعبي والتربية، وقد تلبس في فترات أخرى لباس “العلم”. وبعد أجيال يقع الانقلاب الأخطر: ينسى المجتمع أن نظرية الدونية نشأت، في جانب مهم منها، لتبرير الهيمنة، ويبدأ في الاعتقاد أن الهيمنة حدثت بسبب دونية طبيعية سابقة لدى الضحايا. وهنا تنقلب السببية؛ فبدلاً من القول: استعبدناهم، ثم احتجنا إلى تبرير استعبادهم، تتحول الرواية إلى: استعبدناهم لأنهم أدنى. وهذه من أهم الآليات التي تربط تاريخ العبودية بتاريخ العنصرية.
ومن الضروري هنا تجنب الاختزال التاريخي. فالرق أقدم كثيراً من العنصرية الحديثة، وعرفت المجتمعات الأفريقية والأوروبية والعربية والإسلامية والآسيوية استرقاق جماعات متعددة، ولم يكن اللون الأسود المحدد الوحيد للعبودية. لكن هذا لا يعني أن الرق لم يسهم في صناعة العنصرية. فعندما يجري استرقاق جماعة معينة على نطاق واسع ولمدة طويلة، يمكن أن تنتقل خصائصها الجسدية أو الإثنية أو الجغرافية من كونها مجرد علامات اختلاف إلى كونها علامات على موقع اجتماعي.
Racialization وهذا هو معنى العرقنة
فاللون في ذاته ليس منزلة اجتماعية، لكن التاريخ يستطيع أن يمنحه منزلة؛ الاقتصاد يمنحه معنى، والقانون يكرس ذلك المعنى، والثقافة تعيد إنتاجه، والذاكرة تجعل المعنى يبدو قديماً وطبيعياً. وهكذا يتحول اختلاف اللون أو الأصل من خاصية بشرية إلى موقع داخل سلم للقيمة والحقوق والسلطة.
وهنا تتجلى إحدى أقدم حيل أنظمة الهيمنة وأكثرها فاعلية: تحويل التاريخ إلى طبيعة. فإذا تعرضت جماعة للاستغلال زمناً طويلاً حتى أصبحت فقيرة، يقال إنها فقيرة لأنها غير قادرة. وإذا منعت من التعليم ثم ظهر فيها ضعف تعليمي، يقال إنها أقل ذكاءً. وإذا أبعدت من مواقع السلطة، يقال إنها ليست مؤهلة للحكم. وإذا دفعت إلى الأعمال الشاقة والخدمية، تصبح تلك الأعمال نفسها دليلاً على “منزلتها الطبيعية”. وهكذا يحدث انقلاب آخر في السببية: تتحول نتيجة الظلم إلى دليل على صحة الظلم. فبدلاً من أن يكون الفقر دليلاً على الحرمان، يصبح دليلاً على العجز؛ وبدلاً من أن يكون نقص التعليم نتيجة للإقصاء، يصبح دليلاً على الدونية؛ وبدلاً من أن يكون غياب الجماعة عن السلطة نتيجة لمنعها منها، يصبح دليلاً على عدم أهليتها. وهكذا يستطيع نظام التراتب أن يعيد إنتاج نفسه؛ لأنه ينتج أولاً الظروف التي تضع الجماعة في الأسفل، ثم يستخدم وجودها في الأسفل دليلاً على أن مكانها “الطبيعي” هناك.
في تحليله للتاريخ الأمريكي مفهوما بالغ الأهمية لفهم لماذا يمكن ان يتمسك الانسان بنظام تراتبيW. E. B. Du Bois ويقدم
حتى عندما لا يمنحه ذلك النظام ثروة مادية كبيرة. ففي تحليله لوضع العمال البيض في الولايات المتحدة أشار (دو بوا) إلى ما Psychological Wage of Whiteness عُرف لاحقاً بمفهوم الأجر النفسي للبياض
فالإنسان الأبيض الفقير لم يكن يحتاج إلى أن يكون مالكاً لمزرعة أو لعدد كبير من العبيد حتى يحصل على مكسب من النظام العنصري؛ كان يحصل على مكسب رمزي يتمثل في مكانة نسبية أعلى من الإنسان الأسود. وهذه الفكرة شديدة الأهمية لأنها تفسر لماذا تستطيع أنظمة التراتب أن تجد مدافعين عنها بين فئات لا تستفيد منها اقتصادياً بصورة كبيرة. فالإنسان قد يكون فقيراً، بلا أرض، وبلا تعليم جيد، وبلا نفوذ سياسي، لكنه يحتفظ بامتياز واحد: الاعتقاد بأنه أعلى من شخص آخر.
وهذا الامتياز النفسي قد يصبح شديد القيمة، فتقول له البنية الاجتماعية: قد لا تكون غنياً، لكنك لست منهم؛ وقد لا تكون صاحب سلطة، لكن “أصلك” أعلى؛ وقد لا تكون سيداً فعلياً، لكنك تنتمي إلى الجماعة التي تتخيل نفسها جماعة الأسياد لا جماعة العبيد. وهكذا يصبح التفوق الاجتماعي تعويضاً رمزياً عن الحرمان المادي. وهذا المفهوم بالغ الأهمية لفهم مجتمعات أخرى أيضاً؛ ففي أي مجتمع ما بعد عبودي يمكن أن يكون الإنسان فقيراً لكنه يتمسك بفكرة “الأصل الحر” أو “النسب الأعلى” لأنها تمنحه ما لا يمنحه الاقتصاد: إحساساً بأنه ما يزال فوق شخص آخر. وعندئذ تصبح المساواة مهددة له نفسياً، لأنها تسحب منه آخر امتياز رمزي يملكه.
ويقترب ألبرت ميمي في المستعمِر والمستعمَر من هذه المسألة بطريقة أخرى. فصاحب الامتياز يحتاج إلى تفسير يبرر لماذا يستحق هو ما لديه، ولماذا يستحق الطرف الآخر وضعه الأدنى. ولهذا لا يكتفي النظام الاستعماري أو العبودي بإخضاع الإنسان، بل ينتج حوله قصة: المستعمَر كسول، والمستعبَد غير قادر على الحرية، والجماعة الأخرى غير عقلانية، وهذه الفئات تحتاج إلى من يحكمها. وكلما أصبح هذا التصوير مقبولاً، أصبحت الامتيازات أكثر سهولة على الضمير. ويمكن تلخيص هذا المنطق في أن الامتياز القائم على حرمان الآخر من حقه يحتاج إلى إقناع صاحبه بأن الآخر أقل استحقاقاً لذلك الحق. وهكذا لا تصبح العنصرية مجرد كراهية للآخر، بل تصبح أيضاً وسيلة نفسية لحماية صورة الذات والامتياز.
ويذهب فرانز فانون إلى مستوى أكثر عمقاً، لأن العنصرية عنده لا تنتج صورة مشوهة عن الضحية وحدها؛ إنها تنتج أيضاً هوية الطرف المهيمن. فالجماعة المسيطرة لا تقول إن الآخر متخلف فقط ، بل تقول في اللحظة نفسها: إذن نحن المتحضرون. ولا تقول إن الآخر عاجز فقط، بل تقول: إذن نحن القادرون. ولا تقول إن الآخر يحتاج إلى القيادة فقط، بل تستنتج: إذن لنا الحق في قيادته. ولا تقول إن الآخر غير عقلاني فقط، بل تقول: إذن نحن ممثلو العقل. وهكذا تتحول الدونية التي تُسقط على الآخر إلى مرآة يرى فيها السيد صورته المثالية عن نفسه. ومن هنا تظهر مفارقة مهمة: العنصرية لا تحتاج إلى ضحية يعتقد المجتمع أنها أدنى فقط؛ إنها تحتاج كذلك إلى إنسان مهيمن يحتاج إلى الاعتقاد بأنه أعلى. فالطرفان يدخلان في علاقة نفسية غير متكافئة، لكنهما يتكونان داخل النظام نفسه.
Dehumanization وهنا نصل إلى واحدة من أهم الآليات النفسية في أنظمة الرق: نزع الإنسانية
فمن الصعب على إنسان أن يبيع طفلاً إذا ظل يرى فيه طفلاً مساوياً لطفله، ومن الصعب أن يجلد رجلاً إذا رآه أباً وزوجاً وأخاً له القيمة الإنسانية نفسها، ومن الصعب أن يفصل امرأة عن أطفالها إذا اعترف بأن ألمها مماثل لألم أمه أو زوجته. لذلك تحتاج أنظمة الاسترقاق إلى تقليل المكانة الإنسانية للضحية في المخيلة الأخلاقية. ليس ضرورياً أن تقول إن الآخر ليس إنساناً على الإطلاق؛ يكفي أن يقال إنه أقل إحساساً، وأقل عقلاً، وأقل أخلاقاً، وأقل قدرة على الاستقلال، وأقل استحقاقاً للحرية. وهكذا لا يخرج الآخر من النوع البشري بيولوجياً، لكنه يخرج جزئياً من دائرة الالتزام الأخلاقي. وهذا يفسر واحدة من أكثر مفارقات المجتمعات العبودية إزعاجاً: يمكن للإنسان نفسه أن يكون محباً لأطفاله، عطوفاً على أقاربه، كريماً مع ضيوفه، ثم يمارس قسوة مروعة على أطفال وآباء وأمهات آخرين، إذا أقنعه مجتمعه بأن أولئك الآخرين لا يستحقون المستوى نفسه من الاعتراف الأخلاقي.
وهنا يصبح سؤال كيف يستطيع مالك الرقيق أن يكون رجلاً محترماً في مجتمعه؟ سؤالاً مركزياً. والجواب هو أن المجتمع قد لا يقيس الأخلاق بمقياس إنساني شامل، وإنما بمقياس داخلي خاص بالجماعة. فقد يكون الرجل كريماً مع ضيوفه، وفياً لأصدقائه، حامياً لأقاربه، متصدقاً على الفقراء من جماعته، ملتزماً بطقوسه الدينية، ومدافعاً عن قبيلته، ثم يملك في الوقت نفسه إنساناً آخر، ولا يشعر بتناقض كامل، لأن الأخلاق نفسها موزعة داخل المجتمع بصورة غير متساوية. فالكرامة ليست للجميع بالدرجة نفسها، والرحمة ليست قاعدة كونية، والحرية ليست حقاً متساوياً، بل تكون الأخلاق محدودة العضوية: كاملة داخل الجماعة، ومنقوصة خارجها. ولهذا فإن أعظم التحولات الفكرية في مقاومة الرق لم تكن أن يقال للسيد: كن أكثر رحمة بعبدك، بل أن يقال له: ليس لك عبد أصلاً؛ لأن الإنسان لا يمكن أخلاقياً أن يصبح ملكية لإنسان آخر. وهذا انتقال فلسفي عميق من إصلاح العبودية إلى رفض أساسها الأخلاقي ذاته.
وتصل الظاهرة إلى واحدة من أكثر مراحلها قسوة عندما يختفي الرق القانوني، لكن يبقى مفهوم “الأصل”. فالعبودية التاريخية كانت، في ظروف مختلفة، وضعاً يمكن أن يتغير بالعتق أو الإلغاء، أما حين يتحول الوضع التاريخي إلى عبارة مثل “أصل عبيد”، فإن المجتمع يحاول أن يجعل الاسترقاق صفة وراثية لا تنتهي. وهنا تحدث مفارقة أخلاقية فادحة: الجريمة ارتكبها المالك، لكن العار يرثه المسترق؛ المستفيد قد يرث الاسم، والضحية ترث الوصمة؛ المستفيد يرث الأرض، والضحية ترث التصنيف؛ المستفيد يرث المكانة، بينما يُطلب من نسل من وقع عليهم الاسترقاق أن يحملوا ذاكرة العبودية وكأنها نقص فيهم، لا جريمة ارتكبت في حق أجدادهم. وهذا من أكثر أشكال قلب العدالة الأخلاقية قسوة، فالإنسان يُعاقب اجتماعياً لا على شيء فعله، ولا حتى على شيء فعله جده، بل على شيء فُعل بجده. ولهذا قد تكون بعض آثار الرق الاجتماعية أطول عمراً من الرق القانوني نفسه.
ومن هنا يمكن النظر إلى العنصرية، في أحد أبعادها التاريخية، باعتبارها ذاكرة للاستغلال تحولت إلى نظرية عن البشر. يبدأ الأمر بمصلحة اقتصادية: نحتاج إلى عملهم. ثم يصبح سلطة: نستطيع السيطرة عليهم. ثم يصبح تبريراً: هم أقل منا. ثم يصبح ثقافة: الجميع “يعرف” أنهم أقل. ثم يصبح نسباً: أحفادنا أعلى من أحفادهم. ثم يصبح ذاكرة: أجدادنا كانوا أسياداً. وعند هذه النقطة يكون نظام الرق قد حقق أخطر انتصاراته؛ لم يعد يحتاج إلى عبد فعلي، ولا إلى سوق، ولا إلى وثيقة ملكية، ولا إلى قيد حديدي، لأنه أصبح فكرة مستقرة عن قيمة الإنسان. ولهذا فإن إلغاء الرق بالقانون، على ضرورته التاريخية والأخلاقية، لا يكفي وحده للقضاء على إرثه. فلا بد من تفكيك النظام الذي تركه وراءه في اللغة والذاكرة والنسب والزواج والفن والمناهج والأمثال والأغنيات والرموز العامة وتعريف الشرف نفسه. فالمجتمع المتحرر من العبودية ليس فقط المجتمع الذي لم يعد يسمح للإنسان بامتلاك إنسان آخر؛ إنه المجتمع الذي لم يعد يسمح لذاكرة امتلاك الإنسان بأن تتحول إلى مصدر للعظمة. والمسألة في النهاية ليست أن نسأل: من كان أجداده أسياداً ومن كان أجداده عبيداً؟ بل أن نطرح السؤال الأخلاقي الأكثر جذرية: كيف استطاع مجتمع ما أن يمنح الاحترام لمن امتلك الإنسان، وأن يورث الوصمة لمن سُلبت حريته؟ عند الإجابة عن هذا السؤال يبدأ الانتقال الحقيقي من تاريخ العبودية إلى نقد ثقافة العبودية؛ ومن تحرير الجسد إلى تحرير الذاكرة؛ ومن إلغاء الملكية القانونية للإنسان إلى إسقاط آخر وأصعب امتيازات السيد: ادعاؤه أن سيادته على إنسان آخر كانت، في أي وقت من التاريخ، دليلاً على قيمة إنسانية أعلى.
نواصل في الجزء الثالث:

النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى