تحليل سياسي

1-7-الأرض والدولة في السودان: من قوانين الاستعمار الداخلي إلى رؤية السودان الجديد من ملكية الدولة إلى سيادة المجتمع: الأرض وإعادة تأسيس السودان

20/7/2026 خالد كودي، نيروبي

قبل الانتقال إلى تاريخ قوانين الأراضي في السودان، مهم تأسيس الإطار النظري الذي يجيب عن سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يقع في قلب فلسفة الدولة الحديثة: لماذا تبدأ الدولة من الأرض؟ فالتاريخ السياسي للبشرية يبين أن السلطة لا تُبنى أولاً على الدساتير أو الانتخابات أو الجيوش، وإنما على تحديد من يملك الأرض، ومن يملك حق التصرف فيها، ومن يحدد قواعد الانتفاع بمواردها. فالدستور نفسه لا يعمل في فراغ؛ بل يعمل داخل نظام للملكية، يحدد توزيع القوة الاقتصادية والاجتماعية، ويحدد من يمتلك الاستقلال الاقتصادي ومن يبقى تابعاً لغيره. ولهذا، فإن معظم التحولات الدستورية الكبرى في التاريخ سبقتها أو صاحبتها تحولات عميقة في أنظمة الملكية، لأن إعادة توزيع السلطة السياسية دون إعادة النظر في قواعد السيطرة على الأرض والثروة كثيراً ما تعيد إنتاج النظام القديم في ثوب جديد.
لقد ربط الفيلسوف الإنجليزي جون لوك بين الملكية والحرية ربطاً عضوياً، معتبراً أن حق الإنسان في الحياة والحرية والملكية يشكل الأساس الذي تقوم عليه شرعية الدولة. ففي نظره، لا تنشأ الحكومة لتمنح الناس حقوقهم، بل لحماية الحقوق الطبيعية التي يمتلكونها أصلاً، وعلى رأسها حق الملكية. وأصبح هذا التصور أحد الأعمدة الفكرية للدستورية الليبرالية الحديثة، إذ افترض أن المجتمع السياسي يقوم على أفراد أحرار يمتلكون ممتلكاتهم بصورة مشروعة، وأن وظيفة القانون هي حماية تلك الملكية من تعسف السلطة أو اعتداء الآخرين.
غير أن هذا التصور تعرض لنقد عميق من مفكري ما بعد الاستعمار، وفي مقدمتهم فرانز فانون، الذي بيّن أن هذه النظرية تفترض وجود مجتمع متساوٍ قبل قيام الدولة، بينما تجاهلت أن الاستعمار قام أساساً على نزع ملكية الشعوب الأصيلة/الاصلية بالقوة ثم إعادة تعريف الأرض قانونياً باعتبارها ملكاً للدولة الاستعمارية أو للمستوطنين. فالاستعمار، في تحليل فانون، لم يكن مجرد احتلال عسكري، بل كان عملية شاملة لإعادة رسم الخريطة القانونية للأرض، بحيث يفقد السكان الأصليون سيادتهم التاريخية عليها، وتصبح الدولة هي المصدر الوحيد للملكية. ولذلك فإن السؤال في المجتمعات الخارجة من الاستعمار لا يكون: كيف نحمي الملكية؟ وإنما: لمن تعود الملكية أصلاً؟ ومن يملك حق تعريفها؟
Karl Polanyi من منظور الاقتصاد السياسي، قدم كارل بولاني
The Great Transformation في كتابه التحول العظيم
إحدى أهم المراجعات لفكرة السوق الحرة، عندما رفض اعتبار الأرض سلعة عادية، ووصفها بأنها “سلعة وهمية” (Fictitious Commodity)
لأنها ليست نتاجاً للعمل البشري، بل أساس الوجود الاجتماعي والثقافي. ولذلك فإن إخضاعها لمنطق السوق وحده لا يهدد الاقتصاد فحسب، بل يهدد تماسك المجتمع نفسه، لأن الأرض هي مصدر المعيشة، وحافظة الذاكرة، ومجال تشكل الهوية والعلاقات الاجتماعية.
Douglass North ويتكامل هذا مع تحليل دوغلاس نورث
الذي رأى أن التنمية لا تقوم أساساً على وفرة الموارد، بل على مؤسسات مستقرة تحمي حقوق الملكية. فوضوح قواعد الملكية يقلل النزاعات، ويحفز الاستثمار، ويقيد تعسف السلطة، بينما تؤدي الملكية الغامضة أو الخاضعة للقرار السياسي إلى عدم اليقين، وتحول الدولة إلى الموزع الوحيد للحقوق الاقتصادية. ومن ثم تصبح مؤسسات الملكية ركناً من أركان الدولة الحديثة، لا مجرد ترتيبات قانونية.
Michael Hechter غير أن الدولة قد تتحول نفسها إلى أداة لاحتكار الملكية. وهنا تبرز أهمية مفهوم مايكل هيشتر
Internal Colonialism حول “الاستعمار الداخلي”
الذي يبين كيف تمارس الدولة المركزية داخل حدودها الوظائف نفسها التي مارسها الاستعمار الخارجي، عندما تحول الأقاليم إلى مناطق لاستخراج الموارد، بينما تحتكر السلطة والثروة والقرار في المركز. وعندئذ تصبح قوانين الأراضي أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، لا لتنظيم الملكية.
Walter Rodney ويعزز ولتر رودني
هذا التحليل عندما يوضح أن التخلف ليس حالة طبيعية، بل نتيجة لعلاقات تاريخية نُقلت فيها الثروة من الأطراف إلى المراكز. فالمشكلة ليست في فقر المناطق المهمشة، وإنما في دمج مواردها الزراعية والمعدنية والبشرية في اقتصاد يخدم المركز، بينما تُحرم هي من الصناعة، والتمويل، والبنية التحتية، ومؤسسات القرار. ولذلك فإن السيطرة على الأرض تعني، في جوهرها، السيطرة على إنتاج الثروة.
Samir Amin ويضيف سمير أمين
أن التنمية غير المتكافئة تنشأ عندما تحتكر المراكز تحديد قيمة الموارد واتجاه تدفقها، فتتحول الأطراف إلى منتج للمواد الخام، بينما يتركز التصنيع والتمويل وصنع القرار في المركز. ومن هذا المنظور، تصبح قوانين الأراضي إحدى الأدوات الرئيسة التي تحدد من يملك الأرض، ومن يمنح امتيازات استغلالها، ومن يتفاوض باسمها.
وتقود هذه المقاربات إلى نتيجة واحدة: الدولة تبدأ من نظام الملكية قبل أن تبدأ من الدستور. فإذا كانت الأرض حقاً تاريخياً للمجتمع، أصبحت الدولة حارساً لهذا الحق ومنظمة له. أما إذا أصبحت الأرض ملكاً للدولة، تحولت الدولة إلى مالك للثروة ووسيط إلزامي بين المجتمع وموارده، بما يمنحها القدرة على إنتاج الامتيازات وإعادة توزيعها أو حرمان الجماعات منها.
ومن ثم، فإن دراسة قوانين الأراضي في السودان ليست بحثاً في التشريعات العقارية فحسب، بل مدخل لفهم كيفية تشكل الدولة نفسها. فهذه القوانين لم تحدد أنماط الانتفاع بالأرض فقط، بل أسست لتوزيع السلطة والثروة، ورسمت العلاقة بين المركز والأقاليم، وبين الدولة والمجتمعات المحلية. ولذلك يبقى السؤال الجوهري: من يملك الأرض، ومن يملك حق تعريف الملكية؟ فهو السؤال الذي يكشف طبيعة الدولة السودانية، ويقع في قلب مشروع السودان الجديد القائم على المواطنة والعدالة التاريخية.

ثانياً: تطور قوانين الأراضي في السودان: كيف أصبحت الدولة مالكة للأرض؟
لفهم جذور الأزمة السودانية، لا يكفي النظر إلى الحروب أو الصراعات السياسية أو النزاعات القبلية باعتبارها أحداثاً منفصلة؛ إذ إن هذه الظواهر ليست سوى نتائج لبنية قانونية وسياسية تشكلت عبر أكثر من قرن. وفي قلب هذه البنية تقف قوانين الأراضي، التي لم تكن مجرد تشريعات لتنظيم الملكية أو تسجيل العقارات، بل مثلت أحد أهم الأدوات التي أعادت تشكيل علاقة الدولة بالمجتمع، وأعادت توزيع السلطة بين المركز والأقاليم. فالدولة السودانية الحديثة لم تُبنَ عبر الجيش والإدارة والبيروقراطية فقط، وإنما بُنيت أيضاً عبر القانون الذي منحها سلطة تعريف الأرض وتحديد من يملكها ومن ينتفع بها.
ولهذا فإن تاريخ قوانين الأراضي في السودان هو، في جوهره، تاريخ تشكل الدولة نفسها. فمنذ الإدارة الاستعمارية البريطانية، ثم خلال الحكومات الوطنية بعد الاستقلال، ظل الاتجاه العام يتجه نحو توسيع سلطة الدولة على الأرض، مع تقليص الاعتراف القانوني بأنظمة الملكية التاريخية- العرفية والجماعية التي حكمت حياة المجتمعات السودانية لقرون طويلة.

قانون تسوية وتسجيل الأراضي لسنة 1925: بداية المركزية القانونية
رغم أن الإدارة البريطانية اعترفت عملياً بوجود أنظمة عرفية متنوعة لإدارة الأرض، فإنها سعت في الوقت نفسه إلى إخضاع هذه الأنظمة لمنظومة قانونية مركزية. وجاء قانون تسوية وتسجيل الأراضي لسنة 1925 ليشكل نقطة التحول الأساسية في هذا الاتجاه. فقد وضع القانون إطاراً موحداً لتحديد الحقوق العقارية وتسجيلها، ومنح الدولة سلطة الفصل النهائي في تحديد الملكية وإصدار سندات التسجيل. كما قرر أن الأراضي غير المسجلة، ولا سيما الأراضي البور والغابات والأراضي غير المشغولة، تُعد ملكاً للحكومة إلى أن يثبت العكس.
ولم يكن هذا النص القانوني مجرد إجراء فني لتنظيم السجل العقاري، بل حمل تحولاً فلسفياً بالغ الأهمية؛ إذ نقل مصدر الشرعية من المجتمع إلى الدولة. ففي النظم العرفية السودانية، كانت شرعية الملكية تستند إلى التاريخ الجماعي، والاستقرار، والاستعمال المستمر، واعتراف الجماعة المحلية. أما في النظام الجديد، فقد أصبحت الدولة هي المرجع النهائي الذي يمنح الاعتراف القانوني بالملكية. وبهذا بدأت عملية نقل السيادة على الأرض من المجتمعات المحلية إلى السلطة المركزية.
لكن التطبيق العملي للقانون كشف عن مفارقة كبيرة؛ إذ لم تشمل عمليات التسجيل سوى أجزاء محدودة من شمال ووسط السودان، بينما بقيت معظم أراضي دارفور، وجبال النوبة، والأنقسنا، وشرق السودان، ومناطق الرعي التقليدية خارج منظومة التسجيل الرسمية. ولم يكن ذلك بسبب غياب أنظمة الملكية، بل لأن هذه المناطق كانت تخضع لأنظمة عرفية مستقرة لم تعتمد على التسجيل الفردي أصلاً. ومع ذلك، فإن عدم تسجيلها سيصبح لاحقاً الأساس القانوني الذي استندت إليه الدولة لادعاء ملكيتها.

الإدارة الأهلية: اعتراف بالإدارة لا بالسيادة
اعتمدت الإدارة الاستعمارية كذلك على نظام الإدارة الأهلية، الذي منح الزعماء التقليديين سلطات واسعة في إدارة الأراضي، وتنظيم الرعي والزراعة، وتسوية النزاعات المحلية. وقد أدى هذا النظام دوراً مهماً في حفظ الاستقرار الاجتماعي، لكنه لم يمنح المجتمعات اعترافاً قانونياً كاملاً بسيادتها على الأرض.
فمن الناحية العملية، كانت الإدارات الأهلية تدير الأرض، لكنها لم تكن المصدر القانوني النهائي للملكية؛ إذ ظلت الدولة تحتفظ بالسلطة العليا في تفسير القانون ومنح الامتيازات وتحديد الحدود الإدارية. وهكذا نشأ نوع من الازدواجية القانونية: إدارة محلية قوية من جهة، وسيادة قانونية مركزية من جهة أخرى. وقد ورثت الحكومات الوطنية هذه الازدواجية بعد الاستقلال، ثم دفعتها إلى مستويات أكثر مركزية.

ما بعد الاستقلال: استمرار الإرث الاستعماري
كان من المتوقع أن تعيد الدولة الوطنية، بعد استقلال السودان عام 1956، النظر في الفلسفة القانونية التي ورثتها عن الاستعمار، وأن تعترف بصورة واضحة بالحقوق التاريخية للمجتمعات المحلية. غير أن ما حدث كان العكس تماماً؛ إذ احتفظت الحكومات المتعاقبة بالبنية التشريعية نفسها، بل وسعت نطاق استخدامها لخدمة مشروعات التنمية الزراعية الكبرى، والاستثمار، والتوسع الإداري.
وبذلك لم يشهد السودان بعد الاستقلال قطيعة مع التشريع الاستعماري، بل شهد انتقال أدواته إلى الدولة الوطنية. فلم تعد الأرض تُدار بوصفها حقاً تاريخياً للمجتمع، وإنما أصبحت تُدار باعتبارها مورداً تملكه الدولة وتعيد تخصيصه وفق أولوياتها السياسية والاقتصادية. وقد هيأت هذه المرحلة الأرضية القانونية للتحول الأكبر الذي سيأتي مع قانون الأراضي غير المسجلة لسنة 1970

قانون الأراضي غير المسجلة لسنة 1970: تأميم السلطة على الأرض
يمثل قانون الأراضي غير المسجلة لسنة 1970 أخطر تحول في تاريخ التشريع العقاري السوداني. فقد نص القانون على أن جميع الأراضي غير المسجلة، سواء كانت مشغولة أو غير مشغولة، زراعية أو رعوية أو غابات أو مراعي، تُعد ملكاً للحكومة. وبما أن معظم أراضي السودان الريفية لم تكن قد سجلت وفق نظام عام 1925، فقد أصبحت ملايين الأفدنة، بضربة تشريعية واحدة، مملوكة للدولة.
وغالباً ما يُقدم هذا القانون بوصفه مجرد عملية “تأميم للأرض”، لكن هذا الوصف لا يكشف عمق التحول الذي أحدثه. فالقانون لم يؤمم الأرض فحسب، بل أمّم السلطة على الأرض. فمنذ دخوله حيز التنفيذ، أصبحت الحكومة وحدها صاحبة الحق القانوني في منح الامتيازات الزراعية، وعقود التعدين، والمشروعات الاستثمارية، والتصرف في الأراضي التي كانت المجتمعات المحلية تعدها جزءاً من تاريخها وهويتها الجماعية.
وبهذا المعنى، لم يعد المجتمع مالكاً للأرض، وإنما أصبح في كثير من الحالات مجرد مستخدم أو منتفع بها، بينما احتفظت الدولة بالصفة القانونية للمالك الأصلي. وكان لهذا التحول آثار بعيدة المدى، إذ سمح بإقامة مشروعات زراعية واستثمارية واسعة دون اشتراط موافقة المجتمعات المحلية، كما أضعف المكانة القانونية للأنظمة العرفية، وحول كثيراً من النزاعات التي كانت تُحل محلياً إلى صراعات بين المجتمع والدولة.

من ملكية الدولة إلى مركزية الدولة
إن القراءة التاريخية لهذا التطور تكشف أن القضية لم تكن مجرد تطور طبيعي في التشريع العقاري، بل كانت جزءاً من مشروع أوسع لبناء دولة مركزية تحتكر تعريف الملكية وإدارة الموارد. فمن خلال هذه القوانين، لم تصبح الدولة مالكة لمساحات واسعة من الأرض فحسب، بل أصبحت أيضاً الجهة الوحيدة التي تملك سلطة منح حق الانتفاع، وتخصيص الاستثمار، وإعادة رسم العلاقة بين الإنسان والأرض.
وهكذا، فإن تطور قوانين الأراضي في السودان لم يؤد فقط إلى نقل ملكية قانونية، بل نقل مركز الثقل السياسي والاقتصادي من المجتمعات المحلية إلى المركز. ومن هنا يمكن فهم كثير من النزاعات التي شهدتها البلاد لاحقاً، ليس باعتبارها صراعات على قطعة أرض بعينها، وإنما بوصفها صراعاً على السؤال الأكثر عمقاً: من يملك حق تعريف الملكية، المجتمع أم الدولة؟
وهذا السؤال هو الذي سيصبح لاحقاً محور مشروع السودان الجديد، الذي لم يكتفِ بانتقاد نتائج هذه التشريعات، بل سعى إلى إعادة بناء فلسفة الملكية نفسها على أساس الاعتراف بالحقوق التاريخية للمجتمعات، والتمييز بين ملكية عين الأرض وحق الانتفاع بها، باعتبار ذلك مدخلاً لإعادة تأسيس الدولة على قواعد جديدة من المواطنة والعدالة التاريخية.
… يتبع في الجزء الثاني…

النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى