
دولوز لكي نفهمه ونأوله يجب ان نفهم سياقه ، اي ان فلسفته بدا يتشكل ويصير في فضاء فلسفي جديد بدأ يتشكل في منتصف القرن العشرين. ويمكن تلخيص سمة هذا الفضاء الفلسفي، بكلمة واحدة وهي ” الإختلاف ” او فلسفة الإختلاف، ودلوز هو خير ممثل لهذه الفلسفة، لدرجة ان فلسفته سمي اصطلاحا بفلسفة الإختلاف، ودلوز فيلسوف الإختلاف بالجدارة الفلسفية.
وبالتالي فضاء دولوز الفلسفي كان مؤثر في تشكيل فلسفته مثلما ان فلسفته اثر في خلق ذلك الفضاء، ومن هنا فهم دولوز يمكن في سياق فهمنا لفلسفات مثل دريدا وفوكو وباديو….. الخ .
فلنحاول اذاً أن نلج الي مفهوم دولوز المركزي لكي نخلق تماس مع فلسفته، مفهوم الإختلاف الدولوزي، هو مفهوم جديد كل الجدة وقديم كل القدم ، وهذا شأن ودأب كل مفهوم، جديد بطريقة استخدام دولوز له وصرفه مصرف ينسجم مع سياق فلسفته، وقديم لان ما من مفهوم الا وقد انوجد بطريقة من الطرق .
قولا واحداً ، الوجود هو وجود الإختلاف: ومن هنا فان دولوز لا يعتبر ان الإختلاف شئ طارئ علي الوجود ، ومن لواحقه، وإنما وإنما الوجود ذاته إختلاف، اي لا يأتي الإختلاف الي وجود من الخارج وإنما كينونة الكون هو الإختلاف، ومن هنا فان دولوز يرفض كل تفكير ماهوي ، جوهراني، تأسيساني، يصارد الإختلاف حقه لصالح الكلي والشمولي، والواحداني . ولذا دولوز يقيم ثورة علي كل الانظمة الفلسفية التي شيدت الإنساق الكبري ، وخاصة هيجل .
فالإختلاف الدولوزي يجعل من التفكير والوجود في حالة تشكيل مستمر ، لا شئ مسبق واولي وأساسي يبدأ منه الوجود وينتهي عنده ، وإنما الوجود يكون وفقا للحال والظرف والسياق ، وبالتالي هوية الوجود دوما بعدي وليس قبلي مفتوح علي كل ممكن لانه مفتوح علي كل إختلاف، ومن هنا وجود الإختلاف هو وجود لانهائي من حيث التشكيل والإيجاد والممكنات. ومن هنا يذهب دولوز في كتابه المهم الفرق والمعاودة او في ترجمة اخري التكرار والإختلاف، يذهب مذهب ان التكرار هو تكرار المختلف وليس تكرار المؤتلف، بمعني ان الذي يتكرر ويعود دوما هو الإختلاف، وبالتالي التكرار والعودة هو عودة الإختلاف، مما يعني عودة اللاعودة، لا يعود الشى كما هو في عودة الإختلاف وإنما دوما يعود لكي يختلف .
مفهوم آخر يبن فلسفة دولوز وهو مفهوم ” الجذمور” ، ففي كثير من استخدامنا للغة نقول جذر الشئ ، وجذور الأفكار، باعتبار ان الجذر هو الأساسي وهو العمق وهو الاولي ، ولكي يقطع دولوز مع تلك المفاهيم ( الاولي _ الأساسي…..الخ ) باستخدم الجذمور بدلا من الجذر ، وماهو الجذمور، الجذمور نبات لانعرف الفرق بين جذور وساقه وفروعه ، كل جزء منه يمكن ان يكون الجزر او الساق او الفرع ، اي لا جذرية لدي الجذمور. وفي نفس الشى حسب دولوز ينطبق علي الوجود والفكر ، فالوجود في اساسه جذموري الوجود، اي متشعب ، ومركب ، ومنعرج، وتائه.
اللافت ايضا في تفكير دولوز هو انه ليس لديه بناء فلسفي نسقي يعالج في القضايا الفلسفية، الوجود، المعرفة ، القيم ….الخ كما درجت عليه التفكير الفلسفي. وإنما اغلب طرق تفلسفه كان عن طريق قراءته وتأويله لفلاسفة اخرين ، وهذه الطريقة ينسجم مع فلسفته، ان كان هو اختار تلك الطريقة عن وعي او لا وعي . فعنوان كتب يكشف عن ذلك ، نتشة والفلسفة، كانط ، برغسون ، فوكو ، اسبينوزا ، كتب عن كل تلك الفلاسفة لا لكي يشرح تلك الفلسفات ذلك الشرح المعروف والمعتاد ، وإنما كان دولوز ينثر فلسفته من خلال تلك الفلسفات ، اي يوجود دولوز من خلال برجسون ، نتشة واسبينوزا وكانط…… الخ ولذا عندما كتب كتاب عن صديقه الحميم فوكو وعرضها علي فوكو ، فوكو قال : قولته المشهورة ” انا امام فوكو جديد لم اعرفه من قبل ” .
نقطة اخري وهو ان دولوز له تعريف خاص وومميز عن الفلسفه اشتهر به وهو ان الفلسفة ابداع او اختراع مفاهيم وذلك في كتابه الشهير ماهي الفلسفة. ودلوز بعد طول تأمل وتفلسف يعود لكي يجعل الفلسفة موضوعاُ للتفلسف عن طريق الفلسفة نفسها ؛ فيسأل السؤال البديهي والاشكالي ما الفلسفة؟ وسؤال ما الفلسفة هو فلسفة حول الفلسفة، وهذا ميزة وسمة تخص الفلسفة وحدها وهي ان تضع ذاتها مكان سؤال .يخلص دولوز الي ان الفلسفة ابداع واختراع مفاهيم … الفيلسوف صديق المفهوم ؛ وسمة المفهوم انه مسطح للمحايثة وليس المفارقة. والصداقه محايثة ومداخلة وليس مفارقة وهجران وتجريد؛ ومن هنا فإن الفيلسوف صديق بالضروره؛ لما للصداقة من تجاوز للإطلاق والأحادية والتقوقع ! فتكون سمة الصداقة الانفتاح ، تقدير الإختلاف، ايجاد مساحة رغم الوصل والاتصال .
ومن جهة أخري فإن دولوز لا يفصل الفلسفة عن الفن ، و الفلسفة لاتكون حق كونها الا بالانفتاح
بالانفتاح والتطفل علي ماهو غير فلسفي ومن هنا نفهم كتاباته المتعددة عن السينما والادب والفن في عمومه ، وعلاقة تلك بالفلسفة.
نقطة أخيرة ان دولوز متيم وعاشق لما يمكن تسميتهم بفلاسفة الحواف والهامش في تاريخ الفلسفة ولذا كان دولوز يكن احتراما خاص الي سبينوزا ونتشه وبرجسون.
اخيرا فإن أهمية دولوز يتلخص في مقولة فوكو ” القرن القادم سوف يكون قرنا دولوزيا بامتياز”



