
ثمة فكرة قديمة قدم الفكر الفلسفي تري أن اصل الوجود وفصله ” الموجود الأول الذي صدر منه كل موجود ” لا يخرج عن اربعة عناصر ؛ النار ” هيراقليطيس ” والماء “طاليس” والهواء “اكسمينس ” والماء والنار والهواء والتراب علي الجملة “أنبادقليس ” . فما معني أن يكون أحد تلك العناصر هي بذرة وخميرة الوجود ؟ اي صفة ودلالة تحمله عنصر ما من عناصر الطبيعة حتي يُمنح فضل الأصل والموجود الأول وعلة كل موجود؟ .
يأتي هاجس البحث عن اصل أول مفارق يعد شرط إمكان الوجود، من أن الوجود وعلي الدوام يظهر ويبدو متعدداً ومتكثر مشتتاَ منفرد العقد ؛ وفي الآن ذاته وللمفارقة يوحي ويشير الي الواحد الثاوي خلف الكم المتنوع والعدد المتعدد من وجود الموجودات. ومن هنا تأتي البحث عن علة اولي لما هو ثانوي ،وعن اصل للفرع ، ومركز للهاهش ، وبداية للآن ، وسابق للآحق ، وواحد للكثير، ومنسجم للمتنافر ، وعقد للمنفرد والمشتت ، وكيان للكائن ، ومطلق للنسبي ، وجوهر للعرض ، والنظام للفوضي، ومثال للواقع .
ولكن عندما يكون ذلك الأصل الاول “الماء/الهواء/النار/التراب ” يكون محايث من حيث مفارقته وظاهر من حيث بطنه ، وخارج من حيث دخوله ، وجزء من حيث كليته ، ومتعين من حيث لاتعينه . فالماء مثلاً علة اولي وله فضل ذلك حسب طاليس ليس لأنه سابق زمنياً وإنما فضله في سبقه الوجودي والمنطقي . وسبقه الأنطولوجي والمنطقي يأتي من ما يجعل العنصر المعين اكثر مفارقه ،مفارقه بين ماهو غير قابل للتعين/لا طعم ولا رائحة ولا لون ” هلامي، من غير قالب ، منسجم ، متجانس ، اقرب الي السماء منه الي الأرض، مطلق اكثر من كونه نسبي. وفي الوقت ذاته والشئ نفسه محايث في كون كل شئ ما إلا هو هو ، لا شئ غير الماء سوي أنه في شكل آخر في كل مرة ، لذا الماء هو الهواء عند التخلل “تفكك جزيئاته ” والهواء عند التخلل يصير ناراً . وفي الجهة الاخري يصير الماء جامداً “تراباً” عند التكاثف “تماسك اجزاءه ” ؛ هكذا يري طاليس الماء بإعتباره كل مافي الوجود. وهو الحال نفسه مع اكسمينس عندما يشير الي الهواء بإعتباره الأصل الاول الذي صدر منه الموجودات. وهيراقليطس يري النار اصلاً للوجود لأنه رمز الصيرورة والتغيير والحركة ، رمز لصراع الاضداد ” الموت/الحياة، الخير/الشر ” .
نلاحظ أن أحداً لم يشير الي التراب وحده بإعتباره الموجود الأول الذي سبب كل موجود ، علي الرغم من أن أنبادقليس أشار الي أن اساس الوجود هو العناصر الأربعة مجتمعة وليس أحد العناصر علي الانفراد . فالسؤال لماذا التراب وحده علي الانفراد ليس بالموجود الأول؟ ذلك لأن التراب رمز الكثرة المطلقة والانقسام اللانهائي والتعين الغير محدود ، مما لا يفيد الوحدة والانسجام والمفارقة والمثال والتجريد، علي عكس عناصر ” الماء والهواء والنار ” . والترب دليل الثقل والكثافة والكتلة والثبات والتشتت وليس دليل الخفة والحركة واللطافة والتجانس . التراب =الجسد ، “الهواء والماء والنار ” =الروح ؛ فإن كان الفلاسفة الطبيعيين يبحثون عن السماء من داخل الأرض فالتراب يمثل الأرض دون الاشاره الي السماء .
تلك العناصر الأربعة يستحيل ويتحول كل واحد الي الآخر، هذا يعني أن لا اختلاف في النوع والماهيه وإنما الإختلاف في الشكل والدرجة والحال . مما يعني أن الوجود من حيث جوهره واحد ومختلف من حيث العرض . وهذا يعني أن الجوهر مفارق ومحايث في الآن ذاته ، والجوهر هو جوهر بالقوة ” المنطق ” وعرض بالفعل “الواقع ” . والجوهر سبقه علي الأعراض ليس زمنياً وإنما منطقياً ” فاعل/منفعل ، محرِك / محرَك ، واحد/ متعدد … الخ .
يكون عنصر الماء برزخاً ” وسيطاً ” بين التراب والهواء ، والهواء برزخاً بين الماء والنار ، فيكون التراب ” الجسد ” اقرب اليه الماء ، ويكون النار “الروح ” اقرب إليه الهواء ؛ فيكون بين النار ” الروح ” والتراب “الجسد ” في الضفة الاخري التحاماً مباشراً لا وسط “برزخ ” بينهما ؛ فيخرج النار”الروح ” من التراب”الجسد ” ، ويكون النار سبباً لوجود التراب . البرزخ دائما ما يحمل صفة الشئ والآخر فهو البدء والمنتهي ، فيكون أ هوب ، وب هو أ .



