علوم

د. ناهد محمد الحسن: حين تقف الدولة والنخب أمام المرآة- 1-2-تعقيب على د. ناهد محمد الحسن: من جرائم الحرب إلى سؤال من أنتج الحرب؟

خالد كودي

17/9/2026 خالد كودي، بوسطن
أقرأ مقال د. ناهد محمد الحسن، “حين يقف الجميع أمام المرآة: المثقف والبندقية وأخلاق الحوار في زمن الحرب”- ” خالد كودي ؛ عدالة المشروع ومعضلة التأسيس “، بوصفه محاولة جيدة لنقل النقاش من الإدانة الأخلاقية المجردة إلى سؤال شديد الاهمية: كيف يمكن لمشروع يدعو إلى تأسيس دولة جديدة أن يضمن ألا تتحول القوة المسلحة المشاركة فيه إلى سلطة تعيد إنتاج الدولة القديمة؟
ويمكن تلخيص حجتها في نقاط مترابطة. فهي تقر أولاً بأنني لم أنكر جرائم الدعم السريع في فيما كتبت، ولم أدافع عنها، بل طالبت بالتحقيق والمحاسبة وعدم منح أي قوة حصانة. ثم تنتقل من مسؤولية الأفراد إلى بنية القوة نفسها، وتسأل عما تكشفه الجرائم المتكررة عن القيادة والانضباط والعقيدة العسكرية. وبعد ذلك تميز، بين عدالة فكرة السودان الجديد وبين أهلية القوة التي تشارك في حمل هذا المشروع، وتنتهي إلى سؤال موجه للمدنيين والمثقفين داخل “تأسيس”: هل يتحول وجودهم إلى قدرة مؤسسية تقيد السلاح، أم يصبح مجرد رأسمال مدني وأخلاقي يضاف إلى القوة المسلحة؟
هذا سؤال مشروع وضروري، وإن كان ينطلق، في تقديري، من افتراض يحتاج بدوره إلى المساءلة: أن قدرة المثقفين والمدنيين الداعمين لمشروع السودان الجديد داخل “تأسيس” على تقييد القوة المسلحة وتحويل المبادئ إلى مؤسسات ما تزال موضع شك مسبق. وهنا تظهر مشكلة أقدم في تاريخ النخبة السودانية: سهولة الاعتراف بالهامش بوصفه ضحية، وصعوبة الاعتراف به بوصفه منتجاً للحلول ومشروعاً للدولة.
تاريخياً، احتكرت نخب المركز زمناً طويلاً سلطة تعريف “المشكلة السودانية” وتحديد ما يُعد حلاً عقلانياً ووطنياً لها. لذلك لا يكون الاعتراض دائماً على مضمون الفكرة وحده؛ فقد يعمل أيضاً شك معرفي متوارث عندما تأتي الفكرة من خارج المواقع التقليدية لإنتاج السياسة والمعرفة. فالمهمش يُقبل شاهداً على الحرب والفقر والتمييز، لكن قدرته على إنتاج تصور للعلمانية والمواطنة والعدالة واللامركزية وإعادة بناء الجيش والدولة تُستقبل أحياناً بقدر أكبر من الريبة.
وسيكلوجياً، يمكن فهم ذلك بوصفه دفاعاً عن المكانة والسلطة المعرفية: فالاعتراف بأن الجماعات التي عوملت تاريخياً كأطراف للدولة استطاعت أن تنتج مشروعاً لإعادة تأسيس الدولة كلها يعني أن المركز لم يعد يحتكر تعريف الأزمة أو صياغة الحل. ولذلك يصبح السؤال الذي تثيره د. ناهد عن قدرة الداعمين المدنيين لـ”تأسيس” مشروعاً، لكن ينبغي قلبه أيضاً: هل نشك في قدرتهم بسبب أدلة على عجزهم الفعلي، أم لأن المخيال السياسي السوداني لم يعتد بعد أن تأتي رؤية الدولة من الهامش والمهمشين؟ هنا لا تعود المسألة امتحاناً لـ”تأسيس” وحده، بل امتحاناً لقدرة النخبة السودانية نفسها على قبول أن من عانوا اختلال الدولة يمكن أن يكونوا أيضاً من منتجي أكثر مشاريع إصلاحها وإعادة تأسيسها جذرية.

من أين جاءت القوى التي ترتكب الجرائم؟
لكن السؤال الأساسي الذي ينبغي إضافته إلى أي حوار جاد هو: من أين جاءت القوى التي ترتكب هذه الجرائم؟ فالإجابة السهلة هي البحث عن العنف في هوية المقاتل أو قبيلته أو منطقته، أما الإجابة الأصعب فتبحث في التاريخ والدولة والمؤسسة والاقتصاد السياسي للحرب. ومشروع السودان السودان الجديد يقوم علي اختبار هذا التاريخ بتعقيداته.
وهنا ينبغي الحذر من استعادة، ولو بصورة غير واعية، تقليد فكري قديم حاول تفسير الجريمة باعتبارها صفة كامنة في Cesare Lombroso الإنسان أو الجماعة. ففي أواخر القرن التاسع عشر طرح الطبيب الإيطالي سيزار لومبروزو
نظريته عن “المجرم بالفطرة”، وربط الجريمة بما اعتبره سمات بيولوجية و”ارتداداً” إلى مراحل أدنى من التطور الإنساني. وقد تداخلت هذه المدرسة لاحقاً مع تصنيفات عرقية ونظريات “الانحطاط” التي رتبت البشر في درجات من التطور والحضارة. ورغم سقوط هذا الاختزال البيولوجي منهجياً، بقي منطقه الاجتماعي مغرياً: بدلاً من تفسير الجريمة، يُصنَّف المجرم؛ وبدلاً من دراسة الظروف التي أنتجت العنف، يُبحث عن العنف في جسد الإنسان أو أصله وهويته.
وهذا المنطق كان تاريخياً قريباً من العنصرية لأنه يحوّل أفعال أفراد وظروفاً تاريخية متغيرة إلى خصائص ثابتة لجماعات بشرية. وحين يُنقل إلى السودان يصبح الخطر واضحاً: أن يُفسَّر عنف مقاتلين جاءوا من “مجتمعات عربية في دارفور” باعتباره دليلاً على طبيعة متأصلة في تلك المجتمعات، بدلاً من السؤال عن الدولة والحرب والتهميش والتجنيد والموارد والاستقطاب الإثني التي شكلت المقاتل ومسار القوة المسلحة. بل إن هيومن رايتس ووتش نفسها نبهت، في توثيقها المبكر لحرب دارفور، إلى تعقيد ثنائية “عرب/أفارقة” وإلى أن استخدامها لا ينبغي أن يحجب التنوع والتداخل داخل مجتمعات دارفور.
فالدعم السريع لم يسقط على السودان من السماء، ولم ينشأ خارج الدولة السودانية. لقد وثقت هيومن رايتس ووتش وغيرها منذ حرب دارفور الاولي أن الحكومة السودانية جنّدت وسلّحت ودعمت مليشيات محلية واستخدمتها ضمن استراتيجية مكافحة “التمرد”، وأن استخدام المليشيات كوكلاء في حروب الأطراف سبق حرب دارفور نفسها. ثم أُضفي الطابع الرسمي تدريجياً على أجزاء من هذه البنى، وصولاً إلى إنشاء قوات الدعم السريع عام 2013 من عناصر وشبكات مرتبطة بحرس الحدود والمليشيات الوكيلة السابقة.
وهذا لا يعفي أي مقاتل من مسؤوليته الفردية، ولا يحول الجاني إلى ضحية لأنه فقير أو مهمش. لكنه يمنعنا من ارتكاب خطأ أخلاقي وتحليلي معاكس: أن نبدأ تاريخ الجريمة عند اللحظة التي ضغط فيها المقاتل على الزناد، وننهي التحقيق قبل الوصول إلى الدولة التي سلّحت وموّلت ونظمت، وإلى السياسات التي وظفت النزاعات على الأرض والموارد والاستقطاب الإثني في صناعة الحرب.
وهنا تظهر، في تقديري، خفة بعض الخطاب النخبوي السوداني: الميل إلى التفسير الأقرب والأسهل ـ القبيلة، العرق، “طبيعة” المقاتلين، ثقافة المجتمع ـ بدلاً من التفسير البنيوي الأكثر صعوبة، لأنه يقتضي مساءلة الدولة نفسها والنخب التي هندستها وأدارتها والأفكار التي بررت حروبها. فالتفسير السطحي يضع الجريمة في “الآخر” ويترك الدولة والمركز خارج قفص التحليل؛ أما التفسير العميق فيسأل كيف تحولت جماعات بشرية، في ظروف تاريخية محددة، إلى خزانات للتجنيد، وكيف استطاعت السلطة تحويل التنافس على الأرض والموارد إلى استقطاب إثني ثم إلى قوة عسكرية. وقد اثبتت تقارير حقوقية بالفعل كيف استخدمت الدولة السودانية هذه الانقسامات وسلّحت قوى محلية ضمن استراتيجية الحرب في دارفور
ولهذا فإن القول إن أعداداً كبيرة من مقاتلي هذه التشكيلات جاءت تاريخياً من قطاعات داخل مجتمعات عربية في دارفور وصفٌ لمسارات تجنيد محددة، وليس تفسيراً للجريمة بالهوية. فالانتقال من “جاء مقاتلون من هذه الجماعة” إلى “هذه الجماعة تنتج المجرمين” هو بالضبط القفزة التي ميزت تاريخ النظريات العنصرية والحتمية في تفسير الجريمة: تحويل علاقة تاريخية وسياسية إلى جوهر بيولوجي أو ثقافي ثابت.
والسؤال العلمي ليس: ما القبيلة التي جاء منها المقاتل؟ بل: لماذا أصبح التجنيد ممكناً فيها في لحظة تاريخية بعينها؟ من سلّح؟ من موّل؟ من منح الرتب والحماية؟ ما أثر الفقر والأمية والتهميش؟ ما دور الأرض والموارد والتصحر والنزوح؟ وكيف حوّلت الدولة الهوية من رابطة اجتماعية إلى أداة تعبئة للحرب؟
بهذا المعنى، لا يكون التحليل البنيوي محاولة لتبرئة المجرم، بل محاولة لمنع إنتاج المجرم التالي. المحاسبة تعاقب من ارتكب الجريمة؛ أما التحليل العميق فيسأل عن المصنع الذي جعل إنتاجها ممكناً. وإذا اكتفينا بإدانة المنتج وتركنا المصنع يعمل، فقد نكون قد حققنا بعض العدالة الجنائية، لكننا لم نفهم بعد كيف نوقف دورة العنف في السودان.

سيكولوجية المقهور: فهم الجريمة لا يعني تبريرها
تساعدنا سيكولوجية القهر على فهم الجريمة من دون أن تمنحها أي شرعية، ود. ناهد “ام العارفين”. فقد بيّن باولو فريري
أن المقهور قد يستبطن صورة القاهر وقيمه، بحيث لا يقوده التحرر من موقع الضحية تلقائياً إلى وعي تحرري؛ بل قد يعيد إنتاج علاقات السيطرة نفسها إذا لم يصاحب التحرر السياسي تحرير للوعي والمؤسسات والثقافة، ولايوجد في السودان اليوم غير مشروع السودان الجديد العلماني الديمقراطي اللامركزي والقائم علي العدالة التاريخية يقول بهذا.
Richard Wright وتجد هذه الفكرة تجسيداً أدبياً ونفسياً قوياً عند الكاتب الأفريقي الأمريكي ريتشارد رايت
Black Boy and Native Son ولا سيما في روايتيه
فعالم “رايت” لا يقدم الإنسان المهمش “الأسود” بوصفه كائناً عنيفاً بطبيعته، بل يكشف كيف يمكن للعنصرية والفقر، والتهميش والتجهيل والإذلال والخوف وانسداد الأفق أن تتراكم داخل الإنسان حتى تشوه علاقته بنفسه وبالآخرين. وشخصية “بيغر” لا تبرئ الجريمة، وانما تجبر القارئ علي رؤية المجتمع الذي سبقها: Native Son توماس” في
الجاني مسؤول عن فعله، لكن المجتمع الذي صنع شروط العنف لا يصبح بريئاً لمجرد أنه لم يضغط الزناد بنفسه.
وعند فانون يصبح القهر أكثر من ممارسة خارجية؛ إنه يتسلل إلى البنية النفسية والاجتماعية للمقهور ويعيد تشكيل علاقته بالقوة وبذاته وبالآخر. ولذلك لا يمكن لدولة أدارت مجتمعات كاملة لعقود بالحرب والتهميش والتراتبية العرقية والإذلال، وسلّحت جماعات ضد أخرى، أن تتعامل لاحقاً مع العنف الناتج عن هذا التاريخ كما لو أنه ظهر من فراغ، هذا استهبال!
وهنا يصبح السؤال الجاد والعميق: من هو المجرم الأكبر في السودان؟ ليس بمعنى إعفاء من قتل أو اغتصب أو نهب من مسؤوليته الفردية، وإنما بمعنى توسيع دائرة المساءلة لتشمل أيضاً الدولة التي صنعت شروط الجريمة، والسياسات التي راكمت القهر، والنخب التي هندست تلك السياسات أو بررتها أو صمتت عنها لعقود ولاتزال!
لا يمنح فريري ولا فانون ولا رايت المقهور رخصةً للعنف؛ بل يضعوننا أمام السؤال الأصعب: كيف نمنع المقهور من إعادة إنتاج القاهر، وكيف ننتقل من دولة علّمته أن القوة مصدر الحق إلى دولة يصبح فيها الحق والقانون هما القيدان على القوة؟
وهنا تلتقي هذه المسألة مع جوهر أدبيات السودان الجديد ومع ما طرحه ويطرحه تحالف “تأسيس” من إعادة بناء مؤسسات جديدة للدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، على أسس مهنية وقومية وخاضعة للسلطة المدنية والقانون. فالتدريب والانضباط وسلسلة القيادة والمحاسبة وتغيير ثقافة المؤسسة العسكرية، وهي قضايا تثيرها د. ناهد، ليست استحقاقات تخص الدعم السريع وحده، بل جزء من إعادة تأسيس الدولة وكل مؤسساتها المسلحة والمدنية.
فالسودان الجديد في تقديرنا لا يتحقق بمجرد انتقال السلطة أو انتصار قوة على أخرى، وإنما عبر عملية تأسيس طويلة تشكل لمؤسسات ثقافية وسياسية ولعلاقة المواطن بالدولة. فالتأسيس، بهذا المعنى، عملية تاريخية وليست حدثاً سياسياً واحداً؛ ونجاح “تأسيس” نفسه كما يقول القائمين عليه وداعميه يُقاس بقدرته على تحويل مبادئه من نصوص ووعود إلى مؤسسات تستطيع إخضاع جميع حاملي السلاح للقانون، بمن فيهم القوى المنضوية تحت رايته وقبل ذلك تقوض الأسباب التي تدفع الناس الي حمل السلاح. فقبل أن نسأل: من أنتج المقاتل؟ ينبغي أن نسأل السؤال الأسبق: من أنتج الهامش نفسه؟
فالفقر في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق ليس ظاهرة طبيعية، وغياب التعليم والصحة والبنية التحتية والفرص والعدالة ليس قدراً جغرافياً. إنه، في جانب أساسي منه، حصيلة دولة وزعت السلطة والثروة والتنمية والاعتراف بصورة غير متكافئة، ورسخت تراتبية تحدد من يملك تعريف الهوية الوطنية ومن يُدفع باستمرار إلى هامشها.
وحين عجزت الدولة عن معالجة تناقضاتها، أدارت بعضها بالعنف: سلّحت جماعات في مواجهة أخرى، ووظفت الانقسامات القبلية والإثنية والصراعات على الأرض والموارد، وحولت مجتمعات مهمشة إلى خزانات للتجنيد والحرب. ثم، بعد عقود، تنظر بعض النخب إلى المقاتل الخارج من هذه البنية وتسأل: من أين جاء كل هذا العنف؟ ياسلام!
لقد جاء، في أحد أعمق مصادره، من المصنع نفسه: من دولة جعلت الحرب أداة للحكم، والتهميش بنية مستمرة، والسلاح طريقاً إلى السلطة والموارد. وهذا لا يخفف المسؤولية الفردية لمرتكب الجريمة، بل يوسع المسؤولية لتشمل من صنع شروط إنتاج العنف واستمراره.
ومن هنا يبرز سؤال لا يقل أهمية: أين كان الأكاديمي والمثقف والمتعلم السوداني بينما كان هذا المصنع يعمل؟ من أسهم في صياغة أفكاره وسياساته وتبريراته، ومن رأى نتائجه في الأطراف ثم اختار الصمت أو الحياد أو اللامبالاة؟

هنا أصل إلى الجزء الذي أراه غائباً بدرجة كبيرة عن مقال د. ناهد: مسؤولية النخب السودانية نفسها.
فالمثقف والاكاديمي ليس مراقباً محايداً للتاريخ. الكثير من الأكاديميين والمثقفين السودانيين هندسوا وشاركوا بصورة مباشرة في أجهزة الدولة، وفي صياغة سياساتها وقوانينها ومناهجها وخطابها العام. وبعضهم منح المركزية والتراتبية الثقافية والدينية والعرقية لغة حديثة وأكاديمية. وبعضهم لم يصنع تلك السياسات، لكنه صمت عندما كانت القرى تحرق بعيداً عن الخرطوم، أو تعامل مع حروب الهامش باعتبارها مسائل أمنية لا أسئلة تأسيسية عن طبيعة الدولة، والامثلة في متناول الجميع.

وهنا يصبح نعوم تشومسكي مهما. ففي مقاله الكلاسيكس “مسؤلية المثقفين”
(The Responsibility of Intellectuals)
لا يجعل المعرفة امتيازاً، بل مسؤولية مضاعفة؛ فمن يملك التعليم والمعلومة وأدوات التحليل ومنابر التعبير أقدر على كشف أكاذيب السلطة ومساءلة الجرائم ومقاومة تطبيع الظلم.
بهذا المعيار، لا يمكن إعفاء النخب السودانية ورموزها الوطنية والفكرية من المسؤولية التاريخية. فقد تعاقبت أجيال من السياسيين والمتعلمين والأكاديميين على دولة ظلت تنتج الحروب والتهميش وعدم المساواة، بينما انشغل جانب معتبر منهم بإدارة السودان القديم والتنافس على مركزه أكثر من إعادة تأسيس دولة لجميع مواطنيه. ولذلك لم يكن الإخفاق إخفاق الحكومات وحدها، بل إخفاقاً نخبويّاً متراكماً خذل أجيالاً من السودانيين، وترك أسئلة المواطنة والهوية وعلاقة الدين بالدولة وتوزيع السلطة والثروة وبناء الجيش معلقة، لتعود في صورة أزمات وحروب متكررة.
ومن هنا تصبح المسؤولية متناسبة مع القدرة: فالمثقف الذي يستطيع الكلام ويختار الصمت ليس في الموقع الأخلاقي نفسه لمن حُرم أصلاً من الكلام. كما أن الحياد ليس دائماً موقفاً محايداً؛ فعندما تكون بنية الظلم قائمة وتعمل بالفعل، قد يؤدي الصمت أو الاكتفاء بالإصلاح السطحي، موضوعياً، إلى تركها تعمل من دون مساءلة.
هوارد زن، احد اعظم المؤرخين في القرن الحادي والعشرين كان أكثر مباشرة حين قال مايعني إن الحياد في عالم يتحرك بالفعل في اتجاهات محددة يعني عملياً السماح لما يحدث بأن يستمر.
واما مارتن لوثر كنج ففي رسالة الشهيرة من سجن برمنغهام، لم يقل بالصياغة الشائعة إن “الحياد انحياز للظالم”، لكنه قال شيئاً أكثر دقة وأشد قسوة على النخب المعتدلة: إن العائق الكبير أمام الحرية لم يكن المتطرف العنصري فقط، بل أيضاً “المعتدل الأبيض” الذي يفضل النظام على العدالة ويفضل سلاماً سلبياً يخلو من التوتر على سلام إيجابي يقوم على العدالة. وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يستوقف الأكاديمي السوداني.
فالحياد امام بنية غير عادلة لا يوقفها، والصمت لا يوزع المسؤولية بالتساوي بين الصامت والقاتل، لكنه ليس خارج التاريخ
الصمت السوداني أيضاً وثيقة ويجب مساءلتها…

إذا كانت “جرائم الدعم السريع” موثقة ولا مجال لإنكارها، وجرائم الجيش والقوى المتحالفة معه موثقة بدورها ولا مجال لإنكارها، فإن مسؤولية قطاعات من النخب والمتعلمين والأكاديميين السودانيين تحتاج هي الأخرى إلى أن توضع أمام المرآة. فالمشكلة لم تكن في الصمت وحده؛ إذ شارك بعضهم، بدرجات وأشكال مختلفة، في إنتاج الرؤى والسياسات والخطابات التي شرعنت المركزية والإقصاء والتراتبية الثقافية والعنصرية، أو اختزلت حروب الهامش في مسائل أمنية وقبلية بدلاً من رؤيتها نتيجةً لأزمة الدولة والمواطنة وتوزيع السلطة والثروة.
ولا يعني ذلك تعميم المسؤولية على جميع المثقفين؛ فقد وجدت أصوات شجاعة قاومت هذه البنية ودفعت أثماناً لمواقفها. لكن الاتجاه الغالب ظل عاجزاً عن تحويل مآسي الهامش إلى أزمة أخلاقية ودستورية تخص الدولة كلها. ولم تصبح الحرب، في وعي قطاعات واسعة من المركز، كارثة وطنية بالحدة نفسها إلا عندما وصلت إلى الخرطوم وهددت المجال الذي ظل بعيداً نسبياً عن كلفتها المباشرة.
ومن حق المثقف اليوم، بل من واجبه، أن يسال الدعم السريع عن جرائمه. لكن من حق الضحية التاريخية أيضاً أن تسأله: أين كانت هذه الصرامة الأخلاقية حين كانت الدولة تستخدم الجيش والمليشيات والطيران والقوانين الاستثنائية ضد مجتمعات الأطراف؟ وأين كان النقد حين كانت رؤى بعض النخب نفسها تسهم في إعادة إنتاج الإقصاء والتهميش بل والدعم السريع نفسه؟
ليس المقصود إسكات أحد أو مقايضة جريمة بأخرى، بل توحيد المرآة والمعيار: أن يقف أمامهما حامل البندقية، والدولة التي صنعت شروط العنف، والنخب التي هندسته وشرعنته أو صمتت عنه أو عجزت رؤاها عن تجاوز بنيته ولاتزال عاجزة.

د. ناهد تعيد ما اتفقنا عليه، بينما يبدأ الخلاف بعده
مهم تسجيل أختلاف هنا مع البناء الاتصالي لجزء من حجة د. ناهد. في مقالها ” خالد كودي ؛ عدالة المشروع ومعضلة التأسيس ” فهي تقر منذ البداية بأنني أدنت جرائم الدعم السريع، وطالبت بالتحقيق والمحاسبة، ورفضت منح أي قوة حصانة من العدالة، ثم تعود فتخصص مساحة واسعة لإعادة عرض هذه الجرائم وتوثيقها.
هذا التكرار ليس محايداً بالضرورة من منظور دراسات الاتصال والحجاج. فهو يؤدي ما يُعرف بـإعادة التأطير (Reframing)
وهو نقل مركز النقاش من القضية المختلف عليها إلى قضية محسومة أصلاً، بحيث تصبح “جرائم الدعم السريع” هي الإطار (Repetition) الذي يقرأ القارئ من خلاله بقية الحجة. كما أن التكرار
يزيد بروز معلومة بعينها في وعي المتلقي، بينما يدفع أسئلة أخرى إلى الخلف. والمشكلة هنا ليست في صحة الوقائع، بل في الوظيفة الاتصالية لاختيار ما يُكرَّر وما يُهمَّش.
فالخلاف بيننا لا يبدأ من إثبات أن الجريمة جريمة، ولا من ضرورة محاسبة الدعم السريع وكل من ارتكب جرائم، ولا من ضرورة تحويل مبادئ “تأسيس” إلى مؤسسات قادرة على إخضاع السلاح للقانون. كل ذلك متفق عليه. الخلاف يبدأ بعده: هل تنتهي العدالة عند محاسبة مرتكبي الجرائم والمؤسسات المسلحة، أم تمتد إلى مساءلة التاريخ السياسي والاجتماعي الذي ظل ينتج الجناة والضحايا معاً؟
هنا تبدأ العدالة التاريخية التي تتبناها “تأسيس”. فالعدالة الانتقالية، رغم ضرورتها، تسأل أساساً: من ضغط علي الزناد وقتل ومن عذّب واغتصب وأخفى وأصدر الأوامر؟ أما العدالة التاريخية فتضيف: لماذا ظلت مناطق بعينها تتحمل النصيب الأكبر من الحرب والنزوح؟ كيف تركزت السلطة والثروة والتعليم والمؤسسات؟ كيف تشكل الجيش وعقيدته؟ وكيف استُخدمت الهوية والدين واللغة في بناء تراتبية بين المواطنين، ومن استفاد منها؟
لذلك لا تلغي العدالة التاريخية العدالة الجنائية أو الانتقالية، بل تدفعهما إلى جذورهما: من الجاني إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى بنية الدولة، ومن الواقعة إلى التاريخ الذي جعل تكرارها ممكناً. وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي ينبغي ألا تحجبه إعادة سرد جرائم اتفقنا ابتداءً على إدانتها ومحاسبة مرتكبيها.
وهذه إحدى النقاط المهمة في مشروع “تأسيس”. فالموقع الرسمي للتحالف يقدم الميثاق التأسيسي بوصفه وثيقة تقوم على العلمانية واللامركزية، والوحدة، ويعلن الالتزام بالشفافية والمساءلة؛ كما يتضمن الميثاق نفسه مبادئ للمحاسبة وإنهاء الإفلات من العقاب وسيادة حكم القانون. ويُطرح مفهوم العدالة التاريخية في الخطاب السياسي المرتبط بالمشروع باعتباره جزءاً من إعادة تأسيس الدولة، لا مجرد ملاحقة انتهاكات الحرب الحالية وامتطاءها للهروب من مواجهة أسباب الحروب.

وهنا أطرح على د. ناهد سؤالاً يتجاوز محاسبة مرتكبي الجرائم إلى مساءلة البنية التي أنتجتهم: أيٌّ من القوى السياسية والمدنية السودانية جعل العدالة التاريخية، لا العدالة الانتقالية وحدها، أساساً صريحاً لمشروع إعادة تأسيس الدولة؟ ولماذا يظل كثير من الخطاب السياسي أكثر استعداداً لمحاسبة الجاني المباشر من استعداده لمساءلة المؤسسات والأفكار والامتيازات التاريخية التي جعلت إنتاج الجناة والحروب ممكناً؟
فالعدالة الانتقالية، على ضرورتها، يمكن أن تحدد المسؤولية عن الانتهاكات وتحاسب مرتكبيها؛ أما العدالة التاريخية فتذهب إلى السؤال الأصعب: من صمّم الدولة التي ظلت تنتج التهميش والحروب؟ وهنا لا تقع المسؤولية على العسكريين والحكام وحدهم. فقد أسهمت قطاعات من النخب والمتعلمين والمثقفين والأكاديميين، بدرجات متفاوتة، في الهندسة الفكرية والأيديولوجية للسودان القديم: في تعريف الهوية الوطنية، وتبرير المركزية، وتطبيع تفاوت السلطة والثروة، واختزال حروب الأطراف في “تمردات” ومشكلات أمنية وقبلية، بدلاً من قراءتها بوصفها تعبيراً عن خلل تأسيسي في المواطنة وبنية الدولة. وفي المقابل، لم يشارك آخرون مباشرة في صناعة هذه السياسات، لكن صمتهم أو لامبالاتهم أو ادعاء الحياد ترك تلك البنية تعمل لعقود من دون مساءلة توازي حجم ما أنتجته من حروب وضحايا.
لا ينبغي التعامل مع انقلاب 1989 بوصفه لحظة ولادة السودان القديم؛ فالإنقاذ ورثت دولة مركزية مختلة في توزيع السلطة والثروة والاعتراف، ثم دفعت منطقها إلى صورة أكثر عنفاً وأيديولوجية، بمزج الحزب بالدولة والدين بالسلطة والأمن بالاقتصاد، وعسكرة السياسة وإضعاف المؤسسات. لكن الأخطر أن سقوط الإنقاذ في 2019 لم يؤدِّ إلى تفكيك بنيتها؛ فقد أتيحت للنخب المدنية والسياسية فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة، إلا أن سطحيتها وضعفها وانقساماتها وصراعها على السلطة وعجزها عن حسم قضايا الجيش والدولة والمواطنة سمح ببقاء أجزاء أساسية من النظام القديم، ثم عودتها إلى قلب السلطة بعد انقلاب البرهان في 25 أكتوبر 2021
ومن هنا يمكن قراءة استمرار سلطة البرهان ليس بوصفه قطيعة مع الإنقاذ، بل في جانب مهم منه بوصفه دليلاً على قدرة الدولة القديمة على إعادة إنتاج نفسها بعد سقوط حكامها. والمفارقة أن بعض النخب لا يزال يبحث عن المخارج داخل البنية نفسها: تغيير الأشخاص، وترتيب التحالفات، وتقاسم السلطة، من دون الذهاب إلى سؤال إعادة تأسيس الدولة. وهنا يقع الاحتيال السياسي والفكري الأخطر: أن يُقدَّم ترميم السودان القديم مرة بعد أخرى باعتباره انتقالاً إلى سودان مختلف.
لذلك فالأزمة أقدم من الإسلاميين وأوسع من البرهان، ولن تنتهي بإقصاء جماعة أو محاكمة مرحلة بعينها ما دام المصنع السياسي والمؤسسي والفكري قائماً. وهذا هو الفارق بين عدالة تكتفي بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وعدالة تاريخية تسأل أيضاً عن الدولة والنخب والأفكار والامتيازات التي سمحت بإعادة إنتاجهم.

من الجريمة إلى المؤسسة: و”تأسيس” قالت هذا أيضا:
ترى د. ناهد أن الاختبار الحقيقي لا ينتهي عند إدانة الجريمة، بل يبدأ من إعادة تأسيس المؤسسة العسكرية نفسها: قيادة منضبطة، ومحاسبة مستقلة، وحماية للأدلة والشهود، وربط الاندماج في جيش المستقبل بالسجل الفردي والمؤسسي. وهذا يتقاطع مع رؤية السودان الجديد وما يطرحه تحالف “تأسيس” بشأن بناء جيش قومي مهني جديد، لا مجرد إعادة تجميع القوات القائمة تحت اسم واحد.
لكن إعادة التأسيس ينبغي أن تكون جزءاً من العدالة التاريخية أيضاً. فالسؤال ليس فقط: من يصلح للخدمة في الجيش الجديد؟ بل: كيف تكوّن الجيش القديم، ومن مثّل داخله، ومن غاب عنه، ومن احتكر القيادة والرتب العليا وصناعة القرار؟ ومن ثم فإن قومية الجيش لا تتحقق بتعدد جنوده وحده، بل بأن تعكس بنيته، من القاعدة إلى أعلى مراتب القيادة، تنوع المجتمعات السودانية ووزنها السكاني بصورة منصفة، مع تكافؤ حقيقي في التجنيد والتدريب والترقي والقيادة.
ولهذا يجب أن يخضع الجميع للمعيار نفسه، بما في ذلك القوات المسلحة السودانية: العقيدة العسكرية، وسلسلة القيادة، والسجل تجاه المدنيين، والعلاقة بالسياسة والاقتصاد والأيديولوجيا، ومعايير الانتقال إلى مؤسسة عسكرية دستورية خاضعة للسلطة المدنية. فلا يستقيم تفكيك القوى المسلحة الأخرى وإعادة بنائها، ثم الاكتفاء بـ”إصلاح” الجيش القديم وحمايته باسمه وتاريخه من استحقاق إعادة التأسيس. الجيش القومي الجديد لا يرث امتيازات أي قوة قائمة؛ بل يُبنى ليعكس السودان نفسه، سكاناً ومجتمعات وأقاليم، في مختلف الرتب ومستويات القيادة

نواصل في الجزء الثاني

النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى