علوم

وجدتها يا مكي عباس! فقد كنتَ مكلَّفاً بإعداد دراسة اقتصادية – اجتماعية من المجلس الاستشاري لشمال السودان في العام 1946 بالمشروع، لذلك ورد ذكرك في جلسة المجلس في العام 1947.

محمد علي مهلة

محمد علي مهلة

منذ أكثر من عشرة سنوات، آليتُ على نفسي أن أستمر في الكتابة والتحليل والتنقيب والبحث عن جذور التهميش والإقصاء لمجتمعات العمال الزراعيين، سكان الكنابي بمشروع الجزيرة وامتداد المناقل بولاية الجزيرة، والمشاريع الزراعية المروية الأخرى، بكل من مشروع خشم القربة بحلفا الجديدة بولاية كسلا، ومشروع الرهد الزراعي الموزع بين ولايتي الجزيرة والقضارف، ومشروع السوكي الزراعي بولاية سنار. وخلال هذه المهمة، كنتُ دائماً أبحث عن تأثير السياسات والقرارات والتشريعات التمييزية والعنصرية التي اتخذتها الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم السودان، وحرمت بها مجتمعات العمال الزراعيين سكان الكنابي من حقوقهم الأساسية والعادلة، وفقاً لشروط المواطنة المتساوية.

وفي ذلك، تتبعتُ السياسات والقوانين والتشريعات منذ العام 1911، بداية الزراعة التجريبية بجنوب الجزيرة بمنطقة طيبة الشيخ عبد الباقي وكركوج، ومن ثم قيام خزان سنار في العام 1925، والتوسع والتنويع في الزراعة والمحاصيل، إلى العام 1929 والكساد العظيم الذي ضرب العالم، وكانت له تأثيرات على أسعار القطن التي ينتجها مشروع الجزيرة، حيث انهارت الأسواق وهجر المزارعون الزراعة لقلة العائد، كما يوضح كتاب أجراء الريف لأستاذنا يوسف عبد المجيد -عليه رحمة الله.
وبعد الكساد العظيم، والاستمرار في استصلاح الأراضي والتوسع في الزراعة، تم تضمين مجتمعات العمال الزراعيين في تملك الحواشات، حتى العام 1945 حيث أصبح 3000 من مجتمعات العمال الزراعيين، التي تعود أصولها لغرب السودان، مزارعين ويمتلكون الحواشات ملكية منفعة، مثلهم مثل بعض المجتمعات الأخري التي قدمت من شمال السودان وأصبحت مزارعين بالمشروع.
وجزئية تملك مجتمعات العمال الزراعيين من غرب السودان للحواشات، والقرارات العنصرية التي اتخذتها ضدهم إدارة مشروع الجزيرة، وثقها الدكتور صديق عبد الهادي عام 2019، وأوردها في كتابه “من بعض قضايا الاقتصاد السياسي”، حيث ذكر أنه كان هناك حوالي 2000 من القادمين الجدد من الغرب أصبحوا مزارعين، وبحلول العام 1944-1945 ارتفع عدد الملاك منهم إلى 3000 مزارع. ولكن تلك السياسات التشجيعية سرعان ما تقهقرت بصدور قانون الجنسية لعام 1948، والذي حرمهم من حق العمل بمرتب وكذلك امتلاك الأرض، وحتي الذين إمتلكوا الحواشات تنزع منهم ملكيتها بمجرد أن يموت الشخص الذي تم تمليكه وتوزع لآخرين. أن هذا القانون جاء معززاً، بشكل أو بآخر، لتوجيه أجازته إدارة المشروع في عام 1945، وإن سياسة التمييز ضد الآخر بشأن امتلاك الأرض مارستها معظم الأنظمة العنصرية، حتى لو كان لذلك الآخر دور حاسم في العملية الإنتاجية.
ولنأتي أخيراً لتوثيق الأستاذ عثمان نواي هبيلا في كتابه عام 2018 “المواطنة المؤقتة: ملكية الأرض كآلية استغلال واضطهاد”، والذي تناول فيه الجذور التاريخية والأبعاد الثقافية والاقتصادية لأزمة الكنابي، وأورد توثيق الباحث بيتر ماكلوجين الذي نشره في مطلع الستينيات، وهو توثيق لحيثيات الجلسة السابعة للمجلس الاستشاري لشمال السودان، المنعقدة في قصر الحاكم العام بالخرطوم في 25 مايو 1947، حيث تم فيها تقديم تقرير من هنري ماكنتوش، المسؤول الإداري عن العمل، حول النقص في العمال الزراعيين والدور الهام والرئيسي الذي يلعبه العمال من غرب السودان في الإنتاج الزراعي في ذلك الوقت. حيث أورد نواي في ذلك التوثيق أن مكي عباس كان أكثر المناهضين لوجود العمال الزراعيين في مشروع الجزيرة، ومعروف أن مكي عباس تقلد منصب محافظ مشروع الجزيرة بتاريخ 1 أبريل 1955 إلى أغسطس 1958م، مما أثار نقاشاً عميقاً بيني وبعض الرفاق الذين دافعوا عنه وقالوا إنه في ذلك الحين، أي في 25 مايو 1947 تاريخ الجلسة السابعة للمجلس الاستشاري لشمال السودان، لم يكن محافظاً بعد، وإنما أصبح محافظاً بالمشروع في العام 1955م. وفي حقيقة الأمر، في ذلك النقاش لم أجد في الكتب والوثائق التي قرأتها علاقة تجمع مكي عباس بالمجلس الاستشاري لشمال السودان، إلى أن وجدت -قرأت مؤخراً- كتاب “حركة مزارعي مشروع الجزيرة وإمتداد المناقل” لكاتبه صديق البادي، وفي هذا الكتاب وجدت العلاقة بين مكي عباس والمجلس الاستشاري لشمال السودان، حيث ذكر صديق البادي في كتابه صفحة 21 أن مكي عباس في العام 1946 كان مكلفاً من قبل المجلس الاستشاري لشمال السودان بإعداد بحث اقتصادي اجتماعي بالمشروع، وكان يقيم بقرية بيكة، وجاء بمعية أحد الإنجليز إلى قرية الطلحة ود الطريفي، ولحكمة يعلمها الله، هي مناطق محليتي ووحدتي الإدارية حيث مولدي ونشأة صباي.
وبذلك أكون قد حللت اللغز حول علاقة مكي عباس بالمجلس الاستشاري، وبما ورد عنه بالجلسة السابعة للمجلس، والتي ورد في توثيقاتها أن مكي عباس هو من أكثر المناهضين لوجود وحقوق مجتمعات العمال الزراعيين.
والآن أيضا فقط عرفت من أين استند الكاتب العنصري جلال الدين محمود يوسف، الذي كتب كتاب “مشروع الجزيرة: القصة التي بدأت” في بداية التسعينات، وخصص فصلاً كاملاً وأسماه “الزحف الكمبوي والخطر المحدق”، وأساء فيه لنفسه ولمدير جامعة الجزيرة ولإدارة المشروع، حين وصف مجتمعات الكنابي بأقبح الأوصاف وجردهم من كل شيء حتى إنسانيتهم، وأنه دائما ما كان يذكر الدرسات الاجتماعية الموجودة بوحدة الدراسات والبحوث بمشروع الجزيرة.
لدي قناعة – وكل التوثيقات والشواهد تثبتها – وهي أن الأفندية الذين ورثوا الدولة من الاستعمار واستمروا في سياسته، هم مسؤولون أكثر من غيرهم في تعميق أزمات السودان، لأنهم وضعوا الأساس القانوني والسياساتي والمؤسساتي للظلم الاجتماعي بالسودان، وأن إدارتهم الفاشلة لملفات حقوق المواطنة وسودنة الوظائف القيادية والعليا بمؤسسات الدولة، وبناء مؤسسات الدولة بعدالة وغيرها من القضايا التي تراكمت وأصبحت إحدي أسباب الحروب وعدم الاستقرار.

1 أغسطس 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى