تحليل سياسي

كيف تحولت القضايا الثقافية في السودان إلى أدوات للصراع السياسي؟

الكاتب :عبد الحفيظ الإمام قسوم

مقدمة

لم تكن التحولات السياسية في السودان بعد ثورة ديسمبر مجرد صراع حول شكل الحكم أو توزيع السلطة، بل امتدت إلى قضايا أعمق تتعلق بالهوية والدين والثقافة وطبيعة الدولة. وفي هذا السياق، برزت قضايا مثل اتفاقية سيداو، وقوانين الأحوال الشخصية، وعلاقة الدين بالدولة، والعلمانية باعتبارها ملفات تجاوزت النقاش القانوني والفكري لتصبح جزءًا من معركة سياسية حول مستقبل السودان.

فبينما رأت بعض القوى المدنية أن هذه القضايا تمثل خطوات نحو بناء دولة المواطنة والحقوق المتساوية، تعاملت معها قوى أخرى باعتبارها تهديدًا للهوية الدينية والاجتماعية للمجتمع السوداني. وهنا ظهر دور الخطاب التعبوي الذي نقل النقاش من مجال السياسة العامة إلى مجال المخاوف المرتبطة بالدين والأسرة والقيم.

خلال الفترة الانتقالية بعد سقوط نظام عمر البشير، أصبحت اتفاقية سيداو واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل. فقد قدمتها بعض القوى المدنية باعتبارها جزءًا من مسار إصلاح القوانين المتعلقة بحقوق المرأة والقضاء على التمييز، بينما استخدمتها قوى معارضة للمرحلة الانتقالية باعتبارها رمزًا لمشروع ثقافي غربي يستهدف المجتمع السوداني.

لم يكن الجدل دائمًا حول نصوص الاتفاقية نفسها، بل انتقل في كثير من الأحيان إلى أسئلة الهوية: هل السودان يسير نحو تغيير ثقافي مفروض من الخارج؟ هل الإصلاحات القانونية تمثل تهديدًا للدين والمجتمع؟

وهنا ظهرت آلية سياسية مشابهة لما يحدث في كثير من المجتمعات؛ إذ تحولت قضية قانونية إلى أداة لحشد الجمهور عبر إثارة المخاوف، بحيث لم يعد النقاش يدور حول مواد محددة يمكن مناقشتها، وإنما حول صورة ذهنية عن مستقبل المجتمع.

صناعة الخوف من التغيير

القضايا المرتبطة بالمرأة والأسرة والدين تمتلك قدرة كبيرة على تحريك المشاعر الجماهيرية، لأنها تمس الحياة اليومية للناس. ولذلك تصبح أكثر قابلية للاستخدام السياسي.في السودان، استُخدم خطاب يقوم على تصوير بعض الإصلاحات القانونية باعتبارها جزءًا من مشروع يستهدف الدين والقيم، بدلًا من تقديم نقاش هادئ حول إيجابياتها وسلبياتها.

وفي المقابل، وقعت بعض الخطابات المدنية أحيانًا في خطأ التعامل مع هذه القضايا باعتبارها مجرد معارك تقدم مقابل تخلف، وهو ما ساهم في زيادة الفجوة مع قطاعات اجتماعية كانت تحتاج إلى الحوار لا المواجهة.

لم تختلف قضية العلمانية كثيرًا عن قضية سيداو من حيث طريقة تحولها من موضوع دستوري وسياسي إلى قضية هوية.

ففي الأصل، النقاش حول علاقة الدين بالدولة هو نقاش سياسي وفلسفي يتعلق بشكل النظام السياسي، وضمان حقوق المواطنين، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات الدينية والمدنية.لكن في الخطاب التعبوي، تم اختزال العلمانية أحيانًا في صورة واحدة مرتبطة بالإلحاد أو محاربة الدين، مما جعل النقاش يتحول من سؤال: كيف نبني دولة تحقق المساواة بين المواطنين؟ إلى سؤال: من مع الدين ومن ضده؟وهذا الاختزال أدى إلى تعبئة عاطفية واسعة، لأن المجتمع السوداني، مثل كثير من المجتمعات، يتفاعل بقوة مع القضايا المرتبطة بالدين والهوية.

توظيف الهوية في الصراع السياسي

تكمن المشكلة عندما تتحول القضايا الفكرية إلى أدوات لإسقاط الشرعية السياسية على الخصوم.فبدلًا من أن يكون الخلاف حول سيداو أو العلمانية خلافًا حول خيارات سياسية قابلة للنقاش، يصبح الخصم مصورًا باعتباره خطرًا على المجتمع والدين.في هذه الحالة لا يعود المواطن يناقش الفكرة، بل يدافع عن هويته كما تم تصويرها له. وهنا تنتقل السياسة من مجال البرامج والرؤى إلى مجال الخوف والاتهام.

مسؤولية القوى السياسية

لا تتحمل جهة واحدة مسؤولية هذا الوضع؛ فبعض التيارات المحافظة استخدمت المخاوف الدينية والاجتماعية في مواجهة خصومها السياسيين، بينما ساهمت بعض التيارات المدنية في تعميق الاستقطاب عندما قدمت قضايا حساسة دون بناء حوار مجتمعي واسع يراعي تعقيدات المجتمع السوداني.فالإصلاحات الكبرى لا تنجح فقط بسن القوانين، بل تحتاج إلى بناء قبول اجتماعي وفهم جماهيري.

الخاتمة

تكشف تجربة السودان أن القضايا الثقافية والهوياتية يمكن أن تتحول بسهولة إلى أدوات للصراع السياسي عندما تُخرج من سياقها القانوني والفكري وتُستخدم لصناعة الخوف أو نزع الشرعية عن الخصوم.فالمشكلة ليست في اختلاف السودانيين حول شكل الدولة أو قضايا المجتمع، فهذا اختلاف طبيعي، وإنما في تحويل هذا الاختلاف إلى معركة وجودية تقسم المجتمع إلى معسكرات متناحرة.

إن بناء الدولة السودانية المستقبلية يحتاج إلى نقاش أكثر هدوءًا؛ نقاش يوازن بين قيم المجتمع، وحقوق المواطنين، وتعقيدات الواقع، بعيدًا عن استخدام الدين أو الحداثة كأدوات لإقصاء الآخر.فالمجتمعات لا تتقدم عندما ينتصر طرف على آخر في معركة الهوية، بل عندما تستطيع إدارة اختلافاتها دون أن تتحول الاختلافات إلى وقود للانقسام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى