
قراءة جديدة في دفاتر الصراع في السودان
للدكتور أبكر آدم إسماعيل
تلخيص: العاقب الصافي
يقدم أبكر آدم إسماعيل في كتابه «جدلية المركز والهامش» محاولة لإعادة قراءة التاريخ السوداني والصراع الاجتماعي والسياسي والثقافي من خلال مفهوم المركز والهامش. وينطلق من نقد الطريقة التي كُتب بها التاريخ السوداني، والتي اهتمت بصورة أساسية بالحقل السلطوي ومواقع الجماعات منه، بينما لم تمنح الأنساق الاجتماعية وتطورهاوالصراعالتاريخي والاجتماعي والسياسي والأيديولوجي والمعرفي الاهتمام الكافي.
ومن هنا يطرح الكتاب ضرورة البحث عن مدخل تاريخي ومعرفي يتجاوز التقاليد السائدة في قراءة تاريخ السودان، كما انه لا يتعامل مع التاريخ باعتباره مجموعة من المراحل السياسية المنفصلة، وإنما باعتباره صيرورة تتفاعل داخلها الأنساق والعلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية.
إشكالية كتابة التاريخ
يرى أبكر أن من مشكلات كتابة التاريخ السوداني وضع السودان داخل سياقات معرفية جاهزة، فبينما اتجه بعض الكتاب السودانيين إلى وضعه في سياق شرق أوسطي، اتجه بعض الغربيين إلى وضعه في سياق أفريقي. ويكشف اختلاف هذه التصورات عن أثر موقع الباحث والمنظور الذي ينطلق منه في تشكيل قراءة التاريخ.
كما انه يتحفظ علي تجزئة التاريخ السوداني إلى عصور منفصلة، بحيث يصبح تاريخًا للممالك والحكام والحروب، بدل البحث عن استمرارية الأنساق الاجتماعية وتحولاتها.
ويربط ذلك بالتحولات التي شهدتها كتابة التاريخ الأفريقي، خصوصًا الانتقال من المركزية الأوروبية في تفسير أفريقيا إلى محاولة بناء تاريخ ينطلق من أفريقيا نفسها. وفي الحالة السودانية يطرح ابكر مسألة المركزية العربية الإسلامية في كتابة التاريخ، وضرورة إعادة النظر في الأطر المعرفية التي جرى من خلالها تفسير السودان.
الثقافة والجدل الثقافي
ينظر أبكر إلى الثقافة باعتبارها مجالًا واسعًا يشمل الأسرة والتربية والدين والأخلاق والجمال واللغة والاقتصاد والقانون والسياسة. والثقافة ليست ثابتة، وإنما تتغير وتتفاعل مع الواقع.
وعندما تتعدد الثقافات داخل المجتمع، فإن العلاقة بينها قد تتحول إلى جدلية وصراع. وتظهر المركزية الثقافية عندما تفرض جماعة ثقافتها على جماعة أخرى من خلال السلطة ومؤسسات التعليم والإعلام وغيرها من أدوات التأثير، بحيث تصبح ثقافة الجماعة المهيمنة معيارًا لما هو طبيعي وصحيح ومقبول.
وفي المقابل لا تختفي الثقافة المهمشة بسهولة، وإنما تحاول الجماعة الحفاظ عليها ومقاومة عملية الإلغاء بما يتوفر لها من وسائل. وهنا تدخل الثقافة في جدلية المركز والهامش، بحيث تصبح الهيمنة الثقافية جزءًا من الهيمنة الاجتماعية والسياسية.
الثقافة والسلطة والدولة
يربط أبكر بين تطور الثقافة وتطور السلطة. فالإنسان في صراعه مع الطبيعة من أجل تلبية حاجاته يدخل كذلك في صراع مع الإنسان الآخر حول الموارد والسلطة. ومع تطور المجتمع تتطور أشكال السلطة من البسيطة إلى المركبة ثم إلى السلطة السياسية، وتصبح الدولة شكلًا متقدمًا لتنظيم السلطة. لكنها لا توجد خارج المجتمع، وإنما تحمل داخلها آثار البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي نشأت فيها.
لذلك لا يمكن دراسة الدولة بمعزل عن المجتمع وعلاقات القوة داخله، ولا يمكن فهم شكل السلطة دون فهم الأنساق التي أنتجته.
الاقتصاد وتطور علاقات السلطة
يتتبع الكتاب تطور الاقتصاد من أشكاله البسيطة القائمة على التعامل المباشر مع الطبيعة إلى الاقتصاد الاكتفائي والامتلاك، ثم إلى أشكال أكثر تعقيدًا تتطور معها علاقات الملكية والسيطرة.
ومع تطور الاقتصاد تتطور السلطة وعلاقات القوة. إلا أن الاقتصاد لا يمثل العامل الوحيد في تفسير المجتمع، خصوصًا في المجتمعات السابقة على الرأسمالية، ولذلك يتحفظ أبكر على إسقاط المراحل والمفاهيم الماركسية بصورة آلية على الواقع السوداني، مؤكدًا ضرورة ارتباط المفهوم بالسياق الذي نشأ فيه وبالواقع الذي يراد تفسيره.
المنهج والوعي والتاريخ
يرى أبكر أن المنهج يرتبط بالسياق الذي يستخدم فيه، وأن نتائجه تتوقف على توفر شروطه في الواقع. أما الأيديولوجيا فتتحول إلى عائق أمام المعرفة عندما تجعل الباحث يبدأ من تصور مسبق بدل أن يبدأ من الواقع نفسه.
وقد تؤدي الأيديولوجيا إلى اختزال الواقع وتعميمه ووضع الألقاب عليه، فتمنع رؤية الظاهرة في تعقيدها. كما أن الإنسان لا يدرك الواقع بصورة منفصلة عن موقعه ومعارفه السابقة ولغته؛ فاللغة والمعارف الموروثة تدخل في تشكيل الوعي، وقد تحمل تصورات مسبقة تتحول إلى حواجز أمام المعرفة إذا اعتُبرت حقيقة نهائية.
ومن هنا يصبح تجاوز العقبة الأيديولوجية شرطًا لرؤية الواقع، كما يصبح الوعي بالذات وموقع الباحث من الواقع جزءًا من المسألة المنهجية.
والتاريخ، وفق هذا التصور، ليس مجموعة أحداث منفصلة، وإنما صيرورة تتكون من أنساق وعلاقات متداخلة. لذلك لا يكفي تفسيره بحدث أو شخص أو مرحلة سياسية منفردة، بل يجب النظر إلى العلاقات التي تربط مراحله وتحولاتها.
بنية الصراع في السودان
ينتقل أبكر من هذه المقدمات إلى دراسة بنية الصراع السوداني من خلال جدلية المركز والهامش. والمركز والهامش لا يعنيان مجرد موقع جغرافي، وإنما يمثلان علاقة تتشكل في مجالات متعددة: السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية والاجتماعية، وقد تظهر حتى داخل الثقافة أو الدين الواحد.
ويتكون النسق التراتبي من مستويات متعددة؛ فهناك مركز ترتبط به السلطة والامتياز، وهامش للمركز، ثم هوامش أوسع. ويصبح المركز موقعًا للقدرة على التحكم في الموارد والقرار وتعريف المعايير، بينما يصبح الهامش موقعًا للجماعات الأقل قدرة على التحكم في هذه المجالات.
لكن العلاقة ليست ثابتة ، فالمركز يعمل على إعادة إنتاج وضعه، والهامش يقاوم هذه العملية، ومن خلال الصراع يتغير الوعي وتتغير المواقع.
تأسيس الوضعية التاريخية
يربط أبكر تأسيس الوضعية المركزية الحديثة في السودان بقيام الحكم التركي المصري، ويرى أن الدولة الحديثة أرست شكلًا مركزيًا ظل حاضرًا رغم تغير الحكومات وأنماط الحكم.
وفي هذه الوضعية احتلت الثقافة العربية الإسلامية موقع المركز، بينما وجدت الثقافات والكيانات السودانية الأخرى نفسها في مواقع هامشية. وتداخل ذلك مع التطور غير المتكافئ للمجتمع، ومع نشوء فئات ارتبطت مصالحها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالمركز.
ويتناول أبكر في هذا السياق شهادات عدد من المؤرخين حول تكوين هذه الوضعية وآثارها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وعلاقة التكوين الاقتصادي بالتجارة والرق وتكوين رؤوس الأموال، إلى جانب التحالفات الاجتماعية التي ساهمت في تثبيت الوضعية الجديدة، ودور الجهاز الأيديولوجي في إعادة إنتاجها.
الجلابة وتحولهم إلى قوة اجتماعية
يتناول الكتاب الجلابة باعتبارهم فئة تجارية ارتبط صعودها ببداية الحكم التركي المصري، وضمت أفرادًا ومجموعات من قبائل عربية في وسط وشمال السودان، إضافة إلى بعض النوبيين المستعربين.
ومع انتشار التجارة واتساع حركة التجار في مناطق السودان المختلفة، تطور وضعهم الاقتصادي والاجتماعي، وأصبح لهم عمق في الأسواق وعلاقات بالدولة والسلطة.
ويربط أبكر بين التجارة وتكوين القوة الاقتصادية وبين الصعود الاجتماعي والسياسي، كما يتناول علاقة هذه الفئة بالرق وبالدولة وبالأسواق، ويرى أن تطور مصالحها الاقتصادية أسهم في تكوين وضعية اجتماعية وسياسية جديدة.
تطور الوعي بالدولة وتحالف الهمباتة
يتتبع أبكر تطور وعي الجماعات بالدولة من خلال أشكال المقاومة التي ظهرت في مواجهة النظام التركي المصري، وصولًا إلى الثورة المهدية.
ويحدد لذلك مستويات متدرجة من الوعي.
الأول هو الوعي غير السياسي البسيط، ويتمثل في المقاومة القبلية المباشرة، كالمواجهة العسكرية والهروب والهجرة، ثم أشكال المقاومة السلبية مثل الصمت والكلام والصلوات والأدعية. ثم يأتي الوعي الانتقالي، عندما يبدأ الناس في إدراك ماهية الدولة وإمكاناتها من خلال سطوتها في الواقع، ويصبح واضحًا أن التخلص منها ليس أمرًا بسيطًا، فيبدأ التفكير في الخلاص والمخلص. ويربط أبكر هذا التطور بقيام الثورة المهدية. وقبل الحكم التركي المصري كانت الأغلبية الساحقة من الجلابة باعة متجولين بلا رؤوس أموال، وكان وجودهم في تحالف الهمباتة قائمًا على المصالح المتبادلة؛ إذ ساعدوا الدولة في عمليات النهب، بينما وفرت لهم الأسواق واشترت منهم المنهوبات.
ومع دخول بعض كبار الجلابة إلى مواقع متقدمة في إدارة الدولة، ظهر مجال جديد للتفكير في الوصول إلى السلطة وحيازتها ، ثم أدى منع تجارة الرقيق ومحاولة تصفية مؤسسة الرق إلى تحول في مصالح هذا التحالف، لأن الرق كان الجزء الأساسي للبنية الاقتصادية والاجتماعية التي قامت عليها مصالح الطرف المحلي، وخاصة الجلابة.
ومع تغير هذه المصالح برزت الحاجة إلى شكل جديد من التحالف، وجاءت المهدية بوصفها شكلًا جديدًا للتحالف السياسي.
الدولة السودانية: الثابت والمتحول
يرى أبكر أن تغير الحكومات لم يؤدِ إلى تغيير البنية الأساسية للعلاقة بين المركز والهامش. فقد تتغير السلطة والأشخاص وأنماط الحكم، بينما يبقى الشكل المركزي للدولة قائمًا وتظل الثقافة التي احتلت المركز محتفظة بموقعها ، ولهذا فإن الوصول إلى السلطة داخل الدولة المركزية لا يعني بالضرورة تغيير الوضعية التاريخية نفسها. فقد تنتقل جماعات أو أفراد من الهامش إلى المركز، لكن السؤال الأساسي هو ما إذا كانت البنية التي تنتج المركز والهامش قد تغيرت، أم أن الذي تغير هو مواقع بعض الأشخاص داخلها.
وتعيد مؤسسات الدولة والتعليم والإعلام وغيرها إنتاج المركز ثقافيًا، من خلال تقديم ثقافة الجماعة المهيمنة باعتبارها الثقافة المعيارية. وفي المقابل تستمر الثقافات المهمشة في مقاومة الإلغاء، فتظل الهوية والثقافة جزءًا من الصراع حول السلطة والانتماء وتعريف الدولة والمجتمع.
من المقاومة إلى الثورة
يتطور الصراع من أشكال أولية وغير سياسية إلى أشكال أكثر وعيًا وتنظيمًا. تبدأ المقاومة في صورة قبلية ومباشرة، ثم تتطور إلى إدراك لطبيعة الدولة، ثم إلى وعي سياسي يتجه نحو تغيير الوضعية نفسها. وفي هذا السياق تصبح الثورة درجة أعلى من الوعي؛ لأنها لا تستهدف مجرد تغيير الحاكم أو موقع جماعة داخل النظام، وإنما تتجه إلى تجاوز الجدلية القائمة وإعادة تأسيس الوضعية التاريخية على شروط جديدة.
المآلات
عندما تصل جدلية المركز والهامش إلى مرحلة الأزمة، خصوصًا مع اتساع الحروب والصراعات، يصبح استمرار الوضعية القديمة أكثر صعوبة.
ويطرح أبكر ثلاثة مآلات للخروج من الأزمة: الثورة، والمساومة التاريخية، والانهيار.
ولا تعني الثورة عنده مجرد تغيير الحاكم، وإنما قيام تحالف تاريخي بين الكيانات المهمشة وقوى الوعي والتقدم في المركز، بهدف تجاوز الوضعية التاريخية القائمة وإعادة تأسيس الدولة على أساس التعدد والعدالة والمساواة والتعايش، بحيث تصبح الدولة دولة للجميع.
الخلاصة
يقوم مشروع أبكر في «جدلية المركز والهامش» على إعادة قراءة التاريخ السوداني من خلال الكشف عن البنية التي أنتجت المركز والهامش واستمرت في إعادة إنتاجها.فالمركز والهامش ليسا مجرد موقعين جغرافيين، وإنما وضعية تاريخية تتداخل فيها الثقافة والاقتصاد والسياسة والدين والدولة والوعي.
وقد أسهم تكوين الدولة الحديثة منذ الحكم التركي المصري في ترسيخ وضعية مركزية احتلت فيها الثقافة العربية الإسلامية موقع المركز، بينما وجدت ثقافات وكيانات أخرى نفسها في مواقع الهامش. ومع تطور الدولة والاقتصاد والتجارة وتكوين الفئات الاجتماعية، ارتبطت مصالح فئات معينة بالمركز، وتطورت علاقاتها بالدولة والأسواق والسلطة.
وفي المقابل تطور وعي الجماعات الأخرى بالدولة وبعلاقاتها بها، وانتقل من المقاومة غير السياسية إلى الوعي الانتقالي ثم الوعي السياسي .



