أدب وفلسفة

التشيد المتافيزيقي للفكرة(٢) : الإنسان وتحقق لا إله إلا الله 

الاستاذ:خالد تورين

ينزل الله حق نزله عند الإنسان، الإنسان مسكن الله في الشدة والدرجة وليس النوع ، نوعاً الله ينزل كل منازل الوجود ولكنه يتكثف لدي الإنسان، الإنسان مخصوص الله، يتفرد الله ويشذ عندما يكون الإنسان، الأمانة التي لم يستطع تحمله لقلة الطاقة الجبال والسموات حمله الإنسان واتسع طاقته لها ، لكي يستع طاقة الله عنده ، ولكي يطيب مقام ( الوجود _ الله ) لديه ، يتأله الإنسان في تنزل الله ، ويأنس الله في مقام الإنسان. ولذلك هو المختار والمصطفي والمجتبي والمستهدف ومنه وإليه ففط يبدأ تاريخ وجود الله وكينونته، بالإنسان فحسب يتقوم الله ويتحدد ماهيته ، ولذا الخلاص للإنسان وحده والدين له دون غيره ، فالله لكي يكون اسماً وصفة وفعلاً يكون الإنسان، فإذا خلاص الإنسان من الله وخلاص الله في الإنسان. ومن كل ماسبق لا تحسبن الله شئ والإنسان شئ ، وإنما هو هو ، مع فارق الدرجات والمقامات.

والسؤال إذاً ما الذي يجعل الإنسان شدة تنزل الله وكثافته الفاقة ودرجته العليا ؟ الإنسان هو قمة المفارقة تلك هو كينونة الإنسان، مفارقة وعيه ولا وعيه ، وجوده مضمون في لاوجوده، مشدود الي اللاهو، وعليه فإن المفارقة( التناقض ) بالصوره المشدودة هو ما يحكم شرط وجوده ، وهذا ما ينطبق علي الله ايضاً ، فالله ليس شئ غير انه قمة وجود المفارقة ، فهو الموجود كل الوجود وغائب كل الغياب، هو كل شئ وليس شيئاً هو ، النسي هو والمطلق هو ، في كل مكان وليس في اي مكان ، كل يوم هو في شأن ( يولد كل يوم ) ولكنه أيضاً لم يلد يوماً ولم يولد ابداً لأنه الصمد السرمدي، فهو الثبات المطلق والحركة المطلقه ، وعليه فالحرية هو والسلطة هو ، والخير منه والشر منه . إذاً الإنسان هو ذاته الله، مع فارق الدرجة والوجود كله لله مع فارق التدرج .

وبما أن الله تدرج فهو وصل بين القاعدة والقمة ، نزول دائم من القمة الي القاعدة، باعتباره الذهاب او التجلي ، وفي المقابل يؤوب الله الي نفسه إياباً طلباً للإتحاد والفناء ، فهذا الرحلة والعلاقة الوصلية تكمن وجود الله، فالله هو هذه الرحلة والاتصال بين الكثرة ( القاعدة ) والوحدة( القمة ). فالوجود( الله ) بأثره ذهاب واياب، كمون وإنطلاق ، ثبات وحركة، تمدد وإنكماش، مد وجزر ، شد وارتخاء، إنتصاب وإنحاء، وجود وعدم ، هواء وتراب ، نار وماء. فإذا كان الله كذلك فإن الإنسان لابد وان يكون هو كذلك، ومن هنا فإن تحقيق لا إله إلا الله الذي هو وصل القاعدة بالقمة وهو حركة المرجيحة( ذهاباً وعودة ً ) لا يكون الا مع الإنسان، ومن هنا فإن رسالة الله وشفرته المكثفة والمحسنة والمنقحة لا يكون الا للإنسان، فالإنسان مدين لله ولله حق علي الإنسان، حق الله علي الإنسان هو تحقيق كينونة الله باعتباره لا إله إلا الله، اي باعتباره وحدة القاعدة مع القمة ، وحدة الأرض مع السماء ، ذوبان الكثرة في الوحدة ، إلتقاء الإرادة بالتمثل ، اي ربط الوعي باللاوعي ، اي الناقص بالكامل. وفي المقابل حق الإنسان علي الله، هو أيضا تحقيق تلك الكمال ، واعطاءه شارة وقيادة تلك المشروع المفضي الي لا إله إلا الله، فالإنسان هو وسط بين القمة والقاع، فكرة الإنسان هو البرزخ ، والوجود كله برزخ ، ولكن الإنسان يمثل قمة البرزخ، والمعبر ، بإعتباره قمة التناقض والجمع بين القاعدة والقمة، ولذا فالإنسان ملاك من جهة انه روحاني واقرب الي السماء، وفي ذات الوقت الإنسان حيوان من جهة انه جسداني واقرب الي الأرض ، فكينونة الإنسان هو الازمة المزمنة، بإعتباره انه لا يستطيع ان يكون ملاكاً الا من خلال حيونته ولا يستطيع ان يكون حيواناً إلا بإعتباره ملاكاً تلك هو مأساته ومحنته ولعبته الوجودية، هو كائن ارضي ولكنه لا يستطيع مطلقاً أن يقطع صلته بالسماء، هيئته البيولوجية مصممة لكي لا ينقطع عن السماء، كونه منتصب هذا يعني انه يستطيع ان يخلق دوماً علاقة مع السماء. فالإنسان يأكل اكل الحيوان ولكنه يحتقر الاكل عندما يتذكر أصله الملاكي( الملائكة كائنات روحية محضة لا يأكلون ولا يشربون ولا يتغوطون ) ، يتناسل كالحيوانات ولكن ينبذ الارض ( الدنيا ) ويعتبر كل ذلك لعب ولهو لا فائدة يرجي من وراءها بإعتبارها زائلة، ويرتجي العالم الملائكي الخالد .

اذاً ليست شفرة الله ورسالته للملائكة الذي هم معروفو الهوية ، وآحاديو الماهية والتكوين ، ولا فائدة ترجي منهم في تحقيق لا إله إلا الله، وأيضا الحيوانات في ذات رتبة الملائكة مع اختلاف الجهة والمقام ، فالحيوان هو الوجه الآخر للملاك والعكس هو الصحيح ، ولكن الإنسان هو ذلك الجمع الفريد والإستثنائي بين الحيونة والملائكية، ولذا هو من يقود مشروع لا إله إلا الله القائم علي المفارقة، فهوية الإنسان هو هوية اللاهوية ، لذلك هو رحماني وشيطاني، الكائن الوحيد الذي يكون في الحجيم وموعود به وأيضا مخصص فنادق خمس نجوم في الجنة ، هو الذي اما ان يشقي او ان ينعم ، فهو وحده الكافر وفي الوقت ذاته المؤمن تلك هو مشروع لا إله إلا الله.

إذاً الإنسان وحده دون غيره ، ومن هنا فإن فكرة التطور النظرية العلمية البيولوجية القائمة علي أن اصل الحياة واحدة والإنسان ماهو الا يرقة إسفنجية معقدة ، أو خلية مركبة تركبياً فريداً ، فإن هذه الفكرة تنجسم مع فكرة وحدة الوجود الصوفي والمحمودي، فالإنسان هو حامل كل مرحلة من مراحل التطور ، وبالتالي حامل كل نوع حيواني في جوفه ومظهره ، وهو دليل وإمارة علي كل كائن حي ، وفي ذات الوقت نتجية قدرته علي الانعكاس علي ذاته وتمثل تلك التطور في الوعي والإدراك فهو يمثل أيضا شهود علي كل مظهر إله، فالله في القمة هو وعي الوعي ، وبالتالي الإنسان قادر علي تحقيق تلك الوعي من خلال الانعكاس علي ماضيه الوجودي ومحاولة تمثله ( تعقله ) ، ومن هنا فإنه تمثيل فريد للوجود بإعتباره ارادة عمياء وتمثل يري وينظر ، ومن هنا كانت نظرية التطور قد تم قبولها قبولاً حسناً في الوسط الصوفي والفكرة المحمودي. فالإنسان هو البداية وهو النهاية حسب القراءة الصوفية والمحمودية لنظرية التطور .

ولكي يحقق الإنسان رحلة الذهاب والعودة ، او يحقق حلقه الوصل بين القاعدة والقمة، فكان عليه بالدين ، فالدين هو إدانه ودين ، اي قرض، وبالتالي التزام وطريق وتسليك ، ( قل هذه سبيلي ادعوا علي بصيرة انا ومن اتبعني ) ، ومن هنا كانت الوحي والإيحاء. فالدين والرسالة والنبؤة هو نوع من انواع التذكير والإشارة الي ذلك العقد الفريد بين هبة ومنحة الله وبين الوفاء والالتزام من جهة الإنسان. فالوحي هو النور السماوي لاضاءة واشراق عتمة ولظمة الأرض، ولا يكون ذلك ممكناً الا من خلال الإنسان الذي هو حدس لفكرة الله نفسه ، فلكي يكون الدين والطريق والمنهاج فلابد من المعرفة، ومن هنا تأتي المعرفة( العرفان ) كنظير للتسليك المفضي الإلفة والسكنه وبالتالي الي الذوبان وإزالة المسافة والفاصل ولكن هيهات!

لا يتحقق لا إله إلا الله الا بالمعرفة والعبادة، وكل منهما مفضي الي الآخر ، وكي يكون المعرفة ممكنه يجب أن نحدد ممكن المعروف ، المعروف هو الله ذاته ، والعارف هو ذاته الله وتلك هي المفارقة في ان لا شئ سوي الله، المعرفة من اجل تقريب المسافة ورتق الشقوق وإزالة الحواجز، وقف الانزياح والتهجر ، إذاً الدين هو العرفان .ولكن المسافة لا يحق لها ان تكون مكانية محسوبه وانما المسافة والقرب هي قرب الروح للروح الذي هو ما بعد نطاق الزمان والمكان، القرب القلبي هو قرب الشعور والإحساس والوجد ، وبالتالي هي قرب الفهم والاستبصار. ولكن للمعرفة درجات ومقامات بما أن الله نفسه مقامات ، ولا يتجلي الا في مستوي المقام ، فالله يتكثف اكثر في القلب ، القلب هو بيت الله كما قال محمود والعقل حارس هذا البيت ، اي الدخول الي الله يكون عن طريق الدخول الي بيته ( القلب ) ، وقبل الدخول الي البيت لابد من المرور بذلك الحارس حتي يأذن بالدخول والمرور. فالمعرفة اذاً درجات مثلما الله درجات ، والايمان كذلك تدرج ، فالمعرفة العقليه( الفلسفية والكلامية ) هي بداية الطريق وليس المنتهي، المعرفة العقليه يجب ان يفضي الي معرفة أعمق وهو المعرفة الحدسية ( القلبية ) ، ذلك لأن المعرفة العقليه معرفة تجزيئية، تجزأ الذات العارفة عن موضوع المعرفة، وبالتالي لابد وان يكون مسافة وفاصل حتي يكون المعرفة العقليه ممكنة ، وبالتالي هي معرفة بالرؤية وليس بالرؤيا، اي بالبصر وليس بالبصيرة .علي العكس من ذلك فإن المعرفة الحدسية( القلبية ) ، فهي معرفة اندماج وذوبان وتلاشي وتذات وفناء، هي معرفة إعتصارية، حيث يكون لا فاصل بين العارف والمعروف، ذلك لان القلب حار ومتقلب ويموج موجاً ، اما العقل فشأنه البرودة والحياد، اما القلب فشأنها المجاهدة والمحاربة، ففي القلب يذوب كل شئ مع كل شئ ، وهذا ما كنا نبغي لسان حال الفكر الصوفي والمحمودي . فإذاً وسع الله وعمقه الوجودي يكون في القلب ، ” ما وسعني ارضي ولا سمواتي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ” ، ” وفي أنفسكم وما تبصرون ” .

ولكن القلب مكان الحب والكره ، لذلك القلب لا يساوم ولا يقبل القسمة علي اثنين، علي العكس من ذلك العقل الذي يحسب حساب التاجر لكي يساوم ويفاوض ويسايس ، ولكن الحب يوحد والكره يفرق ، وغاية وجود الإنسان هو وقف الفرقة والإتجاه الي الوحده( التوحيد ) ، ومن هنا فإن الدعوة الي الله هو الدعوة الي الحب ، علي الرغم من ان الايمان هو حب وكره ، المؤمن يحب اشد الحب ولكن نتجية ذلك انه يكره اشد الكره ، ومن هنا كان الحب طريق الصوفي الي الله، الي التوحيد، والتوحيد هنا لا يخص الله في ذاته الذي هو كامن وواحد وعدم ، وفي مرتبة حيث لا حيث ، وعند لا عند ، وقت لا وقت ، ولكن التوحيد يخص رتبة الإنسان في التجلي حيث الأزدواج بين تمثله لله في ذاته والله لذاته ، ومن هنا الإنسان كمنزل الهي هو المعني بالتوحيد، ومن هنا قول محمود بأن التوحيد صفة الموحِد وليس صفة الموحَد ، اي التوحيد يخص مقام الإنسان وليس مقام الله في ذاته ، الذي شهد أنه لا إله إلا هو . فالحب يجمع ويرتق ويذوب ، والتوحيد ليس شيئا غير انه لم للأشتات والمنقسم ، فالإنسان منقسم يتوحد بالعبادة والعبادة ليس شئياَ غيرانه الحب ، ولذا الصلاة وهي صلة الإنسان بالله في ذاته لكي يستلهم معني الرتق والجمع والاحتواء، يكون الصلاة عند محمود والفكر الصوفي عامة ، حالة رومانسية ووجدية وإشراقية وهي صلاة الأصالة، والصلاة درجات أيضا بما انه سلم الترقي الي الذات الصرفة ولكن هيهات، فوجودنا كله في الهيهات. إذاً صلاة الأصالة التي هي صلاة الصلاة، هي حالة ومسحة رومانسية يمتلأ في القلب ، ويتوسع عنده الوجود ، وبالتالي هي حالة شاعرية فيه الانخطاف، كل حالة تجعلنا في إنسجام تام مع وجودنا ويزيل حالة الغربة لدينا هي حالة صلاة، فالصلاة هو القشعريرة الوجودية التي تحدث لحظة الاتحاد مع المطلق، ولحظة تنزل المطلق بشكل مكثف لدينا ، وهنا يحتاج ان نوسع مجاري وجودنا لكي نتحمل ونكون اهلا لجريان المطلق فينا ، إذاً الصلاة شغف وإنتشاء وجودي وإنهمام ذاتي بالذات ، فهي الإلتئام و البراء، فهو الكيمياء التي تحدث في الوجود .ومن هنا فإن محمود ظل يكرر في اكثر من موضع بأن الصلاة جلسة نفسية ، لتوحيد قوي النفس من اجل شغف الوجود، ومن اجل إلتئام الرحماني والشيطاني فينا ، لكي نسير هواءًو ، وناراً ، فالهواء هو ذوبان للتراب والنار هو ذوبان للماء . إذآ الصلاة مسألة وجودية للعبور وطريق من طرق وجود الله، ولا يكون ذلك الا حباً .

وكل ذلك من أجل تحقيق القرب وإزالة الحجب للانتقال من الكثافة التي هي غربة الوجود الي اللطافة التي هو إلفة الوجود وإنسه ومنادمته ، وبالتالي الوجود كله والدين كله هجرة من الكثافة الي اللطف ومن السلطة والقهر الي الحرية ومن الجبر الي الاختيار، فالغرفة والكثافة جبر واللطف حرية، ومن هنا فإن غاية الدين عند محمود هو الحرية ولايكون الحرية الا بالفرد والتفرد ، ومن هنا كان الاهتمام بما هو فردي وبناء الفرد في الفكر الصوفي والمحمودي. ولكن الإنسان ليس فرداً فحسب وإنما الإنسان مجموع ، ومن هنا اهمية الأخلاق والحب في الفكر الصوفي، الأخلاق هو الجانب الاجتماعي من الحب ، فالخلاص لا يكون فردياً بما ان وجودنا ليس فرديا، ومن هنا كانت الأخلاق في جانب التسليك وطريق محمد . إذاً طريق محمد كله توحيد، توحيد العقل مع القلب والقول مع الفعل ، والنية مع القول ، والفرد مع الجماعة .

بقي شئ لابد من ذكره وهو اللغة في الفكر الصوفي والفكرة المحمودية، فاللغة هي لغة القلب المفضي الي الله الذي هو حالة وجدية وشاعرية ورومانسيه، ومن هنا فكانت اللغة الصوفية كلها لغة شعر وهيام ولغة رمزية عكس ما تكون لغة حرفية مباشرة، فلغة القلب هو رمز واشارة وتورية واستعارة ، بما ان الله نفسه في عمق أعماقه رمز وإشارة وإستعارة وليس حرفاً وواقعاً ، ومن هنا فإن اللغة الصوفية لغة نبض القلب وليس لغة العقل الخشبيه الجافة والخانقة، لغة حية وليست لغة ميته، ومن هنا فإن اللغة عند التصوف ليس دالاً ووسيلة فحسب وإنما هو مكان تجلي الحضرة ( الحضور الالهي ) ، ومن هنا فإن الصوفي يعيد خلق وابتكار اللغة لكي تتسع للحضرة والتنزل، ولكي يكون لغة الذوبان والاندماج والإلفة وليست لغة الغربة والكثافة، إنعا لغة اللطافة، بإمكانك ملاحظة حساسية اللغة عند محمود وكل المتصوفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى