تحليل سياسي

المجتمع الممزق: حين يتحول الانقسام الي طريقة حياة

من سلسلة: ثلاثية الفرد والمجتمع والسلطة المحور الثالث: المجتمع (4)

في المقال السابق من سلسلة ثلاثية الفرد والمجتمع والسلطةوصلنا إلى لحظة مفصلية: حين تتحول الانقسامات من ظواهر متفرقة إلى منظومة تعيد تشكيل الفرد والمجتمع والسلطة معاً. لكن السؤال الآن ليس كيف تشكّلت، بل كيف تُعاش. المشكلة لم تعد في وجود الاختلاف، بل في غياب المساحة التي تجمع المختلفين. وعند هذه النقطة، لا ينهار المجتمع فجأة، بل يبدأ ينفصل عن نفسه بهدوء.
أول ما يختفي ليس الاتفاق، بل الإطار الذي يسمح بالاختلاف. تتراجع “نحن” العامة، وتظهر جماعات متجاورة تعيش جنباً إلى جنب دون أن تلتقي حقاً. ليس بسبب صراع دائم، بل لأن التواصل نفسه يتآكل تدريجياً.
ماذا يحدث حين يتوقف الناس عن رؤية بعضهم أصلًا؟
لا يعود الخلاف داخل واقع واحد. كل طرف يبدأ بالعيش داخل نسخته الخاصة من الحقيقة. لا خلاف على التفسير، بل على ما هو حقيقي أصلاً. ومع الوقت، يزداد يقين الفرد بما يرى، ويضعف استعداده لمراجعة نفسه — لا لأنه أكثر معرفة، بل لأنه أقل احتكاكاً بغيره.
ومع هذا الانفصال، تُعاد صياغة العلاقات بهدوء. يصبح الآخر غريباً قبل أن يكون عدواً. تتحول الثقة من افتراض طبيعي إلى قرار محسوب: السؤال لم يعد “ماذا يقول؟” بل “إلى من ينتمي؟”.
في هذا المناخ، تتحول السياسة من نقاش إلى هوية. المواقف لا تُبنى، بل تُورث. والرأي لم يعد أداة لفهم الواقع، بل علامة تُعرّف موقعك داخل الاصطفاف.
مفارقة مرعبة:
المجتمع لا يحتاج إلى كراهية لينقسم… يكفي أن يتوقف أفراده عن رؤية بعضهم.
أثر الانفصال: من عمق الفرد إلى عصب الاقتصاد
مع الوقت، لا يبقى هذا الانفصال خارجياً فقط، بل يتسلل إلى أعماق الفرد نفسه؛ يعيش المرء وسط الناس… لكنه وحيد.
يفقد الإنسان القدرة على التعاطف مع من يختلف معه، ويتراكم داخله مزيج من القلق الصامت واللامبالاة. يصبح التواصل مرهقاً، والعلاقات القديمة غير مريحة. داخل العائلة، في العمل، بين الأصدقاء… تُتجنب المواضيع الحساسة، ويحل محلها صمت ثقيل أو توتر غير معلن.
وهنا يحدث التحول الأهم:
تحول الإنسان من كائن يفكر…
إلى كائن يدافع عن انتمائه.
ومع ترسخ هذا الانفصال، لا يبقى الاقتصاد بمنأى. الفرص لا تذهب للأكفأ، بل للأقرب. قد تُحسم وظيفة برسالة واتساب واحدة في مجموعة مغلقة، أو يُفضّل مورد “من أهلنا” على آخر أكثر كفاءة بكثير. بل يمتد الأمر أبعد: يعزف الناس عن المشاريع التي تحتاج ثقة متبادلة، وتظهر اقتصادات موازية غير معلنة — “سوق لنا” و”سوق لهم”.
الناس لا يتوقفون عن العمل… لكنهم لم يعودوا يعملون داخل نظام. ومع الوقت، لا ينهار الاقتصاد، بل يفقد معناه.
السلطة وإدارة الفراغ: آليات الصعود والنزول
في هذا المناخ الممزق، تجد السلطة — أي سلطة — بيئة أسهل بكثير مما تبدو عليه. فهي لا تحتاج إلى صناعة الانقسام… يكفي أن تدير فراغه.
بدل أن تواجه مجتمعاً متماسكاً يضغط باتجاه واحد، تتعامل مع مجموعات متفرقة، لكل منها خوفها، ومصالحها، وحساسياتها. يمكن احتواء كل واحدة بشكل منفصل، دون الحاجة إلى مواجهة الكل. لكن الأثر لا يتوقف عند هذا الحد؛ هذا النمط لا يبقى خارج السلطة… بل يجد طريقه إليها، وأحياناً يبدأ منها عبر مسارين يحدثان بالتوازي:
1. الانتقال الصاعد (من المجتمع إلى السلطة)
حين يتكاثر منطق “القريب أولاً” و”الانتماء قبل الفكرة”، يصل إلى مؤسسات القرار كسلوك يومي: في التعيين، في الترقية، في منح الفرص، وفي صياغة القرار. لا يدخل كشعار، بل كترجيح صامت يتكرر حتى يصبح قاعدة. تتراجع الكفاءة خطوة، ويتقدم الولاء خطوة… ثم تُبنى المنظومة على هذا الميل.
في سلطة تحاول أن تكون عادلة: لا يظهر الخلل كفساد صريح، بل كـانزلاق بطيء؛ يُستبدل معيار الأداء بمعيار “الأكثر أماناً”، تُحلّ المشكلات عبر موازنات بين جماعات بدل قواعد عامة، ويصبح تجنّب الصدام أهم من تصحيح المسار. لا تنهار هذه السلطة فوراً، لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على اتخاذ قرارات مُكلفة وصحيحة في الوقت نفسه.
في سلطة مستبدة أو انتهازية: لا تُقاوم هذا النمط… بل تستثمره؛ تُكافئ الولاء، تُغذّي الشك بين الجماعات، وتُجزّئ المجتمع إلى وحدات يمكن التعامل معها منفصلة. هنا لا يكون الانقسام عبئاً، بل أداة إدارة.
2. الانتقال النازل (من السلطة إلى المجتمع)
أحياناً لا تنتظر السلطة “عدوى” المجتمع، بل تُنتجها بوعي: بسياسات تمييزية، بخطاب يقسم، أو بحوافز تُكافئ الانتماء أكثر من الكفاءة. تُعيد تعريف قواعد اللعبة: من يقترب يُكافأ، ومن يختلف يُقصى. فتتشكل سلوكيات الناس وفق هذه القواعد، وتنتشر بسرعة لأنها مربحة وقابلة للتقليد.
النتيجة الحتمية:
السلطة لا تبقى محايدة، بل تصبح جزءاً من البنية. وفي الحالتين لا تخرج سليمة: إمّا تُستنزف بمحاولة الموازنة، أو تُفسد حين تتحول إدارة الانقسام إلى مصلحة.
ثم يبدأ الأثر بالارتداد؛ ما تتبناه السلطة يتحول إلى معيار اجتماعي، فتُنتِج أفراداً يتعلمون أن الولاء طريق أسرع من الجدارة، وتُعيد تشكيل المجتمع حول شبكات مغلقة وثقة انتقائية. ومع الوقت، يعود هذا المجتمع ليغذي نفس المنطق داخل السلطة مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى