بحوث ودراسات

الترجمة….. الوجود …….

خالد تورين

مسألة الترجمة وإشكاليتها ليست مسألة لغوية وتقنيتة فحسب ، وإنما أعمق من ذلك في أنها مسألة وجودية بامتياز ؛ يتعلق الأمر بإشكالية الوجود؛ فالوجود في صميمه ترجمة بما أن الوجود في الأساس فهم ، إشكالية الترجمة في الاساس مسألة متعلقة بالفهم والتأويل ؛ ولذا ليس من العبث أن ينظر للترجمة في الفلسفة المعاصرة علي ضوء فهمنا للوجود ” هايدغر ” وعلي ضوء فهمنا للتأويل ” غادمير _ ريكور ” .
وبما أن الوجود مفارقة بين كون لا وجود إلا بإعتباره وجوداً للفهم ” التأويل ” ، وايضا وفي الآن ذاته وبنفس الدرجة لا وجود إلا بسوء الفهم ! فإن الترجمة في سبيلها الي إزالة سوء الفهم تعمل علي سوء الفهم ولبسه . فسوء الفهم الذي يكون والذي هو من صميم الفهم ذاته ، لا يمكن أن يكون سلبياً ” ضد الفهم ” ، بل مطلوباً حتي يصير الفهم ممكناً . ومن هنا نفهم قول دريدا : ” كل قراءة هي بمثابة إساءة قراءة ” فهم ” . إساءة الفهم هي مكمن الفاعلية والإبداع ، فمن خلال اللافهم الكامن في عملية الفهم ” الترجمة ” تكون النص ممكناً بما أن النص هو تأويله ” فهمه – قراءته – معناه ” . فلا وجود للنص إلا مقروءاً ومأولاَ ومفهوماً ؛ بل لا وجود إلا كذلك .
ومن هنا ليست الترجمة ” الفهم ” إلا بدءاً للنص وابداعه وتأليفه من جديد ، الترجمة بما هو فهم فهي مشاركة في إنتاج النص ؛ ولذلك هي خيانة للنص ؛ ولا يكون النص إلا بالخيانة مثل أن الوجود خيانة في الإساس . بل الترجمة والفهم الحرفي هو الخيانة بالمعني السلبي، والحرف من التحريف ؛ التحريف الذي يتم للنص من محاولة نقله حرفاً مع أنه ليس بحرف في الإساس ، بل النص هو المعني عينه ، والمعني يرتحل مع أفقه ، والأفق دوماً ما يتسع ويقل حسب الناظر .
الترجمة الحرفية يستحيل لإستحالة سكون الحرف في مدلول بعينه ؛ وبالتالي إستحالة إصطياد الدال لمدلوله؛ ولإستحالة الإمساك الكلي إلي ما يشير اليه النص . فالنص كالوجود مخزن إمكانياته وطاقاته ؛ وبالتالي يختزن إسراره ومفاجآته؛ يحتوي في جوف تماسكه علي تشتته وإنزياحته،يحوي علي تضاريسه في صلب سطحه ؛ ومن هنا فالنص رهين ما يكون دوماً ، وما لم يقله وما حجب وسكت عنه . ففي النص كما في الوجود دائماً ما هنالك فراغ ما ؛ هوة وفجوة سحيقه، هنالك ما لا يمكن سده وملأه دوماً .
وبما أن الترجمة مسألة وجودية يتعلق بطريقة وجودنا وشرطه ، فإنها لا تكون مسألة لغوية يتعلق بكيفية النقل من لغة الي أخري فحسب ، وإنما تكون إشكالية متعلقة باللغه الواحدة نفسها .
فاللغة واي لغة لا يكون إلا بالإختلاف والتعدد الذي يشكلها؛ فهي تكون من حيث الفراغات الذي فيها ومن حيث ترحالها وتحولها وإنزياحتها؛ وبالتالي لغويته تكمن في لاءه، وهو ما يجعلها مختلفاً ومتنافراً وبشكل دائم . فكل لغة تحمل لغات ما بجوفه وأحشاءه ومن هنا فكل نقل لغوي هو لغة اخري ؛ إختلاف عن … تحول الي … تبديل ب …. كل نقل هو إنحراف وخيانة لكي يكون النص .
ابعد من ذلك في أن الترجمة يتعلق بإشكالية فهم الذات لذاته ، كثيراً ما نسمع : ” لا استطيع التعبير عن نفسي _ عن أفكاري _ خانتني الفكرة _ ما أشعر به اكبر من أن يقال ” هنا تكون إشكالية ترجمة أنفسنا اي نقل ذواتنا وبالتالي إشكالية فهم ذواتنا ؛ فهنالك هوة ومسافة دوماً بين الكينونة والوجود ؛ شرخ عميق يعتري وجودنا، هوة سحيقة وفاصل كبير بين الكينونة وكوننا. كيف نردم ذلك الفاصل والهوة ؟ ذلك هو ما يجعلنا نصير ونوجد . هرموس اللإله المجنح، ذو الطبيعة المخنثة ؛ وخاطف اللونين ، وحده من يستطيع ترجمة القول الإلهي الي قول بشري والعكس بالعكس ؛ قدرة هرموس في إبداع اللغة البشرية من لغة الآلهة؛ وإبداع لغة الآلهة من لغة البشر ؛ إنه جسر وعبارة وقنطرة؛ وما الوجود إلا كذلك ؛ تصريف لغة البشر يكون عن طريقه ولغة الآلهة كذلك .
وهنا يحضر جبريل داخل الفضاء الإسلامي باعتباره مترجم ، مأؤل القول الإلهي الي القول البشري، اي ليس ناقلاً سلبياً للقول ، وإنما مشارك في انتاج المعني والنص ، وهذا حال الترجمة. ذلك لانه مزدوج الطبيعة والكينونة بين كونه الهي وبشري . اي ان الترجمه جسر وحضور في البين اي حضور في الآخر .
من ذلك يُفهم أن لا لغة إلا في الترجمة اي في الآخر ، وما الترجمة إلا إستدعاء للآخر والتعالق معه ، وفي النهايه الوجود وجود للآخر .
خالد تورين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى