أدب وفلسفة

التشيد المتافيزيقي للفكرة (١) : ,الله ,الإنسان ، التصوف

الاستاذ خالد تورين

الله هو الحدس ، وهو فكرة أن يكون الإنسان، وبالتالي لا يعدوا أن يكون ناتج علاقة الإنسان بوجوده ، فالله لا يحضر الا بحضور الإنسان، بما ان فكرة الإنسان هي فكرة الحدس , اللغة ، المفهوم، وبالتالي جنس الله هو من جنس الإنسان بما هو من جنس الحدس والفكرة ( المفهوم ) ، فلا هو هو إلا لأنه هو اللاهو ( الإنسان ) ، كينونة الإنسان تسدعي الله ، وقيمومة فكرة الله هو من جبهة قيمومة الإنسان. ومن هنا فالله يحضر بدآعي حضور الكينونة ، ولا كينونة الا مع كينونة كون الإنسان. فلا باب لله الا من بوابة الإنسان، وكذا العكس فلا مدخل الي الإنسان الا مدخل الله. ومن هنا فهو هو وأيضا هو لاهو ، فهو وللمفارقة يدل ويشير الي الهوية واللاهوية، الي الذات والآخر، ومن هنا فإن بين الهو هو ، هنالك الهو الذي هو اللاهو، واللاهو الذي هو هو ، فهنا مكمن نزل وسكن الله حيث سكن ونزل الإنسان .

وبما أن الله ينزل نزل الإنسان ويسكن مسكنه، من جهة ان الإنسان هو الكمال الناقص ، والله هو النقص الكامل فإن لله منازل شتى ونزل عدة بما أن الإنسان أيضا نزل في المقامات والأحوال ، فالله هو سماء الارض الذي يتلون بتعددية الوان الأرض وتضاريسه ، بحاره وجباله منخفضاته ومرتفعاته، سهوله واربيته، والإنسان هو الأرض الذي يتوحد بسماءه( الله ) ويصفوا به ويشتمل عنده. ومن هنا فالله( السماء ) واحد من جهة كثرته ، وكثير من كونه واحد . فهو مفهوم وشعور وحدس وتأويل ومقاربة وسياق وحال ( كل يوم هو في شأن ) ، ومن ذلك فحسب فهو يختلف بإختلاف من يكونون، فإله المتصوفة غير اله الفلاسفة والمتكلمين، وهو ايضاً غير اله السلف ، وهو نفسه مختلف عن إله اهل الفيزياء والكيمياء والرياضيات، فإذاً هو ماذا عساه ان يكون ؟ هو كل ذلك ولا احد . ومن هذا المدخل فحسب علينا محاولة الولوج الي فكر الاستاذ بما أنه فكر لا إله إلا الله، فالأساس المتافيزيقي الذي يقوم عليه قيمومة الفكرة هو فكرة حضور الله ، ولأن حضور الله كحجر زاوية في البناء المحمودي آت من لدن ومن سلالة النسب الصوفي ، فإنه فلابد من ربط مفهوم التصوف علي العموم بفهم الفكرة( الجمهورية ) علي وجه الخصوص وإن كان محمود قد آخذ منحاً خاص به في سبيل التصوف وارتقي به مرتقاً صعباً . فالفهم الصوفي لله هو الفهم الذي يقوم علي فكرة الإتصال دون الإنقطاع ، الله محايث من جهة مفارقته ، وهو الإنسان نفسه من جهة كماله ، والإنسان هو الله ذاته من جهة نقصه ، فالله هو إنسان كامل والإنسان هو إله ناقص . فلكي يكون الله هو الكامل فلابد له من ان يكون هو هو دون غيره ، وكي يكون كذلك لابد له ان يكون هو ذاته كل شئ ، الا فلا يكون البته، إذاً هو كل ماهناك كل ما تراه ، ومن هنا فإن الله في الفكر الصوفي عموماً وعند محمود علي جهة الخصوص ، هو الذي يظهر ويتجلي في كل شئ ، هو كل شئ ، هو الكم اللانهائى والنوع الانهائي، وفكرة التجلي هذه هي فكرة محورية في الفكر الصوفي، يقوم علي أن لاشئ وحده هو الله وكل شئ هو الله، فهو الواحد ، الواحد لا يكون إلا إذا تم نفي الغيرية والآخرية، ونفي الغيرية لا يكون إلا إذا كان كل شئ هو ، ومن هنا فهو الواحد في الكثير ، والكثير في الواحد . ما يظهر ويترائ هو الكثير وما يتواري ويحتحب هو الواحد ، ومن هنا فالله ظاهر وباطن والوجود أيضا ظاهراً وباطناً ، والإنسان ظاهرا وباطناً ، كل الفكر الصوفي والمحمودي يقوم هذه القيمومة، فالله والعالم ليسا شيئين مختلفين وإنما الوجود واحد يظهر مظاهر شتي ، يظهر مرة في المادة ( الحجر ، التراب ، المعادن ، البحار ) ومرة في اخري في النبات ومرة اخري في الحيوان ومرة في الإنسان، إذا إختلاف الوجود هو إختلاف في الدرجة والشدة والكثافة وليس إختلاف في النوع والجنس ، فالنوع واحد من حيث هو الله او المطلق او الإنسان الكامل ….الخ ، والدرجة تختلف من حيث تجلي هذا المطلق، فكثافته عند الإنسان أعلي واشد وعند الحيوان اقل وكذلك الحال في سلم الترتيب حيث النبات والجماد. ومن هنا فالوجود درجات والله درجات مثلما ان الإنسان ايضاً مقامات ودرجات ، ولابد من مفهمة الوجود وحدسه بإعتباره مدرجاً ، قمته لطف وقاعدته كثافة ، قمته واحد وقاعدته كثير ، يفترق عند القاعدة ويجتمع عند الهرم ، مفتوق ومرتوق في ذات الوقت .

إذاً فلا فرق سوي التدرج ، الفرق بين الهرم وقاعدته ، كالفرق بين الشمس وأشعته ، وكالمحيط وروافده . فلا شئ سوي الله ، وكل شئ هو عدا الله، القاعدة ( الأرض ) هو الله حيث هو لاهو ،وفي القمة ( السماء ) الله يكون هو هو ، إذاً الله فرق وجمع ، إتصال وإنقطاع ، فتق ورتق، فالله هو المفارقة. وهل الإنسان شيئاً آخر غير أنه المفارقة؟ فإن قلنا بأن الله هو الذات والاسماء والصفات ، فتلك من جنس ماهية الإنسان، وإن قلنا إنه من جنس الإرادة والعلم والقدرة ،فإنها تمثل محيط كون الإنسان . فوفقاً للفكر المحمودي المطعم بالصوفي فإن يكون الله في اللغة العربية هو الله مرة والرحمن تارة والرحيم تارة اخري ، فذلك ليس بعبث التسمية في شئ ولا الاعتباطية أن تكون في علاقة الدال والمدلول كما ذهب إليه مذهب دي سوسير، وإنما ذلك دليل المعني ( المدلول ) ، فالله يتدرج مدرج الله والرحمن والرحيم، يكون الله في القمة لأنه في ذاته ويمثل الآحدية ، يمثل الحرية في اطلاقه، حيث هو هو ، يمثل الرتق المطلق ، ولذا هو سديم في كونه الله، غامض من فرطه وضوحه ، هلامي من شدة ملمحه، هيولا من كثافة شكليته، ظلام دامس من شدة سطوعه ، وبالتالي حتي الاسم( الدال المبني ) غامضاً غموض معناه، ماذا يدل كلمة الله؟ إشتاقه صعب ومصدره في اللغة العربية غامض ، ذلك لأن الله في درجة من درجاته مجرد ، بعيد ، غريب ، موحش ، وهذا الاسم( الله ) يعبر عن معني الغربة والبعد والتجريد ، إذاً الله هو مستوي من مستويات التزل والتجلي ، ويمثل المنزل الاقرب الي الذات الصرفة حسب التعبير المحمودي، فالله مقاربة بعدية وعينية للذات الصرفة الذي هو العدم كله بما انه الوجود كله ، الذات الصرفة من شدة اطلاقيته وتمثله للكمال والآحدية لا يمكن ان نقول عنه شيئاً ، لأنه خارج نطاق الرسم والتعين وبالتالي خارج نطاق اللغة والمقاربة، ولكن الذات الصرفة تحضر وترسم عند الله ولكن أيضا يكون الرسم أقرب الي الهلامية، وي كأنه الذات الصرفة عند الله شكل دون ملامح ، هي محاولة لكي يكون الشكل ممكناً ولكن هيهات. ولكن الذات الصرفة تتنزل اكثر في منزل الرحمن وصورته ( قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن اياً ما تدعوا وله الأسماء الحسني فأدعوه بها ) ، وتكون أقرب من حالته في الله ، فالرحمن من الرحمة ، وهي دلالة الحب والحنو والدفء والرعاية والعطف ، وبالتالي القرب والإلفة والدنو ، فالرحمن هو التجسيد للذات الصرفة إذا كان الله هو التجريد ، الرحمن منزله القلب بما أنه دلالة الرحمة والحنو والعطف والرعاية والعطاء والمنه ، إذا مثوي الله وتقلبه عند الرحمن يكون قلبياً ، ولذا في معرفة الله في العمق في مستوي من مستوياته يعرف قلبياً . ” نظرت ربي بعين قلبي قلت من انت قال انت ” .

والذات الصرفة في رحلة تجليه وفي عملية خروجه من كمونه ومن احديته الي رحاب الاشراق والظهور يكون في منزلة ومستوي اخر غير مستوي الله والرحمن ، فيكون الرحيم في هذه المرة ، والرحيم تضخيم وتكثيف للرحمن ، وبالتالي هو الاكثر قرباً والأكثر إلفة، والأكثر سكناً في القلب وبالتالي الاكثر رحمة ورعاية واحاطة. إذا هو الله في مرة والرحمن في حالة والرحيم في مقام آخر ، فالإختلاف هنا إختلاف درجة وشدة للتجلي والدنو والقرب ، ولكن هو هو في كل مرة يظهر بإنه هو لاهو.

تلك هي الأسماء الله والرحمن والرحيم، والأسماء هي في مستوي الله وهو في ذاته ، ولذا الأسماء تمثل مرحلة التشويش والتجريد والبعد ، بينما المستوي الثاني الاكثر قربا من مستوي الأسماء هي مستوي الصفات، فالصفات هي الخروج والتوسط ، وبما أن مستوي التزل والقرابة في الأسماء يمر بثلاثة مراحل وهو الله والرحمن والرحيم فكذلك فإن تجلي الصفات يكون مرة في الإرادة ومرة اخري في العلم ومرة أخيرة في القدرة ، فالإرادة اولي مستويات التنزل والقرب للذات الصرفة في مستوي الصفات يقابل الله في مستوي الأسماء، وبالتالي الإرادة هي الأكثر تجريداً والأكثر عموميةً وبعداً مقارنة بمستويات الصفات الاخري وهي العلم والقدرة، فالإرادة هي الشكل العام دون ملامح ، فهي صفة أقرب الي اللاتعيين وبالتالي يخص كل شئ وليس شئ بعينه ، فلذا الإرادة مثلما انها بعيدة فهي موحشة ايضاً وغير مروضة، وغير مألوفة وغريبة . اما المستوي الثاني في مستوي تنزل الصفات فهي العلم، العلم هو تخصيص الإرادة وتقريبها والإحاطة بها ، ورسم طوق لها ، بمعني ان العلم ترويض للإرادة، وجعلها اكثر إلفة وفي مقام القرب ، وإخراجها من حالة الغموض والتشويش الي حالة الوضوح والمعلومية ، فالعلم يقابل الرحمن في مستوي تنزل الأسماء . وفي المقابل فإن القدرة هي المستوي الثالث الاقرب من العلم في مستوي الصفات وهو الاكثر تجسيداً وقرباً من الفرق والفتق وتمثل مستوي الإختلاف ومستوي والإلفة وبالتالي يوازي مستوي الرحيم علي مستوي التنزل الاسمائي . فلا يكفي الذات الصرفة التزل الاسمائي والصفاتي حتي يكون ، وإنما لكي ينزل اكثر ويكون في القرب اكثر فإنه يتنزل منازل الافعال ، فالفعل هو الذات الصرفة في ابهي نزوله ودنوه وقربه ، وبالتالي الاقرب لكي يأنسن ويأُلف، فالتنزل الأفعالي للذات الصرفة أيضا يكون في ثلاثه مستويات هي الخالق والبارئ والمصور، فالفعل الاول هو فعل الخلق في التنزل الافعالي يقابل هذا المستوي الفعلي مستوي الله في التنزل الاسمائي ويواجه ويوازي الإرادة علي مستوي التنزل الصفاتي ، ومن هنا فإن الخلق كفعل إلهي هو الاكثر تجريداً والأكثر عموميةً والأكثر بعداً وغموضاً ، حيث يستوي عنده كل شئ مع كل شئ ، ويكون عدم التعين والإشارة أقرب منه الي العبارة والتعيين . ولكن الفعل الاقرب من فعل الخلق هو فعل البرئ، فالبارئ هو التنزل علي مستوي الافعال يكون فيه مقاربة اكثر وضوحاً لفعل الخلق في المستوي الأول ولذا فهي الخصوصية والإلفة والرسم الاكثر دقة والأكثر ملمحاً ، ويقابل البارئ كمستوي من مستويات التنزل الأفعالي الرحمن في مستوي التنزل والمقام الاسمائي وكذلك يقابل العلم في جناح التنزل الصفاتي. وفي الاخير فإن المصور هو الفعل الاكثر قرباً ووقوعاً وخصوصيةً والاقل تجريداً ، وبالتالي الاكثر تجسيداً وتعيناً ومن هنا فإنه الرحيم في مستوي التنزل والتعرج الاسمائي، وكذلك هو القدرة علي مستوي التنزل الصفاتي.

إذاً في كل ما سبق فإن الله او قل الذات الصرفة بحسب التفكر الصوفي عامة والمحمودي علي جهة التخصيص لا يكون إلا واحداً ولكن ليست وحدة سكون وإنما وحدة حركة صعوداً وهبوطاً حركة تنزل وعروج فهو احوال ومقامات ومستويات ونسب ، وإختلافات في الشدة والدرجة والكثافة ، وبالتالي ليست وحدة الله الا وحدة المختلف ولست وحدة المؤتلف ، ولذا فالله مفارقة حسب التفكر المحمودي، فهو احد صمد وازل ابد ولكنه أيضا هو كل يوم في شأن وحال ، هو صيرورة وتكوين لأنه تجلي دائم ومستمر، فالله هو الله في كل يوم ليس بهو ، وهو الخالق في كل لحظة ، فإنها صيرورة النقص في تجاه الكمال ، وحركة الكمال تجاه إحتواء النقص ، ومن هنا فإن الله سماء ( وحدة ) وأرض( إختلاف ) ، فهو توحيد وشرك ، تجريد وتجسيد، متناهي وغير نهائي في الآن ذاته . ولذا هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله. فهو التناقض والمفارقة ، ومن هنا فهو المطلق والنسبي، فهو الخير الذي لا يكون إلا بالشر وهو الرحمن الذي هو وجه الشيطان، فهو الرحيم والرجيم ، يحي ويموت اغني واقني ….الخ .

نواصل في الجزء (2).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى