
ما وراء السلام الذي يريدونه: قراءة نقدية في وثيقة الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب:
خالد كودي
24/8/2026 خالد كودي، بوسطن
مدخل: المشكلة ليست في الدعوة إلى السلام، بل في تعريف السلام
صدرت “وثيقة الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب غير المصطفة مع أطرافها” عقب اجتماع تشاوري عُقد في أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس 2026، بمشاركة قوى سياسية ومدنية وشخصيات عامة. وتقدم الوثيقة نفسها بوصفها تعبيراً عن قوى مناهضة للحرب وغير مصطفة مع أطرافها، وتنطلق من الكارثة الإنسانية وضرورة حماية المدنيين ووقف الحرب، ثم تطرح تصوراً لما تسميه “عملية سلام حقيقية” في مقابل دعوة الفريق عبد الفتاح البرهان إلى “الحوار السوداني–السوداني”
وتتمحور الوثيقة حول جملة من المواقف: رفض الحوار الذي دعا إليه البرهان باعتباره عملية تجري تحت سلطة أحد أطراف الحرب ويمكن أن تكرس الأمر الواقع؛ رفض إعادة تأهيل المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما؛ الدعوة إلى “عملية سلام حقيقية بمراحلها المتعارف عليها دولياً” تبدأ بالمسار الإنساني ووقف إطلاق النار وتنتهي إلى حوار سياسي سوداني–سوداني تحت مظلة مستقلة؛ وإدراج قضايا الدولة والهوية والمواطنة وعلاقة الدين بالدولة والجيش والعدالة والأرض والإعمار والتعليم والصحة والدستور والنظام الانتخابي ضمن أجندة العملية السياسية. كما تؤكد الوثيقة وحدة السودان، وترفض تكريس الجغرافيا التي أفرزتها الحرب، وتدعو إلى توحيد الوساطات الخارجية والتمسك بالتحول المدني الديمقراطي.
ليست المشكلة في كثير من هذه الأهداف في ذاتها. فوقف الحرب، وحماية المدنيين، ووصول المساعدات الإنسانية، ورفض عودة الاستبداد، والمحاسبة، والتحول الديمقراطي، كلها ضرورات لا خلاف جوهرياً حولها. المشكلة تكمن في التصور النظري للسلام وللدولة وللقوى المدنية الذي تنطلق منه الوثيقة.
فالوثيقة تتعامل مع الأزمة كما لو كانت، في جوهرها، حرباً ينبغي وقفها أولاً، ثم جمع الفرقاء داخل عملية سياسية تعالج القضايا المختلف عليها. لكن تاريخ السودان يقول شيئاً أكثر تعقيداً: الحرب ليست سوى التعبير المسلح عن أزمة أقدم تتعلق بتأسيس الدولة نفسها؛ بهويتها، وبعلاقة الدين بالدولة، وبالمواطنة، وبالأرض، وبتوزيع السلطة والثروة، وبعلاقة المركز بالأطراف، وبطبيعة المؤسسة العسكرية، وبمن يملك حق تعريف الأمة وكتابة تاريخها.
ومن هنا يبدأ الخلاف الحقيقي.
أولاً: لا جديد كثيراً تحت لغة “العملية السياسية”
أبرز ما يلفت النظر في الوثيقة أنها تقدم بعض أطروحاتها كما لو أنها تصور جديد للسلام، بينما هي، في معظمها، إعادة إنتاج للغة التي ظلت قطاعات من النخب السياسية والمدنية السودانية تكررها خلال الأزمات المتعاقبة: وقف الحرب، الإغاثة الإنسانية، وقف إطلاق النار، مؤتمر جامع، حكومة مدنية، جيش قومي، عدالة انتقالية أسمتها الوثيقة “العدالة الناجزة”، ثم انتخابات وانتقال ديمقراطي.
هذه ليست أهدافاً خاطئة، لكنها لم تعد كافية. فقد عرف السودان الاتفاقيات، والمؤتمرات، والإعلانات الدستورية، والفترات الانتقالية، وتقاسم السلطة، وتوافق النخب” وإعادة تشكيل الحكومات، ومع ذلك عادت الحروب واتسعت. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق تصميم أي عملية سياسية جديدة هو: لماذا استطاعت الدولة السودانية إعادة إنتاج الحرب بعد كل تلك الاتفاقات والانتقالات؟
إذا كانت الحروب تتجدد منذ الاستقلال، فلا يكفي تحسين تقنيات وقف إطلاق النار أو إدارة الانتقال؛ بل يجب مساءلة بنية الدولة التي ظلت تنتج شروط الحرب، وتحديد المبادئ التي لا يجوز إخضاعها مرة أخرى لمساومات القوة أو توافقات النخب.
وهنا يظهر قصور الوثيقة وتشوشها المفاهيمي. فهي تشير بحياء إلى ما تسميه “جذور الحروب”، من دون تحديدها بالدقة المطلوبة، ثم تضع الهوية، والعلمانية وعلاقة الدين بالدولة، والمواطنة، والأرض، والجيش، والعدالة ضمن قائمة من “القضايا الرئيسية” المؤجلة إلى عملية سياسية تتصور هذه القوى نفسها المشاركة في تصميمها وإدارتها. وبهذا تعيد إنتاج منهج التسويف الذي ظل يؤجل حسم الأسئلة التأسيسية للدولة السودانية
فهذه ليست مجرد ملفات تفاوضية متجاورة. بعضها يتعلق بالمبادئ المؤسسة للدولة ذاتها، وينبغي أن يترجم إلى ضمانات تأسيسية وفوق دستورية: المواطنة المتساوية؛ العلمانية وحياد الدولة تجاه الأديان؛ الديمقراطية واللامركزية؛ الحقوق والحريات الأساسية وعدم التمييز؛ المحاسبة والعدالة التاريخية؛ بناء جيش وطني جديد؛ وضمان حق تقرير المصير في مواجهة إعادة إنتاج الهيمنة. أما تصميم المؤسسات والسياسات التفصيلية، فهو المجال الطبيعي للتفاوض والمنافسة الديمقراطية.
فالسلام المستدام لا يبدأ بتأجيل جذور الحرب إلى طاولة المفاوضات، بل بحسم المبادئ التي تمنع الدولة الجديدة من إعادة إنتاجها.
ثانياً: لا توجد “عملية سلام حقيقية” واحدة متعارف عليها دولياً
من أكثر عبارات الوثيقة حاجة إلى النقد حديثها عن “عملية السلام الحقيقية” بمراحلها “المتعارف عليها دولياً”: المسار الإنساني، ثم وقف إطلاق النار، ثم الترتيبات الأمنية، ثم العملية السياسية.
هذا تصور إجرائي للسلام أكثر منه نظرية للسلام.
لا توجد وصفة عالمية واحدة تُنقل من نزاع إلى آخر كما تُنقل لائحة إدارية. لقد تطورت دراسات السلام وبناء الدولة تحديداً لأن النزاعات تختلف في تاريخها وبنيتها وعلاقات القوة داخلها. فما يصلح لنزاع حدودي بين دولتين لا يكفي بالضرورة لحرب مرتبطة بالهوية والأرض والاستعمار الداخلي، وما يصلح لتسوية صراع حول الحكومة لا يعالج بالضرورة صراعاً حول طبيعة الدولة نفسها.
وهنا تكتسب مساهمة يوهان غالتونغ أهميتها، خصوصاً تمييزه بين “السلام السلبي”، أي غياب العنف المباشر، و”السلام الإيجابي” الذي يتطلب معالجة البنى التي تنتج العنف واللامساواة. والسودان، بعد عقود من الحروب المتجددة، يحتاج إلى الثاني بقدر لا يقل عن حاجته إلى الأول.
فالابتكار السياسي يبدأ من الواقع، لا من قوالب الوساطة.
والواقع السوداني يؤكد أننا لسنا أمام مجرد صراع بين طرفين على السلطة في الخرطوم، بل أمام أزمة تاريخية وانهيار لصيغة الدولة التي تأسس عليها السودان وأُدير بها منذ الاستقلال. ولذلك فإن السلام المستدام يحتاج إلى عملية تأسيسية تعيد بناء الدولة، لا إلى إدارة النزاع القائم وحده.
ولهذا فالسؤال الصحيح ليس: ما المراحل المتعارف عليها دولياً لعملية السلام؟ بل: ما طبيعة السلام الذي يتطلبه تاريخ السودان وواقعه وأسباب حروبه المتكررة؟
ثالثاً: الوثيقة ترى أطرافاً عسكرية حيث توجد أيضاً مشاريع متصارعة للدولة
هنا يظهر أحد أهم أوجه القصور التحليلي في الوثيقة. فالواقع السوداني ليس مجرد مواجهة بين تشكيلات مسلحة تنتظر أن تحدد لها القوى التي تصف نفسها بأنها “مدنية ومناهضة للحرب” شروط وقف القتال والترتيبات الأمنية. فخلف القوى الفاعلة في الميدان مصالح ورؤى ومشاريع متباينة حول طبيعة الدولة ومستقبلها، ولا تستطيع عملية سلام جادة التعامل مع هذه التناقضات باعتبارها تفاصيل تؤجل إلى مؤتمر سياسي لاحق.
فمن جهة، تمثل سلطة البرهان والقوى المتحالفة معها، وبدرجات متفاوتة، امتداداً لبنية السودان القديم: الدولة المركزية، والمؤسسات العسكرية والأمنية الموروثة، والعلاقة التاريخية بين السلطة والنخب المركزية التي احتكرت تعريف الدولة والهوية وتوزيع القوة والثروة، وفشلت في بناء دولة تستوعب تنوع السودان على أساس المواطنة المتساوية.
ولذلك فالنقد لا يتعلق بالبرهان كشخص، وإنما بالبنية التاريخية للدولة التي يمثل استمرارها.
والوثيقة نفسها تدين انقلاب 25 أكتوبر، وترفض إعادة إنتاج النظام السابق، وترى في مبادرة البرهان محاولة لمنح سلطته غطاءً سياسياً. لكن أزمة السودان أقدم من البرهان والبشير، وأعمق من المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، كما أنها لا تختزل في ظهور الدعم السريع. فقد عرف السودان الحروب والتهميش والقمع قبل انقلاب 1989، وتحت أنظمة عسكرية وحكومات مدنية متعاقبة. ولذلك فإن اختزال السودان القديم في النظام الإسلامي وحده يحجب مسؤولية تاريخية أوسع، ويعفي من النقد نخبا وقوى شاركت، بدرجات مختلفة، وبطرق مختلفة في هندسة وإدارة الدولة المركزية أو الدفاع عن أسسها من دون تفكيك بنيتها المنتجة للتهميش والحروب.
فمنذ الاستقلال، امتدت الحروب من الجنوب إلى جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور، وتعرضت مجتمعات كاملة للقتل والتهجير والقصف والتجويع والانتهاكات المنظمة، وصولاً إلى الجرائم الجماعية والإبادة في دارفور وجبال النوبة والنيل الازرق. وهذا التاريخ يؤكد أن المشكلة لم تبدأ بالبشير ولم تنته بسقوطه، كما أنها لا تبدأ بالبرهان؛ بل تكمن في بنية دولة استطاعت، عبر أنظمة مختلفة، إعادة إنتاج الحرب كلما تصاعدت مطالب المجتمعات المهمشة بالمساواة والحقوق، والسلطة والموارد والاعتراف.
ولذلك فإن السؤال المركزي ليس: كيف ننهي سلطة البرهان أو نمنع عودة النظام السابق فقط؟ بل: كيف نفكك بنية السودان القديم التي سبقت البرهان والبشير، ونجت من سقوط الحكومات، وظلت قادرة على إعادة إنتاج المركزية والتهميش والحرب؟
رابعاً: “تأسيس” ليس واقعاً سياسياً يمكن القفز عليه
في المقابل، لا تستطيع أي عملية سلام جادة اختزال تحالف السودان التأسيسي “تأسيس” في أحد مكوناته العسكرية، أي الدعم السريع، ثم وضعه بخفة في خانة “القوى المصطفة مع أطراف الحرب”. فهذا الاختزال يتجاهل واقعاً سياسياً ومؤسسياً قائماً: “تأسيس” تحالف يضم قوى سياسية ومدنية وعسكرية، أعلن مشروعاً لإعادة تأسيس الدولة، وأنشأ على أساسه حكومة الوحدة والسلام التي تمارس سلطاتها في مناطق واسعة يعيش فيها ملايين السودانيين.
ويقوم المشروع المعلن لـ”تأسيس” على رؤية السودان الجديد: دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية، ومواطنة متساوية، ووحدة طوعية، وبناء جيش وطني جديد، ومحاسبة وعدالة تاريخية لمعالجة جذور الحروب، مع ربط حق تقرير المصير بحماية المبادئ التأسيسية وفوق الدستورية من الانتهاك وإعادة إنتاج الهيمنة.
يمكن الاتفاق مع هذا المشروع أو الاختلاف معه، ونقد مؤسساته وممارسات مكوناته، لكن لا يمكن بناء عملية سلام واقعية بالقفز على وجوده السياسي والمؤسسي والجغرافي والاجتماعي، أو التعامل مع المواطنين الموجودين في مناطق سيطرته وكأنهم خارج معادلة مستقبل السودان.
وفي الوقت نفسه، لا يمنح هذا الواقع “تأسيس” أو أيّاً من مكوناته حصانة سياسية أو قانونية، وهو ما يؤكده ميثاق تحالف تاسيس نفسه. فأي انتهاكات يجب أن تخضع للتحقيق والمحاسبة، وأن تطبق مبادئ السودان الجديد- المحاسبة والعدالة التاريخية على الحلفاء والخصوم بالمعايير ذاتها.
فالعدالة الانتقائية ليست عدالة، كما أن تجاهل واقع سياسي ومؤسسي قائم على الأرض لا يلغيه، ولا يجعل عملية السلام أكثر واقعية لمجرد أن بعض القوى المدنية اختارت عدم الاعتراف به.
خامساً: ما يحتاجه السودان هو مشروع السودان الجديد
مشروع السودان الجديد ليس شعاراً لتنظيم سياسي، ولا برنامجاً لجماعة إثنية أو إقليمية، بل نقد تاريخي لبنية السودان القديم ومشروع لإعادة تأسيس الدولة. فهو ينطلق من فشل دولة احتكرت تعريف الهوية الوطنية من مركز ثقافي وسياسي واحد، وركزت السلطة والثروة، وتعاملت مع التنوع باعتباره مشكلة ينبغي احتواؤها بدلاً من أن يكون أساساً لبناء المواطنة المتساوية.
والحقيقة التي ينبغي طرحها بوضوح هي أن السودان يحتاج اليوم إلى مشروع السودان الجديد؛ ليس لارتباطه بحركة أو قائد أو مرحلة تاريخية، بل لأن الحروب المتكررة وانهيار مؤسسات الدولة أثبتا أن الصيغة القديمة استنفدت قدرتها على إنتاج دولة عادلة ومستقرة. فالمطلوب ليس ترميم السودان القديم أو إعادة توزيع السلطة بين نخبه، وإنما إعادة تأسيس الدولة على مبادئ تعالج الأسباب التاريخية للحرب.
وتتمثل هذه المبادئ في دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية؛ مواطنة متساوية بلا تمييز؛ وحدة طوعية؛ حق تقرير المصير ضمانة ضد إعادة إنتاج الهيمنة؛ جيش وطني مهني جديد بعقيدة دستورية؛ تفكيك مؤسسات الاستبداد؛ المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب؛ والمحاسبة والعدالة التاريخية التي تعالج الأرض والثروة والتهميش والذاكرة والتمثيل وإصلاح المؤسسات التي أنتجت الظلم والحروب.
وهذه، في جوهرها، الرؤية التي أعلن “تأسيس” تبنيها. ولذلك لا يمكن لأي عملية سلام جادة تجاهل وجود مشروع سياسي سوداني يقدم إجابة واضحة عن السؤال التأسيسي الذي ظل السودان يؤجله: ما طبيعة الدولة التي يستطيع جميع السودانيين، باختلاف أديانهم وثقافاتهم وأقاليمهم وهوياتهم، أن يعيشوا فيها مواطنين متساوين؟
فالصراع الراهن لا يتعلق بمن يحكم السودان فقط، بل بأي سودان سيخرج من الحرب: هل يعاد إنتاج السودان القديم بمركزيته واختلالاته التاريخية، أم تعاد صياغة الدولة على مبادئ السودان الجديد؟
هذه ليست قضية تؤجل إلى ما بعد وقف القتال، ولا بنداً ثانوياً في “عملية سلام متعارف عليها دولياً”. إنها موضوع السلام نفسه. فالسودان لا يحتاج إلى وقف الحرب فحسب؛ بل إلى مشروع دولة يمنع إعادة إنتاج أسبابها.
سادساً: الحياد عن السلاح لا يعني الحياد عن أسباب الحرب
تصف الوثيقة أصحابها بأنهم “القوى المناهضة للحرب غير المصطفة مع أطرافها”. لكن هذه الصياغة تحتاج إلى مساءلة فلسفية وسياسية؛ لأن عدم حمل السلاح لا يجعل الفاعل السياسي تلقائياً قوة سلام، كما أن إعلان الحياد لا يعني بالضرورة الحياد عن البنية التي أنتجت الحرب.
فمن منظور غالتونغ، المؤسس الرئيسي لدراسات السلام والصراع، لا يقتصر العنف على إطلاق النار، بل يوجد أيضاً بوصفه عنفاً بنيوياً كامناً في مؤسسات الدولة وفي التفاوت في توزيع السلطة والثروة والأرض والحقوق والفرص. ولذلك يمكن لقوة مدنية أن ترفض الحرب في خطابها، بينما تدافع، صراحة أو ضمناً، عن بنية سياسية واقتصادية وثقافية أسهمت تاريخياً في إنتاجها؛ كرفض العلمانية والمواطنة المتساوية، أو مقاومة إعادة توزيع السلطة، أو تجاهل حقوق الأرض، أو رفض إعادة بناء المؤسسة العسكرية، أو حماية الامتيازات التاريخية للمركز.
ومن هنا تصبح فكرة “الحياد” نفسها موضع مساءلة. ففي أوضاع الظلم البنيوي لا يكون الوقوف على مسافة واحدة بين من يسعى إلى تغيير بنية الهيمنة ومن يسعى إلى استمرارها موقفاً محايداً بالضرورة.
وقد عبّر مارتن لوثر كينغ الابن عن معنى قريب من ذلك في رسالة من سجن برمنغهام عندما انتقد “المعتدل الأبيض” الذي يفضل السلام السلبي، أي غياب التوتر، على السلام الإيجابي القائم على العدالة، وحذر من تحويل الانتظار والتأجيل إلى وسيلة لاستدامة الظلم.
وهذا المعنى شديد الأهمية في السودان. فقد تتبنى بعض القوى المدنية خطاب “عدم الاصطفاف” بصورة انتهازية تسمح لها بالبقاء خارج كلفة الصراع، ثم تقديم نفسها لاحقاً باعتبارها الأحق بقيادة العملية السياسية وجني ثمار نضال الاخرين. لكن الحياد بين مشروع يعيد إنتاج السودان القديم ومطالب تسعى إلى تفكيك بنيته التاريخية ليس فضيلة أخلاقية في ذاته.
والسؤال ليس فقط: مع أي طرف عسكري تقف؟ بل: أين تقف من العلمانية؟ ومن المواطنة المتساوية؟ ومن اللامركزية؟ ومن العدالة التاريخية؟ ومن حقوق الأرض؟ ومن إعادة بناء الجيش؟ ومن تفكيك مؤسسات الهيمنة؟
فالامتناع عن الإجابة عن هذه الأسئلة ليس حياداً بالضرورة؛ وقد يتحول عملياً إلى انحياز لاستمرار الوضع الذي أنتج الحرب
مارتن لوثر كينغ يقول: (إن أسوا مكان في الجحيم مخصص لأولئك الذين يقفون على الحياد في المعارك الأخلاقية الكبرى)
ويقول ديزموند توتو: (إذا كنت محايداً في مواقف الظلم، فقد اخترتَ الوقوف في صف الظالم.)
وفي المقابل، لا يجعل حمل السلاح صاحبه بالضرورة عدواً للسلام. فالتاريخ، من حركات التحرر من الاستعمار إلى مقاومة الفصل العنصري والاضطهاد، والابادة الجماعية يبين أن جماعات قد تلجأ إلى المقاومة المسلحة عندما تغلق الدولة أمامها وسائل الحماية والعمل السياسي السلمي. وهذا لا يبرئ العمل المسلح عند ارتكاب أي جرائم وفقا للقانون الدولي، ولا يمنح أي طرف حصانة من القانون الدولي الإنساني أو المحاسبة، لكنه يمنع المعادلة الانتهازية والسطحية التي تجعل “المدنية” مرادفاً للعدالة، و”الحياد” مرادفاً للسلام، وحمل السلاح دفاعاً عن الوجود والحقوق مرادفاً للظلم.
فالاختبار الحقيقي لقوى السلام ليس بعدها عن البندقية وحدها، بل موقفها من البنية التي أنتجت البندقية والحرب.
سابعاً: من هم “المدنيون” الذين تتحدث باسمهم الوثيقة؟
تدعو الوثيقة السودانيين في الداخل والخارج، وفي المدن والأرياف والمعسكرات ومناطق السيطرة المختلفة، إلى توحيد صوتهم ضد الحرب. لكن ذلك يطرح سؤالاً أساسياً: من يملك حق تعريف القوى المدنية وتمثيلها؟
ففي جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور وغيرها توجد مجتمعات مدنية كاملة: نساء، ومزارعون، ومعلمون، وشباب، وإدارات اهلية محلية، ومنظمات مجتمعية، ونازحون ولاجئون، عاشت الحرب لا منذ 15 أبريل 2023، بل عبر أجيال. وهذه المجتمعات ليست أقل “مدنية” لأن مناطقها توجد تحت سيطرة حركات ثورية مسلحة أو لأنها اضطرت إلى تنظيم نفسها في سياقات الحروب، هذه المجتمعات تحملت حروباً لم تخترها أصلا، بل فرضت عليهم من حكومات الخرطوم جيلا بعد جيل
وهنا تظهر أهمية المحاسبة والعدالة التاريخية: لا يجوز جعل تجربة الخرطوم بعد 15 أبريل نقطة الصفر الأخلاقية لتاريخ الحرب السودانية.
الحرب لم تبدأ عندما وصلت إلى العاصمة.
بالنسبة إلى مجتمعات كثيرة، وصلت حرب الدولة إليها قبل عقود.
ثامناً: من العدالة الانتقالية إلى المحاسبة والعدالة التاريخية
تتحدث الوثيقة عن “العدالة الناجزة وإنهاء الإفلات من العقاب”. وإذا افترضنا أن المقصود هو العدالة الانتقالية كما ظلت هذه المجموعات تردد، فإنها تمثل مدخلاً ضرورياً للمحاسبة وجبر الضرر، لكنها تصبح غير كافية إذا صُممت أساساً لمعالجة الجرائم المرتكبة منذ حرب 15 أبريل 2023، او منذ بداية حكومة الإنقاذ حتي، فالأزمة السودانية لا تبدأ بهذه الحرب، وتاريخ ضحايا الدولة لا يبدأ بضحاياها.
السودان يحتاج إلى العدالة الانتقالية، لكنه يحتاج أيضاً إلى المحاسبة والعدالة التاريخية.
فلا يكفي أن نسأل: من قتل ومن ارتكب الانتهاكات منذ 15 أبريل؟ بل يجب أن نسأل أيضاً: كيف تكوّنت الدولة التي جعلت استهداف جماعات كاملة ممكناً عبر أجيال؟ من انتزعت أرضه؟ من تعرض للاسترقاق والتهجير والقصف والتجويع؟
من حُرم تاريخياً من التعليم والتنمية والتمثيل السياسي المتكافئ؟ وكيف تشكّلت المؤسسة العسكرية، وعلى أي عقيدة سياسية وأمنية قامت؟ وكيف تركزت السلطة والثروة والموارد ومؤسسات الدولة في المركز، بينما تحملت مناطق أخرى كلفة التهميش والحروب وغياب التنمية؟
وكيف تحولت هوية جزء من المجتمع إلى تعريف مهيمن للدولة والأمة بينما دفعت مجتمعات وهويات أخرى إلى الهامش؟
لقد عرف السودان قبل 15 أبريل عقوداً من الحرب واستهداف المدنيين في الجنوب وجبال النوبة، والنيل الأزرق ودارفور وغيرها. ولذلك فإن بناء العدالة الانتقالية حول الحرب الراهنة وحدها، مهما كانت فظاعتها، يخاطر بإنتاج ظلم جديد: تحويل اللحظة التي وصلت فيها الحرب إلى المركز إلى بداية تاريخ الضحايا في السودان.
ولهذا لا تكفي المحاكمات الجنائية، على ضرورتها، ولا لجان الحقيقة إذا حصرت في فترة زمنية قصيرة. فالعدالة التاريخية تتطلب الجمع بين المحاسبة وجبر الضرر، ومعالجة قضايا الأرض والثروة، وإصلاح مؤسسات الدولة والتعليم، واستعادة ذاكرة الضحايا، وتصحيح السردية الوطنية، ومعالجة الاختلالات التاريخية في السلطة والفرص، وبناء مؤسسة عسكرية وطنية جديدة.
فالعدالة الانتقالية تسأل: كيف نحاسب على انتهاكات الماضي وننتقل إلى نظام أكثر عدلاً؟ أما العدالة التاريخية فتضيف سؤالاً أعمق: لماذا ظل النظام نفسه قادراً على إنتاج الضحايا جيلاً بعد جيل، وما الذي يجب تغييره حتى لا يصبح كل انتقال مجرد هدنة تسبق حرباً جديدة؟
تاسعاً: أين كانت النخب المدنية عندما كانت الحرب بعيدة عن الخرطوم؟
هذا سؤال لا يجوز تجاوزه في أي مراجعة جادة لتاريخ الحرب في السودان.
وليس المقصود تحميل جميع القوى المدنية مسؤولية واحدة؛ فقد قاوم كثير من الديمقراطيين السودانيين الأنظمة الاستبدادية ودفعوا أثماناً حقيقية. لكن قطاعات واسعة من النخب المدنية المركزية لم تتعامل، لعقود، مع حروب الأطراف باعتبارها دليلاً على خلل تأسيسي في بنية الدولة يستوجب إعادة بنائها.
فعندما دمرت القرى وقتل وهجر المدنيون في الجنوب، وعندما اندلعت الحرب في جبال النوبة والنيل الأزرق، وعندما ارتكبت الفظائع في دارفور، لم يصبح تفكيك الدولة المنتجة لهذه الحروب وإعادة تأسيسها على المواطنة المتساوية والعدالة التاريخية مشروعاً جامعاً للنخب المدنية في المركز. وكثيراً ما عوملت تلك الحروب باعتبارها أزمات أمنية أو إقليمية يمكن تسويتها، لا تعبيراً عن أزمة الدولة السودانية نفسها.
ولذلك لا يكفي اليوم إعلان “رفض الحرب”. فالسؤال التاريخي الأعمق هو: أي حرب رُفضت؟ ومتى أصبحت الحرب قضية وطنية تستوجب إعادة تأسيس الدولة؟
فإذا لم تصبح الحرب أزمة وطنية كبرى إلا عندما وصلت إلى الخرطوم وهددت المركز الاجتماعي والسياسي، فإن المشكلة لا تتعلق بتعريف الحرب وحدها، بل بتعريف الوطن نفسه، ومن تُحسب معاناته جزءاً من تاريخه الوطني.
عاشراً: المجتمع الدولي لن يسلّم السودان لأحد
ثمة وهم يتكرر في بعض دوائر السياسة المدنية السودانية: أن امتلاك اللغة المقبولة دولياً، والعلاقات الدبلوماسية، وشبكات المنظمات والمانحين، والقدرة على عقد المؤتمرات في العواصم، يمكن في النهاية أن يعوض غياب القاعدة الاجتماعية والتنظيمية داخل السودان.
لكن المجتمع الدولي ليس سلطة تأسيسية للشعب السوداني!
يمكنه الوساطة، والضغط، ودعم الإغاثة، وفرض العقوبات في الأطر القانونية المناسبة، والمساهمة في بناء المؤسسات. لكنه لا يستطيع بصورة مشروعة أن يمنح مجموعة من النخب حق حكم السودان لأنها الأكثر قدرة على مخاطبة السفارات والمؤسسات الدولية.
والوثيقة نفسها تقول ب “الملكية السودانية للقرار”، وهذه نقطة صحيحة. لكن الملكية السودانية لا تعني استبدال الوصاية الدولية بوصاية نخبة مدنية مركزية.
فالسلطة السياسية المستدامة تحتاج إلى شرعية اجتماعية، ومن دفعوا ثمن الحروب والتهميش والنزوح والمقاومة عبر عقود ليسوا جمهوراً صامتاً ينتظر أن يأتي آخرون إلى طاولة التفاوض ليتحدثوا باسمه.
حادي عشر: سلام السودان الجديد أم إعادة إنتاج السودان القديم؟
هنا تبرز مسؤولية القوى المدنية التي اجتمعت في أديس أبابا وأصدرت الوثيقة المشتركة. فالمشكلة في الوثيقة ليست فيما قالته فقط، بل في ما تجنبت قوله مع سيق الاصرار. فقد ضيّقت تعريف الأزمة السودانية إلى حرب ينبغي وقفها وكارثة إنسانية ينبغي احتواؤها وانتقال مدني ينبغي استعادته، بينما أبقت السؤال الأهم في الهامش: ما الذي أنتج هذه الحرب أصلاً، ولماذا ظلت الدولة السودانية تعيد إنتاج الحروب منذ الاستقلال؟
بهذا المعنى، لا تبدو الوثيقة قاصرة فحسب، بل متواطئة، موضوعياً، مع بنية السودان القديم؛ لأنها تتعامل مع نتائج الأزمة من دون مساءلة الأسس التي صنعتها. فحين يجري الحديث عن السلام من دون حسم طبيعة الدولة، وعن الديمقراطية من دون المواطنة المتساوية، وعن العدالة من دون العدالة التاريخية، وعن الجيش من دون مشروع واضح لبناء جيش قومي جديد، وعن وحدة السودان من دون معالجة الاستعمار الداخلي والإكراه الذي حكم علاقة المركز بالأقاليم، فإن النتيجة ليست مشروعاً لتجاوز السودان القديم، بل محاولة لإعادة تشغيله بواجهة مدنية جديدة.
الأخطر أن هذا التضييق لطبيعة الصراع يعيد إنتاج خطأ تاريخي لازم كثيراً من مبادرات النخب السودانية: اختزال أزمة الدولة في أزمة الحكم. فالمشكلة لم تكن يوماً فيمن يجلس في القصر فقط، بل في طبيعة الدولة نفسها: من عرّفتهم مواطنين كاملين، ومن همشتهم؛ كيف وزعت وادارت الأرض والثروة والسلطة؛ أي ثقافة جعلتها معياراً للهوية الوطنية؛ وكيف بُني الجيش وأجهزة الأمن، ولمن كانت تدين بالولاء، وضد من استُخدمت عبر تاريخها.
ولهذا فإن وقف حرب 15 أبريل، على ضرورته المطلقة، لا يمثل في ذاته مشروع سلام للسودان. فهذه الحرب ليست بداية الأزمة السودانية، ولا يجوز أن تصبح تجربتها الإطار الذي يُعاد من خلاله تعريف تاريخ الحرب والضحايا والعدالة كما أسلفنا. السودان عرف الحروب والنزوح والتهميش والعنف المنظم قبل 15 أبريل بعقود، وأي وثيقة مدنية تتجاهل هذا الامتداد التاريخي تخاطر بتحويل تجربة المركز الأخيرة إلى نقطة البداية، وتهميش تجارب المجتمعات التي عاشت الحرب طويلاً قبل أن تصل إلى الخرطوم كما ذكرنا في سياقات متعددة.
البديل هو سلام السودان الجديد: سلام يربط وقف الحرب بإعادة تأسيس الدولة على مبادئ واضحة لا تخضع للمساومة السياسية: العلمانية، والديمقراطية، والمواطنة المتساوية، واللامركزية، والعدالة التاريخية التي تشمل العدالة الانتقالية وتتجاوزها، والمعالجة العادلة لقضايا الأرض والثروة والموارد، وبناء جيش قومي مهني جديد بعقيدة دستورية، وإعادة تأسيس الأجهزة الأمنية، وقيام الوحدة على الإرادة الحرة، وضمان حق تقرير المصير إذا أعيد فرض الدولة الدينية أو نُقضت المبادئ التأسيسية.
وهنا يصبح السؤال المباشر أمام القوى المدنية التي اجتمعت في أديس أبابا: هل تريد إنهاء الحرب أم إنهاء الدولة التي ظلت تنتج الحروب؟ فالفرق بين الأمرين هو الفرق بين تسوية سياسية تعيد توزيع المواقع داخل السودان القديم، ومشروع تاريخي يعيد تأسيس السودان نفسه.
إن المدنية وحدها ليست ضمانة للتغيير؛ فقد تكون السلطة مدنية وتظل بنية الدولة مركزية وإقصائية وغير عادلة. ولذلك لا تكمن قيمة أي مشروع مدني في هوية من يحكم، بل في طبيعة الدولة التي يقترح بناءها. وإذا لم تمتلك هذه القوى الشجاعة لمواجهة الأسئلة التأسيسية، فإنها لن تكون قد قدمت بديلاً للحرب، وإنما صيغة أكثر قبولاً سياسياً لإعادة إنتاج شروطها.
فالسودان لا يحتاج إلى وثيقة تُطمئن الدولة القديمة، بل إلى مشروع يواجه أسباب فشلها. ولا يحتاج إلى سلام يعيد الجميع إلى المواقع التي كانوا فيها قبل الحرب، بل إلى سلام يجعل العودة إلى تلك الدولة نفسها غير ممكنة. وهذا هو الفارق بين إيقاف الحرب وصناعة السلام، وبين ترميم السودان القديم وتأسيس السودان الجديد.
اخيرا: السلام ليس إعادة السودان القديم إلى الحياة
تحمل وثيقة (الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب غير المصطفة مع أطرافها) مطالب إنسانية وسياسية مشروعة، كما تتضمن مواقف مهمة في رفض إعادة تأهيل النظام السابق. غير أن قصورها الجوهري يكمن في أنها تتعامل مع الحرب بوصفها أزمة ينبغي إنهاؤها أكثر من تعاملها مع بنية الدولة التي ظلت تنتج الحروب بوصفها أصل الأزمة وموضوع التغيير
فالسودان لا يحتاج إلى استنساخ نموذج سلام “متعارف عليه دولياً” بقدر ما يحتاج إلى عملية سياسية تنطلق من تاريخه الخاص: من الرق وتداعياته، والاستعمار، والمركزية، والحروب، والتهميش، واختلال توزيع السلطة والثروة، وصولاً إلى كارثة 15 أبريل. كما أن وصف القوى بأنها “مدنية” لا يمنحها، بذاته، شرعية أخلاقية أو حقاً في تمثيل المجتمع؛ فالمعيار هو موقفها من بنية الدولة ومن الحقوق المتساوية لجميع المواطنين.
والصراع حول طبيعة الدولة ليس تفصيلاً يمكن تأجيله إلى ما بعد وقف الحرب، بل يقع في صميم قضية السلام نفسها. فهناك مشروع يسعى، بدرجات مختلفة، إلى الحفاظ على مؤسسات السودان القديم ومركزيته، وفي المقابل طُرح مشروع لدولة علمانية ديمقراطية لا مركزية، تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة التاريخية وبناء مؤسسة عسكرية جديدة. وبينهما قوى ومجتمعات ورؤى أخرى يجب أن تكون جزءاً أصيلاً من أي عملية تأسيسية.
لذلك فإن المطلوب ليس تسوية جديدة تعيد ترتيب القوى داخل الدولة القائمة، بل عقد تأسيسي جديد تشارك في صياغته المجتمعات السودانية كافة، وفي مقدمتها المجتمعات التي تحملت تاريخياً الكلفة الأكبر للحرب والتهميش والتهجير. عقدٌ تصبح فيه المواطنة المتساوية، والعلمانية، والديمقراطية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، والمحاسبة، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية مبادئ تأسيسية وضمانات دستورية، لا ملفات مؤجلة إلى ما بعد اقتسام السلطة.
فالعدالة التي يبدأ تاريخها في 15 أبريل 2023 ناقصة، لأنها تستبعد من الذاكرة السياسية ضحايا الحروب السابقة. والمدنية التي تكتفي بتغيير الحكام من دون تغيير بنية الدولة لا تكفي. كما أن إعادة إنتاج الجيش والمركز ومفهوم الهوية القديم تحت حكومة مدنية لن تصنع دولة جديدة.
السلام المستدام يبدأ عندما نبني دولة لا تضطر فيها أي جماعة إلى حمل السلاح لكي يُعترف بوجودها، وحقوقها ومواطنتها وكرامتها. وهذا هو الفارق بين تسوية توقف حرباً، وعقد تاريخي يمنع الحرب التالية؛ وبين إعادة تشغيل السودان القديم والشروع فعلاً في تأسيس السودان الجديد.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)



