
ميتافيزيقيا الجسد
الجسد وما ادراكما الجسد! ثم ما ادراكما الجسد؟
الجسد ليست كتلة لحمية صماء ، توجد بشكل متافيزيقي مسبق ، وقار وثابت . بل الجسد صيرورة، وكون ووجود دائم وحضور متجدد عند الوجود في كل مرة .
وبالتالي الجسد هو فضاء مرن ومفتوح من الانبناء واعادة التكوين والتشكيل والصياغة، حسب شبكة العلاقات التي يوجد فيها حيث يشكل الفضاء ويتشكل من خلاله . ومن هنا فحسب تكون الرؤية الديكارتي التي تنظر الي الجسد بإعتباره آلة فقط ، و موضوع منفعل وسالب دون ان يكون فاعل وذات ، رؤية قاصره وضيقة. واكثر من ذلك يكون التقسيم الذي أقامه المتافيزيقيا الكلاسيكية، بين ذات حرة صاحب ادراة وعقل ماهيته التفكير كما قال ديكارت، وبين جسد حبيس المادة ومفعولة بها ،ماهيتها الامتداد فحسب، تلك القسمة جائرة وغير جائزة. لكون ان الجسد ليس شيئا غير انه شكل من أشكال الروح( العقل ، الفكر ) ، والروح هو جسد في وجه آخر، او قل ان الجسد تشخيص وتجسيد للروح، والروح ترويح للجسد. ومن هنا لا فصل ولا خلاف نوع بين الروح والجسد.
نحن نفعل في العالم والوجود بالتفكير وبالتجسيد، وهما شئ واحد يتجلي بطريقتين. ومن هنا نحن نفكر بجسدنا مثلما نمشي ونلعب بفكرنا.
نعود الي فكرة ان الجسد فضاء حر للتشكيل واعادة البناء ، هنا يتعلق الأمر بنمط وجود الإنسان في الوجود وهو مقام وجود الدازاين. فالدازاين يوجد هناك، ووجوده هناك يعني ما يعنينه وجوده المشروع والذي يكونه وليس ما هو كائنه، اي وجوده الممكن والقابل. ومن هنا فإن الجسد الدازايني هو جسد ممكن ، وجسد الإمكان جسد مفتوح علي مصراعيه لكي يكون دوماً . لو أخذنا ملاحظة أولية في نمط وجود الجسد الدازايني، نجد ان الإنسان مثلا يلبس يغطي جسده ، هل هذا فعل بيولوجي فقط يتعلق الأمر بمسالة ملائمته لأجواء( الحرارة _ البرودة ) ؟ ام انه يتخطى الفعل البيولوجي المحض لكي يكون ذلك الفعل ( لبس الملابس ) إنعكاس لنمط وجود الدازاين، فاللبس ثقافة ،معتقد ، هوية ، كيان ، قبل ان يكون لمجرد اتقاء شر الحرارة والبرودة ، ومن هنا نفهم مسألة ( العورة _ الشرف _ التعري _ الأعضاء الحساسة ….. الخ ) مفهوما بإعتباره ينتمي الي متافيزيقيا الجسد وليس فيزيقياه.
وحتي مسألة وظيفية اللبس البيولوجية بإعتباره جلد ثاني يواجه به الإنسان الظروف الطبيعية، يؤكد النمط الفريد لوجود الدازاين في الوجود، فالأسد مثلا لبسه هو جلده الطبيعي، وهو جلد جاهز وناجز مسبقاً ، وموجود بشكل واحد وشبه ثابت ، وقدرته التشكيلة والابتكار ية ضئيلة، اما جلد الإنسان فلا يوجد مسبقا ، لان الإنسان يشكل جلده من جديد، وهذا يعني ان اللبس ماهي إلا امتداد للجلد مما يعني امتداد للجسد، اللبس جسد آخر يكون بفعل الذوق الجمالي والثقافي والنفسي. مثال اللبس ينبطق علي كل جزء من جسدنا فالادوات التي نستخدمها هي إمتداد للأيدي والارجل، والقبعة او القطعة التي ندعها علي الرأس هو امتداد للشعر ……الخ . وهذه الادوات هي حجاب للجسد بقدر ما هو إنكشاف له وهذه مسألة اخري يحتاج الي إستفاضة وافية أيضا. وجسد الدازاين هنالك لانه يتصل به بقدر إنفصاله عنه .
إذاً الجسد هو تلاحم وتركيب وفضاء للإختلاف والتنوع والتكوين الدائم والمستمر . كل فعل نفعله هو إعادة اختراع للجسد، ولكن يبقي السؤال هل كل فعل تحقيق للاصالة الجسدية ؟ ام ان هناك أفعال يؤدي بالضروره الي اغتراب الجسد وتشيؤه وبعده عن الاصالة ، المتحقق في ارادة الحرية والحب والسعة والعفو والتلقاء ؟ ليس كل فعل حق للاصالة رغم ان كل فعل ينتمي الي افق الكينونة، ولذا علينا ان نعلب بحب وسعة وتلقاء لكي يكون جسدنا جسد الحرية ، علينا بالجنس المغضي الي الحب والناتج عن الحب حتي يكون جسدنا ضرب من ضروب تجسيد الاصالة .
اخيراً ، فإن الجسد هو هوية النقص بقدرما هو هوية النازع الي الكمال وتلك هي نمط وجود الدازاين المتمثل دوما في تلك الجدلية ، والجسد ليس ببراء منها.
فالنقص يجعل الجسد دوما قابل للتحقيق ومكان والوجود والعدم ، الحياة والموت، الحب والكره، الكون والفساد . فالنقص يجعل جسدنا مجهول دوما وقابل للكشف من خلال الإبداع، اللعب باعتباره فنا يكشف عن جسدنا، الجنس باعتباره حبا وفنا هو كشف عن ممكانات جسدنا، الرسم يكشف عن القدرات الإبداعية للجسد، فالجسد فضاء لانهائي من الممكنات المطوي، علينا بتدبيره شاعريا ، حتي يتسنى ان نكون بالاصالة.



