
كيف تبدأ المجتمعات بنزع الإنسانية عن بعضها البعض؟
من سلسلة: ثلاثية الفرد والمجتمع والسلطة
لا تبدأ الكوارث الكبرى يوم تُرفع الأسلحة أو تمتلئ السجون أو تسقط القذائف الأولى. فهذه ليست البدايات الحقيقية، بل النهايات المرئية لمسار طويل يتشكل بهدوء داخل العقول والقلوب قبل أن يظهر على الأرض.
تبدأ الكوارث في اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن رؤية الآخر إنسانًا مثله؛ له حياة ومخاوف وأحلام وأحباء وذكريات، ويبدأ برؤيته من خلال تصنيف أو هوية أو صورة نمطية تختصره وتلغي فرديته.في تلك اللحظة لا يختفي الإنسان من الواقع، بل يختفي من وعينا.
من الصعب على الإنسان أن يكره شخصًا يعرفه حقًا. فمن يعرف قصة جاره أو زميله أو شريكه في العمل يجد صعوبة في اختزاله في تهمة أو صفة واحدة.
ولهذا تبدأ معظم عمليات نزع الإنسانية بإلغاء الفرد والإبقاء على الجماعة. لا يعود الشخص فردًا له تجربته الخاصة، بل يصبح ممثلًا لهوية كاملة.
هنا يظهر التعميم، وهو أحد أخطر الأسلحة التي تمتلكها المجتمعات المنقسمة. فالتعميم ليس مجرد خطأ منطقي، بل بداية خطأ أخلاقي.
حين تتحول أفعال أفراد إلى صفات تلصق بجماعة كاملة، لا تضيع الحقيقة فقط، بل تضيع العدالة أيضًا.
حين تضعف المؤسسات المستقرة والثقة بالقانون، تميل المجتمعات إلى العودة إلى عصبياتها الأولى.فكلما ضعفت العدالة، ازداد الناس تمسكًا بالطائفة أو العشيرة أو الحزب أو الهوية بوصفها مصدرًا للحماية والانتماء.
في مثل هذه البيئات لا يعود الفرد يُحاسب بما فعل، بل بما يمثله في نظر الآخرين.
صناعة صورة الآخر
لكن التعميم لا يعيش وحده، بل يحتاج دائمًا إلى من يغذيه ويعيد إنتاجه.وهنا يظهر دور بعض المؤثرين ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. فالمشكلة ليست في وجود المؤثرين، بل في البيئة التي تمنح النفوذ لمن يثير الغضب أكثر ممن يثير التفكير.ومع التكرار المستمر لا يعود الناس يعرفون الجماعات الأخرى من خلال أفرادها الحقيقيين، بل من خلال الصور التي رُسمت عنها.
اللغة بوابة العنف لكن أخطر أدوات نزع الإنسانية ليست الصورة وحدها، بل اللغة أيضًا. فالعنف لا يبدأ بالسلاح، بل يبدأ بالكلمات.حين يتحول البشر إلى أوصاف تنزع عنهم الكرامة، لا تكون هذه مجرد عبارات عابرة، بل عملية تجريد تدريجي للإنسان من صفته الإنسانية.فالإنسان يجد صعوبة في إيذاء إنسان يشبهه، لكنه يجد الأمر أسهل حين يُقنع نفسه أن الآخر أقل استحقاقًا للرحمة والعدالة.
من الاسم إلى الرقم
ولهذا لجأت الأنظمة الشمولية وأجهزة القمع عبر التاريخ إلى محو الأسماء واستبدالها بالأرقام.فالاسم يذكّرنا بالإنسان، أما الرقم فيجرده من قصته وملامحه وعلاقاته.وتحويل الإنسان إلى رقم ليس مجرد إجراء إداري، بل خطوة نفسية تقلل الحواجز الأخلاقية أمام الإهانة والقمع.
أخطر مراحل الانقسام:
المرحلة الأخطر تأتي عندما لا يصبح المستهدف هو الجماعة فقط، بل كل من يرفض منطق التعميم.فالشخص الذي يذكّر بأن المسؤولية فردية لا جماعية، وأن العدالة لا تعني الانتقام، قد يجد نفسه متهمًا هو الآخر.عندها يصبح الدفاع عن إنسانية الآخر موضع شبهة.
دورة الخراب
عند هذه النقطة تكتمل دورة الخراب:
مجتمع منقسم ينتج خطابًا أكثر تطرفًا، والخطاب المتطرف يعيد إنتاج الانقسام، والانقسام ينتقل إلى الأجيال الجديدة.
وهكذا يتحول الخلل من أزمة عابرة إلى ثقافة متوارثة.
من المجتمع إلى السلطة
في مثل هذه البيئات لا تجد الأنظمة الشمولية صعوبة في النمو.
فالمجتمع الذي يبحث عن الولاء أكثر من العدالة، وعن الانتصار أكثر من الحقيقة، يصبح أكثر استعدادًا لتقبل السلطة المطلقة.
ولا تنهار المجتمعات لأنها تختلف، فالاختلاف جزء من طبيعة البشر.
لكنها تبدأ بالانهيار حين تصبح الهوية أهم من الإنسان، والجماعة أهم من العدالة، والانتماء أهم من الحقيقة.
وحين يعجز الناس عن رؤية الإنسان خلف الهوية، لا يختفي الإنسان فقط، بل تختفي القدرة على مقاومة من يستغل هذه الهويات لمصلحته.
وعندها لا يعود السؤال:
ماذا يفعل الناس ببعضهم؟
بل يصبح السؤال الأخطر:
من المستفيد من بقاء الناس عاجزين عن رؤية الإنسان خلف الهوية، والفرد خلف الجماعة، والحقيقة خلف الضجيج؟
وهل يكتفي بالاستفادة من هذه الانقسامات، أم يعمل على إدارتها وإعادة إنتاجها؟
هنا تنتهي رحلة المجتمع.
وهنا تبدأ رحلة السلطة.
منقول :مختبر السياسة والوعي



