
في صيرورة الرح الكلي وهو يعبر ويعي بنفسه ، يتخارج بالسلب ، يتنكر لبراءته وكمونه من خلال التناقض “المنطق/الطبيعة ، الفرد/المجتمع ، لذاته/بذاته ” ، يُخرِج ما بجوفه ليكون مرآة نفسه من خلال السلب ، كل ذالك ليصل الروح الكلي “الشامل ” الي حيازة حريته عندما يكون هنالك احتواء للسلب “التناقض” . ،اي عندما ينتهي صراع الاضداد بتصالح ووافق الاضداد ، يكون الروح الكلي قد وعي بنفسه حق الوعي واصبح لديه الحرية المطلقة .
حسب هيجل فان تلك الروح الكلي الشامل يتمظهر ويتجلي بثلاثة طرق : الفن والدين والفلسفة . إذاً يتجلي الروح الكلي ويتحقق في صيروة التاريخ عندما يسكن مرة في الفن وتارة في الدين ومرة ثالثة في الفلسفة ، والاختلاف هنا اختلاف درجة اي بين الفن والدين والفلسفة ، الاختلاف سببه درجة قرب الروح الكلي من ذاته اي درجة محو وازالة التناقض بين الشكل والمضمون ، الحسي والمجرد ، الكلي والجزئي ، اي درجة الانتقال من حالة الاغتراب والتشظي الي حالة التوطين والانسجام . يحدث ذالك في الفن اولاً وبشكل اقل نتيجة أن الفن هو تعبير عن الكلي “المطلق ” عن طريق الجزئي والحسي المتعين ، اي أن الفن و علي الرغم من ان موضوعه ومضمونه المطلق الا انه يعبر عن ذالك بطريقة حسية وليست بطريقة مفهومية مجردة . وبذالك تكون الذاتية طاغية علي الموضوع الفني ، بمعني أن الفن رغم اطلاقية وكلية مضمونه الا انه شكلاً هي انطباعات ذاتية . وفي ذالك كله يستخدم هيجل كالمعتاد منهجه في الجدل فيقسم الفن نفسه الي ثلاثة مراحل وانواع ،والتقسيم نفسه يعتمد علي ما قلناه سابقاً في الاختلاف بين الفن والدين والفسفة اي درجة الاختلاف في تطابق الروح الكلي مع نفسه اي تطابق شكله مع مضمونه واقعيته مع معقوليته . ومن اجل ذالك يكون اولاً الفن الرمزي ثم الفن الكلاسيكي ثم الفن الرومانسي ، ففي الفن الرمزي يكون المفارقة بين المضمون والشكل بيّن وكبير وبالتالي تكون الفكرة مشوشة وغير واضحة والشكل كثيف وذو ملامح غاية الضعف واكثر ما يعبر عن الفن الرمزي هو الفن المعماري .
اما الفن الكلاسيكي فهو علي قدر كبير من الانسجام بين المطلق والمتعين ، بين الكلي والجزئي ، بين الشكل والمضمون اي بين الحسي والمجرد ، ولذالك علي العكس مما هو في الفن الرمزي نجد أن المضمون جلي وبهي ومشرق والشكل بيّن وواضح ورشيق . واكثر ما يعبر عن الفن الكلاسيكي هو فن النحت والرسم وحسب هيجل وتماشياً مع فلسفته العامة يقول بأن موطن الفن الكلاسيكي هو اليونان اي اهل الاغريق ، اما الفن الرمزي فهظوره كان في الشرق الادني والاقصي اي الحضارات القديمة السابقة للحضارة اليونانية . فبما أن الفن الكلاسيكي اكثر تعبيراً عن المطلق في شكله ومضمونه إذا تم المقارنة بينه وبين الفن الرمزي فانه ايضا اي الفن الكلاسيكي اكثر ابديةً وخلوداً من الفن الرمزي . واذا كان الفن الرمزي تغيب فيه الذاتية فان الذاتية تحضر ولو بصورة اقل في الفن الكلاسيكي ، ذالك لأن الذاتية تظهر الفردي وففي الفردي اندماج وتمفصل بين الكلي والجزئي .
اما النوع الثالث فهو الفن الرومانسي وفيه تكون الفن في قمته وذروته ، ذالك لان في الفن الرومانسي تكون تجلي الروح الكلي بصورة اكبر نتيجة لشبه الانصهار الذي يحدث للحسي والملموس داخل المجرد والمفهوم ، ولذا نوع الفنون التي تعبر بها الفن الرومانسي هو الموسيقي والشعر ، الشعر إذا في قمة الهرم الفني لنزوعه نحو المجرد اكثر من الحسي والمتعين ، ومضمون ما يعبر عنه الفن الرومانسي هو ” الحب ، الشرف ، الفروسية …. الخ . وفي هذه تكون البسمه الفردية طاغية والتعبير عن المطلق والكلي واضح .
هنا الروح المطلق وهو يتحقق اي ينتقل من الكلي مروراً بالجزئي وصولاً الي الفردي وهي لحظة التحقق الكامل في الفن قد بلغ ذروته في الفن الرومانسي علي وجه التحديد وفن الشعر علي نحو اكثر تحديداً .ولكن المفارقةهي أن الفن وهو يبلغ قمته في الشعر يكون ايضاً نهايته في الشعر ايضاً ، اي أن الشعر بخاصة والفن الرومانسي بعامة لا يستطيع أن يعبر أن مضمونه وهو المطلق بشكل كلي ،فيحدث التناقض بين الشكل والمضمون وفي هذه اللحظة لا يكون هنالك خيار الا الانفجار اي تخطي الفن نفسه الي شئ آخر يعبر عن المطلق بصورة اكبر وهذا الشئ ما هو إلا الدين . ومن هنا تكون الموضوع الثاني الذي يعبر الروح الكلي عن نفسه هو الدين والدين مثله مثل الفن ايضاً ينقسم الي ثلاثة مراحل وفي هذا التقسيم الثلاثي المعتاد عند هيجل لا يشِذُ شئ . والدين مقارنة بالفن هو اكثر تعبير عن المطلق اي اكثر تجريداً وتجاوزاً للمحسوس والمتعين ، ذالك ولأن الدين يصرح بمضمونه وهو الله ، بل وأن الله اي المطلق هو الجوهري والماهوي في الدين . ولكن الدين يعبر عن مضمونه تلك في مراحل كما قلنا آنفاً ، فيبدأ بمرحلة الدين الطبيعي ودين الفن ومن ثم ديانة التوحيد ، وواضح جداً في أن الدين الطبيعي يعبر عن نفسه بالحسي والملموس اي عن طريق التمثيل ” الاصنام والاوثان والارواحية ، والطوطم ” ، اي الدين الطبيعي لا يعبر عن نفسه الا بالتجسيد في شئ ما ” حجر ، نبات ، حيوان ” . ومن اجل يكون هنالك مفارقة وهوة كبيرة بين الشكل والمضمون ، بين الصنم وفكرته وبين الحيوان المقدس وما يعبر ويدل ويشير اليه ذالك الحيوان او النبات . ومن اجل ذالك يكون دين الفن وهي المرحلة الآحقة وهو ايضاً نجده عند الاغريق بينما النوع الاول اي الدين الطبيعي نجده عن شعوب الحضارات ما قبل الاغريق ، في هذه المرحلة اي مرحلة دين الفن يكون الانسجام بين الدال والمدلول اكبر بكثر من ما هو في الدين الطبيعي فيتجلي زيوس او افروديت او هيرا في النحت وكذالك في الملاحم والشعر والمسرح اي يكون هنالك توازن كبير بين درجة التجريد ودرجة الاحساس لتلك الآلهة علي عكس ماكان في الدين الطبيعي .
اما النوع الثالث هو دين التوحيد الذي يكون درجة التجريد فيه عالية وفي ديانة التوحيد يكون الله وبشكل كبير مجرد وغير محسوس فيكون في الطرف الاول من ذالك الدين اليهودي الذي هو اقل تجريداً ولذا يظهر يهوه اله اليهود علي نحو حسي رغم انه مفارق ، يظهر بصفاته وافعاله وليس بشحمه ولحمه ، يظهر مناصراً لليهود في الحرب وينتقم ويغضب ويفرح ، اي يبدو وكأنه مفارق لماهيته وهو الاطلاق . اما الدين الوسط في الثلاثي التوحيد فهو دين الاسلام ، فنها علي الرغم من أن الاسلام ظهر تالية للمسحية إلا أنه متأخر في الدرجة والرتبة ، فالاسلام فيه التوازان بين تجريد الله “ليس كمثله شئ ” وبين وتعينه ” الرحمن علي العرش الاستوي ” . اما المسيحية فهي الطرف الاخير من الثليث فهي اكثر تجريداً من الاسلام واليهودية ، بل هو تعبير عن المطلق شكلاً ومضمون بصورة اكبر من في الديانتين السابقتين ، هنا لا فصل بين الحسي والمجرد ولا بين الله والانسان ، أنه التمفصل والازدواج والتركيب .
فمثلما أن نهاية الفن هي بداية الدين فأن النقطة التي تنتهي عندها الدين تكون هي نقطة بداية الفلسفة في صيروة وتحقق الروح “العقل ” الكلي ، ذالك لان الدين قد بلغ قمته في المسيحية ومعها تكون حتف الدين ايضاً ذالك لانه التوق الي المثال والمجرد اي المطلق “الله ” ، لا يكون بصورة كاملة الا مع الفلسفة ذالك لأنه الفسلفة من حيث الشكل والمضمون يعبر عن ذالك المثال/المفهوم المجرد ، مع الفلسفة يتطابق الروح او العقل مع ذاته عن طريق الانعكاس علي نفسه تأملاً ، هنا الفكر يتفكر الفكر والعقل يعقل العقل ويكون نتيجة ذالك الانسجام وازالة الغربة بشكل كامل ومعني ذالك استعادة النفس اي تحقق الحرية بشكل مطلق وكامل . ولذالك الفلسفة يصرح بشكل واضح بالكلي ويعمل بالمجرد اي المفهوم الذي يحمل في باطنه الجزئي والكلي ،ولذالك الفلسفة هو اكثر فردية اي اكثر تعيناً للمطلق . بمعني هذا أن الفلسفة هي قمة هرم الروح الكلي اي هي بذرته وثمرته في نفس الوقت هي غايته وهي تتويج وتجسيد لذالك الروح المتحقق والمتصيرن .
وبطبيعة الحال يقسم هيجل الفلسفة الي ثلاثة مراحل حسب عادته كل مرحلة يعبر عن طريقة تجلي المطلق وعلاقة الدال بالمدلول اي الحسي بالمجرد . في البدء الفلسفة اليونانية ثم الفلسفة الوسيطة ثم الفلسفة الحديثة التي هي الغاية والمنتهي والمبدأ كذالك . ويوازي ذالك الفلسفة المثالية والتجريبة ثم اخير الفلسفة الديكاليكتية “الجدلية ” .



