
من التنافس إلى التكامل: إعادة هندسة جهود السلام في السودان
29 مايو 2026 الأمن والسلام
شهدت الأزمة السودانية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 انتشاراً وتداخلاً غير مسبوق للمبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف القتال وإطلاق عملية سياسية شاملة. ورغم كثافة هذه الجهود وتنوع الفاعلين المشاركين فيها بدءاً من منصتي جدة والمنامة، إلى الرباعية الدولية والخماسية، وجهود منظمة “بروميدييشن” (Promediation) الفرنسية فإن هذا التعدد قد فشل في ترجمة نفسه إلى أي اختراق ملموس في عملية السلام. بل على العكس من ذلك، فقد ساهم في زيادة تعقيد المشهد عبر خلق بيئة من التنافس والتشرذم المؤسسي، مما قوض فرص بناء موقف دولي موحد.
وقد أدى هذا الواقع إلى نشوء العديد من الديناميكيات المعقدة، أبرزها ظاهرة “تسوّق المنابر” (Forum Shopping) من قبل أطراف النزاع، والتشرذم بين القوى المدنية والسياسية، وتمييع السياسات، وتكرار الخطابات المستندة إلى نهج “أدنى قاسم مشترك” دون إنتاج نتائج ملموسة. وفي هذا السياق، لم تعد المشكلة الأساسية تكمن في غياب المبادرات، بل في غياب التنسيق الفعّال بينها، فضلاً عن عدم وجود إطار جامع وقادر على ضمان تكامل الأدوار وتوجيه الجهود نحو أهداف واضحة ومشتركة. وبناءً على ذلك، تبرز حاجة ملحة لإعادة التفكير في كيفية إدارة هذا التعدد، وتحويله من مصدر للشلل إلى محرك للتماسك يعزز فرص التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة.
لقد ركز الوسطاء الخارجيون على معالجة الأزمة الإنسانية المرتبطة بالحرب، تاركين – وهو أمر مفهوم – الحل السياسي للصراع للسودانيين أنفسهم. إن تحقيق السلام المستدام يتطلب معالجة الجذور العميقة الكامنة في التاريخ، والتي دفعت البلاد إلى حروب متتالية منذ الاستقلال. وقد أسفرت هذه النزاعات عن فترات متناوبة بين الديمقراطية المدنية والديكتاتوريات العسكرية، مما قوض نظام الحكم الديمقراطي. وبناءً عليه، فإن التحدي الذي يواجه السودانيين اليوم هو الاتفاق على إطار يضمن السلام والأمن والاستقرار، مع كفالة الشمولية والمساواة والكرامة لجميع المواطنين.
تعظيم أثر الجهود الدولية
لكي تحقق المبادرات الخارجية نتائج ملموسة في السودان، يجب أن تستند إلى مقاربة منسقة توائم بين الجهود الثنائية والإقليمية والمتعددة الأطراف والدولية لدعم مفاوضات وقف إطلاق النار والعملية السياسية الشاملة. ويمكن لمبادرات مثل الرباعية، والخماسية، ومنظمة “بروميدييشن”، وغيرها من المنصات متعددة الأطراف أن تعمل بفعالية بالتوازي – ولكن فقط إذا وُجد تكامل حقيقي ومحدد بوضوح للأدوار. إن تحقيق أي اختراق سيعتمد على تنظيم هذه الجهود ضمن إطار استراتيجي مشترك، يتضمن فهماً موحداً حول كيفية وماهية إشراك الأطراف السودانية في النزاع. كما يمكن للتنسيق الفعّال أن يساعد في بناء الثقة بين الوسطاء، مما يعزز مصداقيتهم لدى أطراف الصراع.
أولاً: إنشاء بعثة سياسية فعّالة بتفويض من الأمم المتحدة
في ظل التصعيد المستمر والتعقيد المتزايد للأزمة، تبرز حاجة ملحة لإنشاء بعثة سياسية فعّالة بموجب تفويض من مجلس الأمن الدولي. وستكون مثل هذه البعثة في وضع أفضل لتجاوز قيود المبادرات المجزأة وتوفير إطار دولي موحد وفعّال.
يجب التعامل مع وقف إطلاق النار كمدخل أساسي لعملية سياسية أوسع تعالج جذور الصراع وتضع الأسس للانتقال الموثوق نحو سلام دائم. وبناءً على ذلك، ينبغي أن يمتد تفويض البعثة إلى ما هو أبعد من الوساطة السياسية ليشمل الإشراف والتنسيق للاستجابة الإنسانية الشاملة، وضمان وصول المساعدات دون عوائق ودون تسييس، فضلاً عن تعزيز حماية المدنيين.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن للبعثة أن تلعب دوراً مركزياً في المواءمة بين الجهود الإقليمية والدولية والحد من التكرار، وذلك عبر إنشاء آلية تنسيق تجمع الفاعلين الرئيسيين تحت رؤية مشتركة لسلام شامل وعادل ومستدام. ومن شأن ذلك أن يساعد في توجيه التدخلات حول الأولويات المتفق عليها وزيادة احتمالية تحقيق اختراق حقيقي في عملية السلام.
ثانياً: تنسيق الجهود وتكامل الأدوار
بالنظر إلى تزايد المبادرات، أصبح التنسيق وتكامل الأدوار شرطين أساسيين لتحقيق أثر ملموس. وفي هذا الصدد، يبدو الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد – IGAD) في وضع مناسب لتسهيل حوار مدني سوداني شامل يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين القوى المدنية والسياسية والحد من التشرذم الذي أضعف تأثيرها الجماعي. ويتطلب ذلك الانتقال من مجرد إدارة الانقسامات إلى بناء منصات تنسيق فعّالة تمنح الأولوية للمصالح الوطنية المشتركة.
وعلى المستوى الإقليمي، تؤدي جامعة الدول العربية دوراً حاسماً في تنشيط التواصل الدبلوماسي مع الأطراف الإقليمية، لا سيما تلك المتورطة بشكل مباشر أو غير مباشر في دعم الأطراف المتحاربة. ويمكن لهذا التواصل أن يساعد في تخفيف التدخلات الخارجية السلبية والحد من تدفق الأسلحة. وينبغي لهذا الدور أن يتطور ليتجاوز الدبلوماسية التقليدية نحو تنسيق استراتيجي وثيق مع المبادرات الأفريقية والدولية، خاصة في المجال الإنساني، لضمان بقاء تقديم المساعدات فعالاً وبعيداً عن التسييس.
أما على المستوى الدولي، فإن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة يمتلكون أدوات ضغط ونفوذ كبيرة، لا سيما من خلال الانخراط الدبلوماسي داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن على وجه الخصوص، بالإضافة إلى تقديم الدعم اللوجستي والفني والمالي. ومع ذلك، فإن فاعلية هذه الجهود تعتمد بشكل كبير على مدى مواءمتها وإدراجها ضمن إطار متعدد الأطراف ومتماسك يقلل من التكرار ويوجه الموارد نحو أولويات محددة بوضوح، خاصة تلك المتعلقة بحماية المدنيين واستعادة التحول الديمقراطي بقيادة مدنية.
وفي نهاية المطاف، لا يكمن التحدي المحوري في تعدد الفاعلين، بل في كيفية تحويل هذا التعدد إلى ميزة استراتيجية من خلال العمل المنسق وتكامل الأدوار. إن الانتقال من المبادرات التنافسية إلى إطار تنسيقي موحد يعد أمراً ضرورياً للحد من التشرذم وظاهرة “تسوّق المنابر”، ولتعزيز فرص التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة في السودان.
وكما سلف الذكر، فقد ركز الوسطاء الخارجيون الثنائيون ومتعددو الأطراف بحق على الجوانب الإنسانية للحرب والحاجة الملحة للمساعدة وحماية المدنيين، في حين أوكلوا المهمة السياسية لإنهاء الصراع وضمان السلام المستدام إلى السودانيين، وإن كان ذلك بدعم من الشركاء الخارجيين. وهذا يتطلب الاتفاق على إطار للسلام يكون مقبولاً بشكل عام لدى الشعب السوداني. ويجب على هذا الإطار، إلى حد كبير، أن يعطي الأولوية لضمان وحدة البلاد على أساس الشمول والمساواة والكرامة للجميع دون تمييز بسبب العرق أو القبيلة أو الدين أو الثقافة أو النوع الاجتماعي. وهنا ينبغي التذكير بأن انفصال جنوب السودان نتج عن فشل القيادة الوطنية في خلق ظروف لوحدة طوعية وتوافقية ضمن إطار معياري قائم على المساواة الكاملة في المواطنة.
وبينما يمكن لمتعددي الوسطاء المساهمة بشكل بناء، فإن هناك حاجة إلى وسيط رئيسي أو فريق وساطة مصغر لقيادة العملية مدفوعاً بالأدوات والموارد اللازمة لتقديم حوافز مقنعة.
خاتمة
تُظهر التجربة السودانية بوضوح أن تعدد المبادرات، في غياب التنسيق الفعّال، لا يسرع بالضرورة من حل الصراع؛ بل يمكن أن يؤدي إلى تأثير عكسي من خلال تعميق الانقسامات، وبالتالي إطالة أمد الحرب. ولم يعد التحدي المركزي يكمن في إنشاء منصات أو مؤتمرات إضافية، بل في إعادة هيكلة الجهود القائمة ضمن إطار تنسيقي موحد يحد من التنافس ويعزز التكامل الحقيقي.
إن تحقيق اختراق ذي معنى في عملية السلام يتطلب الانتقال من منطق المبادرات المتوازية والمتنافسة إلى منطق العمل الجماعي المنسق، حيث تتواءم أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين وتعزز بعضها البعض، وحيث تتكامل المسارات السياسية والإنسانية ضمن رؤية استراتيجية متماسكة. ويمكن لتعزيز الآليات الدولية الفعّالة – لا سيما توسيع البعثة السياسية المفوضة من مجلس الأمن الدولي – أن يوفر ركيزة أساسية لإعادة تنظيم هذا المشهد المتشرذم.
وفي نهاية المطاف، لن تعتمد آفاق السلام في السودان على عدد الفاعلين المشاركين، بل على قدرتهم على العمل ضمن إطار مشترك يتجاوز المصالح الضيقة ويضع أولويات السودانيين في قلب كافة الجهود. ويتطلب هذا تعاوناً استراتيجياً بين السودانيين والأطراف الخارجية، فضلاً عن مواءمة العمل الإنساني مع جهود الوساطة لتحقيق سلام مستدام وشامل يعزز الأمن والاستقرار.



