
الاستيعاب الناعم (Soft Assimilation) ودوره في إنتاج الأصولية الثقافية
مقالة في نقد الخطاب الثقافي السائد في السودان عبد الخالق السر
ثمة غيابٌ يصل حدَّ التواطؤ في التناول النقدي لمسألة “الاستيعاب الناعم”، مقارنةً بالضجيج الذي يحيط باستراتيجيات “الاستيعاب القسري” لإدارة التنوع في السودان. وربما يبدو استخدام كلمة “تواطؤ” هنا صادماً، إلا أن ما يبرره هو ذلك التجاهل الطاغي لآليةٍ لا يمكن الإحاطة بإشكالات الهوية السودانية دون تفكيكها؛ وهي الإشكالات التي أورثتنا صراعاتٍ مريرة وحروباً أهلية باتت تهدد بذهاب ريح الوطن ككل.
وفي ظل استعار الحرب الراهنة التي تعيد صياغة واقعنا بدموية، يبدو جلياً أن سودان ما بعد الحرب لن يشبه ما قبله أبداً؛ مما يجعل من فحص جذور “الاستيعاب الناعم” ضرورةً وجودية لا ترفاً فكرياً، لفهم ما آل إليه المصير الوطني، بعيداً عن التكهن بماهية النسخة المستقبلية للبلاد.
مأزق “بوتقة الانصهار” والاستيعاب القسري
لقد ظلَّ الاستيعاب القسري، متمثلاً في استراتيجية الدولة السودانية منذ الاستقلال وفي مختلف الحقب السياسية، يقوم ويتأسس على ثيمة واحدة؛ ألا وهي صهر كل ثقافات السودان المتنوعة في “بوتقة” واحدة قوامها الثقافة “العربية الإسلامية”. وهي استراتيجية تقوم على فرض الإسلام ديناً للدولة، واللغة العربية لغةً رسمية تحل محل اللغات الأخرى التي تتحدثها الإثنيات التي لا تنتمي للثقافة المهيمنة.
والغرض من ذلك كما تصورته النخب السياسية التي تناوبت على حكم البلاد هو أن الإسلام كدين والثقافة العربية كأنساق ثقافية “عليا”، بمقدورهما وحدهما إنتاج هوية وطنية جامعة يلتقي حولها كل شعوب السودان؛ هويةٌ تبعدنا عن “صداع التنوع” وصعوبة إدارته وإشكالية تعقيداته. وبالطبع، لسنا في حاجة للتأكيد على فشل هذا التصور الاستعلائي والتبسيطي المخل، وما جلبه من كوارث أدت -فيما أدت- إلى فصل الجنوب، وربما الإجهاز على ما تبقى من الوطن لو استمرّ الحال على ما هو عليه من غرور ومكابرة.
نال هذا النهجُ التعسفي من النقد ما ناله؛ إذ قدمت مئاتُ الإصدارات العلمية -بمختلف اللغات ذات الثقل الأكاديمي والمعرفي كالعربية والإنجليزية والفرنسية- دراساتٍ مهمةً، أصبح بعضها مراجع لا غنى عنها في تتبع تعثر الدولة السودانية في إدارة التنوع الثقافي (بالمعنى الواسع للمصطلح). يضافُ إلى ذلك مئاتُ المقالات السياسية والثقافية التي سعت لنقد مفهوم “بوتقة الانصهار” (Melting Pot) وتداعياته السلبية على التماسك الاجتماعي والسياسي للوطن.
ومع ذلك وهذا مصدر استغرابي لم يكن هناك تناولٌ نقديٌّ حقيقي، إن وُجد، لمفهوم “الاستيعاب الناعم”، وهو بُعدٌ يمثل الصورة المكملة لسياسة “بوتقة الانصهار”؛ فبدونه لا نستطيع أن نقرأ مشهد الهوية الأحادية في الوطن المتعدد، والذي تقوم فكرته على التضحية بالثقافات “الصغرى” عن طريق محوها لصالح مشروع قومي لا ينهض إلا على أعمدة الثقافة المهيمنة؛ لغةً وديناً وقيماً.
ربما كان السبب في ذلك هو طغيان وسائل الاستيعاب القسري وأدواته الصارمة والواضحة، وما يترتب عليها من استحقاقات قانونية، إضافةً إلى اضطلاع مؤسسات الدولة بتنفيذ الشق الاستراتيجي لهذا “المشروع القومي”. فالتعليم الموجَّه لهذا الغرض، والمستصحبُ لسلطة الدولة بوسائل العنف والترغيب، لا يقوم بالضرورة على المواربة أو التغمية اللغوية. فعلى سبيل المثال، كان فرض اللغة العربية في المدارس على المناطق غير الناطقة بها يستصحبُ العقاب البدني والترويع النفسي؛ كأدوات ناجعة في تنفيذ الشق المعني بنشر اللغة العربية بوصفها لغة البلاد الرسمية (كما وثّق شريف حرير، وهيثر شاركي).
والحال كذلك مع فرض الإسلام بواسطة سلطة الدولة في الجنوب، وجبال النوبة، ومناطق النيل الأزرق؛ كما تجلى في سياسات “عبود” القسرية وما تبعها من طرد للبعثات التبشيرية في الجنوب، وقفل المدارس الممولة منها، واستبدالها بمناهج حكومية تعمل على نشر الإسلام واللغة العربية بواسطة عنف الدولة. إن هذا النهج المؤسسي لتطبيق الاستيعاب القسري، ورغم فاعليته في نشر اللغة العربية والإسلام -إلى حدٍّ ما- بين الإثنيات غير المسلمة أو غير “المُستعرِبة”، إلا أنه فشل في تعريبها ثقافياً (شاركي).
ويرجع ذلك إلى مقاومة تلك الإثنيات لفكرة محوها ثقافياً وعقدياً، رغم كونها الطرف الأضعف في ميزان علائق القوى مقارنة باستراتيجية الدولة الاستيعابية؛ مما قاد إلى صدام حتمي أشعل بدوره الحروب الأهلية التي انتظمت البلاد منذ اندلاع حرب الجنوب الأولى عام 1955م.
في مفهوم الاستيعاب الناعم والاستبطان الذاتي
الاستيعاب الناعم هو السعيُ نحو “الهيمنة الثقافية” (Cultural Hegemony)؛ والتي هي -من منظور غرامشي (Gramsci)- السعيُ القصديُّ للجماعة المهيمنة للمحافظة على سلطتها وامتيازاتها السياسية والاجتماعية والثقافية، ليس عن طريق الإكراه فقط، بل من خلال تحكُّمها في الخطاب الثقافي وتوجيهه؛ بحيث يبدو قبوله واحتضانه من قِبل “الآخر المختلف” كأنه من طبائع الأشياء.
ففي الاستراتيجيات الكبرى بعيدة المدى للدول الرامية لخلق هوية وطنية جامعة، تُصهر فيها الهويات الصغرى وتُدمج في هوية الثقافة المهيمنة وفقاً لنظرية “بوتقة الانصهار”، عادةً ما تتم الاستعانة بأكثر من آلية لتحقيق الهدف المنشود بأعلى كفاءة ممكنة. ففي مشهد سياسة “بوتقة الانصهار” السودانية، يمكن القول إنَّ الاستيعاب الناعم شكَّل -بالتزامن والتناسق مع الاستيعاب القسري- عنصراً مهماً وفعالاً لتمرير قيم وعناصر الثقافة المهيمنة، بجعلها مرتكزاتٍ مرجعيةً لكل ما يمكن أن يُهضم ويُتصوَّر على أنه “سوداني”.
وخلافاً للاستيعاب القسري، فإنَّ الاستيعاب الناعم لا يشتغل على الإكراه، بقدر ما يشتغل على “الاستبطان” (Internalization)؛ وهذا يعني أن يتمَّ تمرير قيم ومتواضعات العناصر الثقافية للجماعة المهيمنة على أنها قيمٌ جامعةٌ متفقٌ عليها. وهذا النوع من “الاتفاق” يتم غرسه في اللاوعي عن طريق الممارسات الثقافية التي تقوم على التعبير الجمالي، وفقاً لأنماط معينة من الغناء والرقص والموسيقى والشعر، وهي في حقيقة الأمر انعكاسٌ للخطاب الثقافي للجماعة المهيمنة.
ولكن، من خلال احتكار الدولة للمؤسسات الثقافية والتحكم في خطابها، يصبح النشاط الإبداعي الذي منطلقه الثقافة المهيمنة بمثابة نزوعٍ “طبيعي” ومرجعية “قومية”؛ يتمُّ عبرها تعريف كل ما هو “سوداني” من خلال ذائقة عامة وخطاب جمالي موحد، تمَّ تشكيلهما بصبر وعناية عن طريق احتكار الوسائط الثقافية من إذاعة وتلفزيون “قوميين”، وصحف تعكس أنشطة فكرية ونقدية تعمل على إضفاء بُعدٍ مفاهيمي على هذا الخطاب.
عطفاً على ما سبق، يمكن القول إنَّ الاستيعاب الناعم هو السياسة “غير المباشرة” للدولة، والتي تمرر من خلالها -عبر “الانتلجنسيا” المشتغلة بالفكر والإبداع، إن كان بوعي منها أو بغير وعي- خطاباً ثقافياً يُراد له أن يمثل بشكل أحادي كل الثقافات المتنوعة للشعوب السودانية المختلفة؛ ودون أن يبدو الأمر كإكراه، بقدر ما يظهر كأنه “انتخاب طبيعي” يجد منطقه في “ولع” المحكوم بالثقافة “الأعلى” مقارنة بالثقافات الأخرى الموصومة بـ “الفولكلورية” (وتُقرأ ضمناً: الأدنى). ومن ثمَّ، يصبح هذا الخطاب الثقافي الموجَّه خلسة “معياراً” يُقاس به الذوق العام والذائقة الجمالية في الغناء والموسيقى والمسرح والشعر.
احتكار التمثيل ومعيارية “أغنية أمدرمان”
هل الأمر صدفة أننا منذ الاستقلال وحتى يومنا الراهن لم يُتح لنا أن نتعرف على شاعر من جبال النوبة، أو من الفور، أو الرزيقات، أو المساليت، أو من الأنقسنا؟ هل يعقل ألا يوجد شعراء من هذه الثقافات القديمة قِدم هذه الأرض؟ وإذا كان الغناء أكثر طغياناً ومحايثةً بحيث تصعب محاصرتها كما هو الحال مع الأنشطة الإبداعية الأخرى؛ فما مدى معرفتنا بالمغنيين -وليس “الملحقين”- الذين يغنون بلغات هذه الثقافات المختلفة؟
والـ “ملحقون” الذين أعنيهم هنا هم الفنانون القادمون من تلك الثقافات، ولكن فرض عليهم المعيار الفني السائد (أغنية أمدرمان) أن يتركوا موروثهم الثقافي على عتبة الباب قبل الدخول إلى مكتب لجنة النصوص والألحان لتتم إجازتهم؛ وهذا بالطبع دون أن نغفل الاستثناءات القليلة التي تثبت القاعدة ولا تنفيها.
خلقَ “الحق في تمثيل الآخر” من الخطاب الثقافي السائد معياراً لكل ما يمكن أن يُوصف بأنه “سوداني” في منظوره الهوياتي القومي. وبذلك، يمكن القول إنَّ الاستيعاب الناعم نجح في خلق بنيةٍ لا شعورية تغلغلت عميقاً بفضل سيادة هذا الخطاب الثقافي المهيمن؛ بل واستُبطن هذا المعيار كـ “حقيقة” حتى من قِبل الإثنيات التي يناهض خطابها السياسي مشروع الاستيعاب القسري الذي تتبناه استراتيجية الدولة المركزية.
والمفارقة هنا تكمن في أنَّ ما تنبهت له النخب السياسية للأقليات حيال سياسات الاستيعاب القسري، لم تتداركه في سياسات الاستيعاب الناعم في كثير من الأحيان؛ وهذا تعقيدٌ راجعٌ أساساً لطبيعة الخطاب الثقافي كواحد من آليات الاستيعاب الناعم وقدرته على النفاذ في أكثر البيئات عدائية.
ولعل سيطرة الموسيقى وأنماط الغناء المختلفة للأقلية السوداء في أمريكا -حتى في عز سنوات الفصل العنصري- تُفصح عن هذه السطوة التي يتمتع بها هذا الخطاب؛ فقوة تأثير خطابها الثقافي في أبعاده الجمالية والرياضية، والذي لا يتناسب مع واقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، جعل منه واجهةً للثقافة الأمريكية نحو العالم.
هذه الخاصية عادةً ما تجعل من الاستيعاب الناعم، بطبيعته غير المصادمة، معياراً يستند إلى أرضية مفاهيمية صلبة، من دونها تظل كل مساعي استراتيجيات الاستيعاب القسري محلَّ تحدٍّ وشكوك ومقاومة. فإذا جاز لنا استخدام التعبير الماركسي؛ ففي هذه الحالة يكون الاستيعاب الناعم بمثابة “بنية تحتية” موجِّهة ورافدة بالمفاهيم والقيم، تعمل على شرعنة وتطبيع الاستيعاب القسري، الذي هو في هذه الحال بمثابة “بنية فوقية”. وهذا كفيلٌ بتوضيح قوة وخطورة الاستيعاب الناعم، على الرغم من أنه غير مرئي مقارنةً بنفوذه وسطوته على مشهد أشكال الهوية ككل.
من ناحية أخرى، يمثل الاستيعابُ الناعم إشكالاً بنيوياً لمعظم المجتمعات المتنوعة إثنياً وثقافياً، ويتخذ عادةً أشكالاً مختلفة؛ فهناك على سبيل المثال ما يُعرف بـ “التثاقف المتبادل” (Acculturation)، وهو ما ينشأ عادةً بين أكثر من جماعة متباينة ثقافياً وإثنياً تتشارك حيزاً جغرافياً واحداً، مما يجعل من هذا التثاقف حالةً حتميةً يصعبُ تفاديها. وليس بالضرورة أن يكون هناك تكافؤٌ أو تساوٍ في التأثير؛ لأن ذلك مرهونٌ بالثقل السياسي والاقتصادي والثقافي لكل جماعة.
ولكن ما نحن بصدده هنا، هو الاستيعابُ الناعم كسياسةٍ غير مباشرة مكملة لمشروع الاستيعاب القسري في استراتيجية خلق الهوية الوطنية الواحدة، الذي تبنته الحكومات السودانية المتعاقبة منذ الاستقلال وحتى يومنا الراهن، وما انبثق عنه من تعقيدات وأزمات تستدعي مراجعةً نقديةً صارمةً لكل الأطر الذهنية والمفاهيمية التي تتغذى على الخطاب الثقافي السائد في أبعاده السياسية والعقائدية والقيمية المهيمنة على طرق التفكير والممارسة.
ومن هنا، أرى أنَّ فحص الاستيعاب الناعم كواحدٍ من آليات المشروع السياسي السائد يمثل ضرورةً قصوى لا يستقيم بدونها -في تقديري- أيُّ مشروع “جذري” يسعى في المستقبل لإيجاد حلٍّ ناجع لكل الإشكالات التي تعترض قيام وطن متنوع الثقافات متفق عليه من الجميع. والأمر كذلك، فقد أخذ هذا المقالُ على عاتقه أن يخوض في أمر الاستيعاب الناعم كحقيقة “مسكوت عنها”، لها تداعياتها الخطيرة على أي مشروع إصلاحي يسعى لإعادة توصيف الهوية السودانية الجامعة.
من التوجيه الثقافي إلى “الأصولية الهوياتية”
تكمن خطورة الاستيعاب الناعم في كونه يمثل الخطاب الثقافي للجماعة المهيمنة بكل محمولاته الجمالية والعقائدية واللغوية والقيمية، وبالقدر الذي يخلق منه “أصوليةً هوياتية” تجعل من الثقافة السائدة معياراً لصورة الوطن والمواطنة. هذا الشكل من التحكم الثقافي الأحادي يجعل من الوطن رمزاً ومخيلاً حكراً على الجماعة المهيمنة ثقافياً؛ يزودها بحساسية وجودية حيال فكرة الوطن والمواطنة قد تختلف جذرياً عن تصور “الآخر” المستهدف بمشروع الاستيعاب بشقيه الناعم والقسري.
وهنا يتشابك الاستراتيجيُّ بالشعبويِّ ليضفي تعقيداً نفسياً ومفاهيمياً على مشروع الهوية الوطنية؛ شكَّل فيما بعد ورطةً وجوديةً للنخب السياسية التي تحاول إيجاد مخرجٍ باتت هي نفسها لا تعرف كيفية الوصول إليه؛ لأنه لم يعد قراراً سياسياً مجرداً أو حزمة قوانين تُضاف أو تُعدل في الدستور.
فالخطاب الثقافي السائد هنا يعمل على شحذ المخيال الجمعي لأفراد الجماعة المهيمنة ويرفده بالرموز والقيم المستمدة من ثقافتها، مما يصعب معه لاحقاً إقناعها بأن هذا الوطن متنوعٌ ولا يجب أن يكون على صورتها وحدها؛ وهنا يتحول الخطاب إلى “أصولية ثقافية” تعمل على تعميق الاستقطاب، وتصبح مرتعاً لكافة أشكال العصبيات التي ترفض مبدأ المساومة الرامية لبناء وطن يقوم على التعددية الثقافية ويحترم التنوع.
فتركُ العنان للاستيعاب الناعم ليتحول إلى “أصولية ثقافية” في بلدٍ حادِّ الاستقطاب كالسودان، لابد أن تكون له تبعاته السالبة في الوصول إلى صيغة تحترم التنوع وتعزز إمكانيات التعايش. فالهوية (العربية-الإسلامية) للجماعة المهيمنة، التي تتبنى خطاباً استعلائياً حيال الإثنيات التي لا تشاركها ذات القيم والتصورات الوجودية، ترى في الاختلاف مهدداً يستوجب القمع والتجريد من الإنسانية والحق في الوجود؛ كما ورد في قول الكاتب الأمريكي “جيمس بالدوين” (James Baldwin) في سياقٍ آخر.
إنَّ هذا “الترميز العالي” لشارة الهوية الوطنية في تصورها الأحادي، كما يصيغه ويتبناه الاستيعاب الناعم، يصعّبُ من اتخاذ القرارات السياسية المصيرية المنوط بالنخب السياسية اتخاذها؛ وهذا ربما يرجح أسباب “المراوحة” التي نعيشها منذ الاستقلال في محاولة الخروج من عنق الزجاجة.
فالأصولية الثقافية هي التي تدفع الغالبية من عامة الناس للتعاطف مع كافة أشكال العنف الممنهج وغير الممنهج، الذي تقوم به القوات المسلحة في حروبها المتطاولة ضد الإثنيات الرافضة للإذعان لمشروع الدولة الاستيعابي، أو ما تقوم به قوات الشرطة من عنف مفرط ضد الإثنيات في تخوم العاصمة والمدن، التي تصنع “الخمور البلدية” كجزء أصيل من ثقافتها، أو التضييق عليهم في ممارسة طقوسهم الثقافية والعقائدية ومحاولة حصارهم جغرافياً متى ما أمكن ذلك.
والأمر هنا لا علاقة له بالامتثال للقانون من عدمه، ولكن بالطريقة المهينة وغير الإنسانية التي يتم بها التعامل معهم أمام مرأى الناس دون أن يستفزَّ ذلك غضبهم. هذا “التطبيع مع إهانة الآخر”، بل واستحسانها من قِبل البعض، يحدث لأنه يتناغم مع الاستعلاء الذي تصونه وتعززه الأصولية الثقافية؛ مما يفتح شهية السلطة لمزيد من القمع والاضطهاد تحت ذريعة حماية “القيم السودانية”.
وهذا العنف يمتد ليشمل حرمان هذه الجماعات النازحة -التي تسكن تخوم المدن نتاج الحروب الأهلية والمجاعات- من الخدمات الأساسية؛ من كهرباء وماء وتعليم وصحة، ويستطيل ليبلغ درجة القتل الجماعي حدَّ الإبادة. كل ذلك لا يواكبه بالضرورة “ضمير جمعي” مثقل بالخطيئة؛ طالما هو واقعٌ تحت وطأة الترميز المكثف للأصولية الثقافية.
التخوم والهجنة: نظام الإنقاذ كنسخة راديكالية
إذا نظرنا إلى المشروع الديني لـ “دولة الإنقاذ” -على سبيل المثال- سنجد أنه في الحقيقة نسخةٌ راديكاليةٌ للأصولية الثقافية، يُعبَّر عنها تزامنيّاً باستخدام الاستيعاب بشقيّه الناعم والقسري. فقد رأت الحركة الإسلامية أن يكون العنصر الديني هو “الشارة الثقافية” الأبرز في مكون الهوية؛ بحيث يكون الدين -في نسخته الأيديولوجية الإخوانية- هو جوهر الهوية الوطنية.
رسّخ هذا الخطاب العقائدي بشكل كبير مفهوم “الاستحقاق المستبطن” (Habitus) -كما في تعبير “بورديو” (Bourdieu)- لدى عامة الناس من الجماعة الثقافية المهيمنة، وعزز الشعور بالاستعلاء الديني والقيمي بينهم وبين الآخرين من الإثنيات الثقافية والدينية المختلفة. ولكنه، في ذات الوقت، لم يكن كافياً ليسم خطوط التباين بينهم وبين الذين تمَّ استيعابهم من هذه الإثنيات ثقافياً ولغوياً ودينياً من سكان “التخوم” بالخرطوم وبعض المدن الكبيرة بشمال ووسط السودان. فتلاقحُ ثقافاتهم الأصيلة مع ثقافة المركز الثقافي أنتج “هجنةً ثقافية” أزعجت مضاجع “النقاء” و”الطهرانية” التي يرومها الإسلاميون لمشروع الدولة (العربية-الإسلامية) في نسختها الجديدة.
هذا الانزعاج عبّر عنه الأكاديمي والخبير في الحضر، الدكتور البريطاني “عبد المالك عالم سيمون”؛ الذي استُدعي قبل قيام انقلابهم ليدرس تخوم الخرطوم وهجنتها، ومن ثمَّ يرشدهم بخلاصة علمية تكون منصة انطلاق لمشروعهم “الحضاري” الذي يُراد له انتظام البلاد كلها عنوةً واقتداراً.
ففي كتابه المعنون “في تصوُّرِ مَن: الإسلام السياسي والممارسة الحضرية في السودان”، يقول دكتور سيمون إنه بعد عامين من السكن والمعايشة الاجتماعية مع سكان التخوم بغرض البحث الذي كُلِّف به، لم يعد يفهم ما الذي يريده نظام الإنقاذ من جماعات تعيش حياتها، وتنتج وتعيد إنتاج خطابها الثقافي بما يتفق ويتوافق مع تجربتها الحياتية اليومية، في تناغم وجدلية حيوية داخل الحيز الجغرافي الذي يحتويهم.
فجميع سكان “التخوم” بغالبيتهم المسلمة، على حد تعبير سيمون لا ينتظرون من الدولة أن ترشدهم إلى علاقتهم بربهم، أو أن تتدخل بعنفها لتنظيم هذه العلاقة؛ فالدولة في تقديره هي “المتطفلة” على هذه العلاقة التي اعتادوا صيانتها وفقاً لتقديراتهم الذاتية والجمعية، وبما يمليه عليهم الخطاب الثقافي الذي ينتجونه ويشكل حساسيتهم الوجودية. فغرابة الخطاب الرسمي عن واقعهم لم تفعل سوى تعميق حدة الاستقطاب من الطرفين، وتعزيز صورة الهوية الإثنية لدى هذه الجماعات، حتى وإن كانت تلك الهوية مفتعلة وتفتقد للاتصال بالجذور.
تكمن فرادة نظام الحركة الإسلامية في أنه دون الأنظمة السياسية السابقة له عمد إلى استيعاب الجماعة المهيمنة التي تنتمي إليها الحركة ثقافياً واجتماعياً داخل خطابها الأيديولوجي، بحمولته العقائدية والثقافية “العروبوية” في آن؛ واستخدم في ذلك الاستيعابَ بشقيّه الناعم والقسري. وكان الأخيرُ (القسري) هو الآلية الأكثر حضوراً عبر تفكيك وإعادة تكوين مؤسسات الدولة من خلال العنف المباشر والمنظم. واقتصر الاستيعابُ الناعم على محاولات استبدال الخطاب الثقافي للجماعة المهيمنة بخطاب ديني أصولي، يكون فيه الدينُ “الشارةَ الهوياتية” الأكثر حضوراً في الأنشطة والمشاريع الإبداعية والفكرية، بل وفي الممارسة الحياتية اليومية، مستفيداً في ذلك من طغيان العاطفة الدينية.
ومع أن المشروع باء بالفشل، إلا أنه نجح إلى حد ما في “تديين” اللغة اليومية على مستوى التواصل والتعبير، كما عمّق بشكل ملحوظ أصولية الخطاب الثقافي المهيمن في بُعده الأحادي الإقصائي. ومن جهة أخرى، لم تُبدِ الحركة الإسلامية حماساً لاستيعاب الآخرين من الإثنيات المختلفة بذات الكيفية التي بذلتها لاستيعاب الجماعة الثقافية المهيمنة؛ وذلك لأسباب عدة، منها ما يتعلق بالعنصرية التي يستبطنها المشروع نفسه، والمرتكزة على “نقاء” عرقي وثقافي لا يتوفر خارج الحيز (العروبي-الإسلامي) المتخيل للمشروع. وهذا ربما يفسر اتساع رقعة الحروب الأهلية في أكثر من منطقة ومدى شراستها بشكل غير مسبوق؛ والأمر في ذلك يعود إلى ضيق الخيارات المطروحة وفقاً لمنطق المشروع: الانفصال، أو القبول بالتبعية والدونية عندما يتعلق الأمر بموضوع الهوية الوطنية.
ختاماً:
يمكن القول إنَّ إدارة التنوع مثّلت إشكاليةً معقدةً ظلت تعاني منها معظم الدول المتعددة إثنياً ولغوياً وعقدياً، ومع ذلك يكمن الفرق في الكيفية التي يُدارُ بها هذا التنوع من قِبل كل دولة، والسودان في ذلك ليس استثناءً. وإذا كان تاريخ سودان ما بعد الاستقلال هو تاريخ تعثر إدارة التنوع، فالسبب في ذلك يعود إلى اختيار نخبه لأكثر الطرق وعورةً في تعريف الدولة نفسها، وما تمخض لاحقا عن هذا التعريف.
إنَّ الإصرار على أن تكون هوية الدولة على مقاس الجماعة (العربية-الإسلامية) المهيمنة، فرض على النخب الحاكمة أن تختار أكثر السياسات تطرفاً لتحقيق أشواقها نحو هوية جمعية “متناغمة” و”منسجمة”؛ ومن ثمَّ كانت سياسة الاستيعاب الشامل القائمة على إذابة “الأقليات” الإثنية في الثقافة المهيمنة. وما يستتبع ذلك بالضرورة من عمل منظم لمحو وتغييب كل ثقافاتهم وقيمهم ومعتقداتهم القديمة قِدم السودان نفسه، هو الاستراتيجية العليا؛ وهي نهجٌ يقوم على تبني الاستيعاب بشقيّه: القسري والناعم.
ولمّا كان الاستيعابُ القسري، كمفهوم وممارسة، يرتكز بالأساس على عنف الدولة وإكراهها، فقد ظلَّ دائماً محوراً للنقد السياسي والفكري المعارض. ولكن بالتضاد، نجد أنَّ الاستيعاب الناعم كواحد من آليات التذويب لم يجد القدر الكافي من النقد والتمحيص بما يتناسب مع أهميته وخطورته وقدرته على تحويل الخطاب الثقافي المهيمن إلى “معيار” لكل ما هو “سوداني”.
فالشاهدُ أنَّ سياسة الاستيعاب الناعم تبنت الخطاب الثقافي للجماعة المهيمنة بكل أبعاده الجمالية والقيمية والدينية، وساهمت في تحويله إلى “أصولية ثقافية” لم يفلت من حبائلها حتى عتاة المثقفين وكبار المفكرين؛ بل إنهم ساهموا بمنتوجهم الفكري والثقافي في تحويله إلى “رأس مال رمزي” عمل على إذكاء الشعور بالاستعلاء العرقي والشوفينية الدينية والثقافية. وهو شعورٌ تشاركته الكثير من العامة والنخب، وخلق حالةً من الاستقطاب السياسي والاجتماعي الحاد، جعلت من المساومة لإعادة بناء وطن يقوم على التعايش واحترم التنوع مسألةً شاقةً، إن لم تكن مستحيلة.
والحال كذلك، ففي تقديري أنَّ إيلاء العناية النقدية بتأثيرات ونفوذ سياسة الاستيعاب الناعم أصبح ضرورةً قصوى؛ وهذا دورٌ يستلزم من المثقفين والمفكرين -بكافة تياراتهم- العمل على تفكيك وإعادة بناء الخطاب الثقافي المهيمن، وتجريده من أصوليته الثقافية، والعمل على تفكيك دوغمائيته المتمثلة في الماركة المسجلة “سوداني”؛ لصالح وعي وحساسية نقدية مفارقة للسائد والمألوف، تعي جيداً مرامي التنوع وأهميته، وتعمل بشكل منظم لتبنيه مفاهيمياً وأخلاقياً.
فذلك هو الضمانة الوحيدة لخلق “جدلية خلاقة” تفسح حيزاً عادلاً لـ “التثاقف المتبادل” بين الثقافة المهيمنة وثقافات الإثنيات التي تشكل جزءاً مهماً من فسيفساء هذا الوطن بالغ التنوع.



