
تتموضع وتندرج الفلسفة الإسلامية( إصطلاحاً) ، ضمن المحيط العام للفسلفة عبر رافد خاص من روافدها وهي الفلسفة الوسيطة. بغض الطرف عن التصنيف وما يمكن أن ينتج عن مجادلة حول إمكان الفلسفة الوسيطة بعامة والاسلامية علي الوجه الأخص، فإن للفلسفة الوسيطة تعارفاً ، سمات وسيماء تخص أفق تفكير بعينه تجعلها دون الفلسفات الاخري( اصطلاحاً ) .
إن أبرز ما يكونه سيماء الفلسفة الوسيطة في أنه علي تشابك وتماس وإلتحام مع الدين ؛ حيث أن الدين وقد القي بظلاله الكثيفة عليها تكون دورنها في فلك الدين وليس العكس فيما إذا كان الدين يجب أن تدور دآئرتها . ذلك على عكس ماكانت عند الفلسفة اليونانية( القديمة ) حيث تدور في فلك نفسها سابحة في الهواء الطلق دونما تأثير ظلال الدين الكثيفة عليها ، وكما حال الفلسفة الحديثة التي تدور فلك العلم وتحمل وزره. وليس ادل من أن لاوعي الفلسفة الوسيطة بعامة والإسلامية بالخصوص هو الدين ، في مسماها ( الفلسفة الإسلامية/ الفلسفة المسيحية ) علي الرغم من فلتان الاسم( الدال ) من مسماه( مدلوله ) علي الدوام . وابعد من ذلك في التدليل علي تدين الفلسفة الوسيطة هي القضايا والمفاهيم التي تأسسها وتأطر ها، واولي تلك القضايا هي القضية الميتافيزيقة الكبري ( الله ) ؛ ماذا عساه أن يكون ؟ ما الذي يجعله ممكناً ؟ ما طبيعية كونه ؟ قولاً واحداً ما الله؟ وإذا كان الكامل هو ويفترض ويتضمن كونه، فكيف له أن يكون وفقاً للإفتراض؟ ولكن لا يكون الله إلا من كون العالم ، والعالم لا يكون إلا في نقصه ، فإذا كان الأمر كذلك ما شأن الكامل بالناقص؟ ما علاقة الله بالعالم ؟ كيف للكمال أن يصدر منه النقص ؟ كيف للواحد الأحد أن يكون منه الكثير ( العالم) ؟ الخير المطلق بما حق فأني للشر أن يكون ؟ تلك الاسئله والمزيد منها شغلت الفلسفة الإسلامية علي وجه الخصوص والفلسفة الوسيطة علي الأعم ، علي الرغم من ملازمة تلك القضايا والاسئله للفسلفة في كل مراحل كونها وتجليها.
الغزالي ( متكلم الفلاسفة وفيلسوف المتكلمين ) في كتابه تهافت الفلاسفة، بين ووضح تهافت فلاسفة الإسلام وبطلان فكرهم في ثلاثة مسائل ، فليكن تلك المسائل الثلاثة التي بدع فيها الغزالي فلاسفة الإسلام( الفاربي وبن سيناء ) نقطة إرتكاز للوقوف علي أطلال وحواف ولاوعي الفلسفة الإسلامية. القضايا الثلاثة التي ينكر فيها الغزالي علي احقية الفلاسفة المسلمين هي : أن الله لا يعلم الجزيئات ، والثانية في قولهم بأن العالم ازلي سابق علي الزمن وليس محدث بالزمان وفي الزمان ، المسألة الثالثة في أن البعث والقيمومة مرة أخري لاتكون إلا بالارواح وليس بالأجساد. ومن المعلوم أن بن رشد فيلسوف الإسلام الآخر رد علي الغزالي في كتابه ( تهافت التهافت ) . حوار الغزالي وبن رشد وغيرهم في تلك الموضوعات يُبين الفرق والاختلاف والإتفاق ايضاً بين طريقة التفلسف والطرق الاخري في معالجة موضوعات الدين ، فالفلسفة ليست اللاهوت وعلم العقيدة في تناول مفاهيم ( الله ، الوجود، العالم ، النبوة ، الإنسان، الروح ، الجسد ، الآخرة ….. الخ ) .
فلننظر الي المسألة الأولى التي إعترض فيها الغزالي علي الفلاسفة وانكر احقيتهم في كونهم مؤمنين ، مسألة كون الله لا يعلم ( يدرك) الجزئيات ؛ المفارقة في هذه المسألة هو أن الله في كونه الله في كماله لا يحق له أن لا يعلم ، لإن علمه مطلق العلم، وفي ذلك خلف ، تلك حجة الغزلي ومن لف لفهم . ولكن الحجة المضادة علي ذلك ،تكون حجة بن رشد ومن نحي نحوه ، وهي الحجة الداعمة لفكرة أن الله لا يحق له معرفة الشئ جزئياً بما هو كمال مطلق ، ذلك لإن في الجزء إنفصال وحيز وحد وبالتالي نقص ، غير أن الجزء دوماً هو حدث والحدث ملحوق والملحوق لا يكون إلا في الزمان والمكان . وتلك صيروة ونقص ، وحاشا للكامل أن يعتريه النقصان . أضف الي أن كون الله يدرك الجزئي هذا يعني أن المعرفة تكون بعدية وليست قبليه بما أن الجزء بعدي وحدث في الزمكان . وعليه تكون معرفة الله للجزئي معرفة كائنة حيث لم تكن من قبل ، وبالتالي قبل الحدوث لم تكن الجزء ولم تكن المعرفة، وتلك تناقض في كون الله مطلق . والسؤال إذاً ما الذي يمكن أن يعرفه الله دون الجزيئات حسب الحجة الرشدية، الله في كونه الله لا يدرك الا الكل والإدراك عنده قبلي وليس حدث زمكاني ( بعدي ) ؛ وعليه فأن يُعرف الشئ في إطلاقيته تكون في مثاليته وليس في واقعيته وحدوثه؛ معرفة الحدوث هي معرفة البشر الفانيون والمحدودون في السياق ولا يليق بكون المطلق الازلي ؛ وبالتالي الشئ بما أنه قبلي عند الله فإنه ازلي وبالضروة ، وازلية الشئ تكمن في وجوده بالقوة ، وبالتالي تكون وجوده كفكرة ومفهوم وليست كواقعة، ومن هنا تكون الفكرة والمفهوم بما هو ازلي ( مثال ) خارج الزمان والمكان ( السياق ) . وتكون الفكرة عند الله من حيث الازل حيث لا حيث وعند لا عند ، وبما أنه موجود ( فكرة الشئ ) من الأزل فأنه مطلق ، وإطلاقيته وازليته تجعله من ذات الله نفسه بما أن أخص صفات الله هو الإطلاق والازلية. فتكون فكرة الشئ هو عين الله، وليس الله غير الفكرة المطلقة.
خالد تورين



