بناء السلام وفض النزاعاتتحليل سياسي

الخبز أولاً، ثم الهوية: كيف نصنع تاريخاً لا تدفع فيه ثمن الانتماء

بقلم: إدوارد كورنيليو

القبيلة والقبلية في أفريقيا ليست قدراً تاريخياً ولا لعنة جينية؛ بل قصة عن الأرض والسلطة وظروف فُرضت على الناس. لفهم صراعات اليوم التي تلبس ثوباً قبلياً، يجب أن نرى كيف تشكلت القبيلة أصلاً، وكيف أُعيد تشكيلها بالقوة، ولماذا بقيت رغم شعارات الدولة الوطنية.
1. الجذر التاريخي: من العرف إلى السجل الاستعماري
قبل الاستعمار، عاشت معظم المجتمعات في تنظيمات قائمة على القرابة والجوار. الأرض مشاع يديره العرف، تُزرع وتُرعى جماعياً، والسلطة وظيفة اجتماعية لكبار السن لحل النزاعات. لم يكن النظام جنة، بل متوافقاً مع أدوات الإنتاج البدائية. المشكلة بدأت من خارجه.
دخل الاستعمار بمنطق مختلف: الأرض مورد للسوق العالمي، والبشر قوة عمل للمناجم والمزارع. ففكك النظام القديم؛ صودرت أفضل الأراضي للمستوطنين والشركات، وحُشر السكان في أراضٍ هامشية سميت “محميات قبلية”. ومن لم يجد قوته أُجبر على العمل بأجر زهيد في المدن والمناجم. هكذا تحطمت العلاقة مع الأرض الجماعية، وظهرت علاقة العامل بالأجر.
القبلية السياسية هي صناعة استعمارية بامتياز: الشيخ الذي كان يستمد شرعيته من رضا جماعته صار موظفاً عند الحاكم، يجمع الضرائب ويجند العمال مقابل امتيازات. في رواندا مثلاً، حولت بلجيكا الفوارق بين مربي الأبقار والفلاحين إلى هويتين صلبتين في الوثائق، ووضعت إحداهما فوق الأخرى. الهوية السائلة صارت جداراً، والخلاف على الماء صار يُقرأ كصراع عرقي تاريخي.
2. الدولة الوطنية وجهاز الغنائم
عند خروج المستعمر، ورثت النخب جهاز دولة مصمماً لاستخراج الفائض والسيطرة, لا لخدمة الناس. الدولة هي المالك الأكبر للأرض، والمشغل الأكبر، والموزع الأكبر للعقود والمساعدات. من يسيطر عليها يملك مفتاح الثروة.
وفي غياب اقتصاد منتج، يتحول التنافس السياسي إلى صراع على مفاصل هذا الجهاز. هنا تعود القبيلة للواجهة ليس لأن الناس متخلفون، بل لأنها الشبكة الأكثر موثوقية حين تغيب المؤسسات المحايدة. ابن عمك في الوزارة يوظفك، وقريبك الضابط يحميك. الولاء القبلي يصبح بوليصة تأمين في عالم لا تأمين فيه.
لقد مر مفهوم القبيلة بتحولات جذرية فرضتها طبيعة الإنتاج عبر التاريخ؛ فبينما تميزت مرحلة ما قبل الاستعمار بملكية مشاعية للأرض تُدار بالعرف والجوار، حيث كانت السلطة مجرد وظيفة اجتماعية لحل النزاعات، جاءت الفترة الاستعمارية لتقلب الموازين عبر مصادرة الأراضي وفرض عمالة الأجور، محولةً القبيلة إلى أداة إدارية صلبة مقيدة بالسجلات والهويات لضمان السيطرة. وصولاً إلى الدولة الوطنية، تحولت القبيلة إلى غنيمة سياسية وشبكة أمان بديلة للمواطنة الغائبة، في ظل احتكار الدولة الكامل للموارد والعقود.
3. النخبة وتعبئة الفقراء
هذا التحول يفسر لماذا تبدو النزاعات وكأنها قبلية حتى لو كان جوهرها صراعاً على النفط أو المناصب. النخبة تعرف أن تعبئة الفقراء أسهل بخطاب “نحن مهددون” من برنامج اقتصادي معقد. فيتحول الشاب العاطل إلى جندي في حرب لا يملك فيها شيئاً، يدافع عن جنرالات يتقاسمون الفنادق والجامعات نفسها. الفائض يُهدر في السلاح أو يهرب للخارج، وتُترك للجماهير شعارات الهوية لتتقاتل عليها.
هل القبيلة شر مطلق؟ الواقع أعقد. حين تنهار الدولة، تكون البنى الأهلية هي ما يمنع الفوضى؛ تنظم الماء في الجفاف، وتفصل في النزاعات، وتتكفل بالأيتام. قيم التكافل والملكية الجماعية ليست كلها سلبية. المشكلة تكمن في تحويل القرابة إلى سلاح سياسي يفتت التضامن الأوسع بين مزارعين وعمال يواجهون نفس التاجر ونفس الغلاء.
4. البديل المادي: كيف تتفكك القبلية السياسية؟
التجاوز لا يتم بالمواعظ عن “الوحدة الوطنية”. الناس لا تتمسك بهويتها الضيقة حباً في الانغلاق، بل لأنها لم تجد بديلاً مادياً يحميها. عندما تصبح الوظيفة بالكفاءة لا بالوساطة، والأرض حقاً موثقاً لا منحة، وعندما يرى المزارع في الشمال أن مأساته هي نفس مأساة الراعي في الجنوب، تبدأ الهويات الضيقة في الانحسار الطوعي.
المطلوب هو بناء تنظيمات جديدة عابرة للانتماءات:
نقابات تضمن أجراءً عادلاً.
تعاونيات تكسر الاحتكار الاقتصادي.
مجالس محلية منتخبة تراقب الميزانية وتدير التنمية.
هذه الأدوات تخلق مصالح مشتركة ملموسة أقوى من خطاب “أبناء عمومتنا”. وكثير من الحروب التي بدت قبلية كانت صراع نخبة على الموارد، كما حدث في جنوب السودان؛ حيث سهّل غياب مشروع اقتصادي يدمج الشباب في إنتاج حقيقي، وغياب مؤسسات توزع الثروة بعدالة، تعبئة المقاتلين بالثارات القديمة. الفقراء دفعوا الثمن، والمصالح الكبرى أُديرت بصفقات.
الخلاصة: القبيلة ليست أصل الداء؛ هي العرض لمرض أعمق يتعلق بإنتاج الثروة وتوزيعها. معالجة العرض وترك المرض تعني الدوران في نفس الحلقة.
5. خارطة الطريق نحو المواطنة
اللحظة التي يملك فيها المزارع عقداً لأرضه لا يُنتزع، ويحصل العامل على أجر يكفيه دون قريب متنفذ، ويدخل الشاب الوظيفة بشهادته لا باسمه العائلي، عندها تفقد القبلية السياسية وقودها. تظل القرابة في الأفراح والأتراح، لكنها تكف عن كونها بطاقة عبور للثروة.
الطريق يبدأ بإعادة تعريف الدولة: من جهاز غنائم إلى أداة لفرص عادلة. وهذا يتطلب:
اقتصاداً حقيقياً: استثماراً مكثفاً في التصنيع والزراعة لدمج الشباب.
مؤسسات مستقلة: قضاء نزيه، وإدارة محلية شفافة تعتمد المواطنة مدخلاً للخدمات.
فضاء مدنياً مفتوحاً: نقابات واتحادات يرى فيها الزميل في العمل زميله الآخر شريكاً لا خصماً.
وعياً تفكيكياً: تعليم يكشف كيف تُصنع الهويات وتُوظف، وإعلام يتوقف عن تقديم الصراع على الموارد كقدر عرقي، ويبدأ بتتبع المال والقرارات.
التجارب الناجحة in أفريقيا لم تشطب القبائل، بل نزعت سلاحها السياسي. جعلت المواطنة مدخل الخدمات، والقانون مرجع النزاع. إن إعطاء الشباب أفقاً مادياً ينهي الحاجة للبندقية القبلية؛ فالسلام يوقعه الفلاح حين يضمن سعراً عادلاً لمحصوله، والأم حين تجد مستشفى لا يسألها عن اسم قبيلتها.
ليست المسألة أن نطلب من الناس نسيان أسمائهم أو التنكر لجذورهم. المسألة أن نخلق واقعاً لا تكون فيه هذه الأسماء هي العملة الوحيدة للبقاء. حينها فقط، تتحول القبيلة من خندق إلى ذاكرة، ومن سلاح إلى تراث. عندها نصنع تاريخنا، لأننا امتلكنا شرطه الأول: الحرية في اختيار الانتماء دون أن ندفع ثمن الخبز مقابله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى