تحليل سياسي

ماضي وحاضر ومستقبل غرف الطواري الإنسانية في مناطق سيطرة تأسيس (2)

الكاتب- العاقب الصافي

 

كما أسلفنا أنه لم تولد غرف الطوارئ الإنسانية في السودان من رحم مؤسسات مستقرة أو خطط معدة سلفًا، وإنما خرجت من قلب الأزمة. ومع اندلاع الحرب وانهيار قطاعات واسعة من مؤسسات الدولة، وجد السودانيون أنفسهم أمام واقع جديد لا ينتظر اللوائح ولا الإجراءات؛ فكان لا بد من أن يتحرك المجتمع بنفسه.

من هنا برزت غرف الطوارئ كواحدة من أهم صور التنظيم الأهلي خلال الحرب. شباب ومتطوعون تولوا مهام الإغاثة، وإجلاء المصابين، وتوفير الطعام والدواء، ومساندة الأسر التي فقدت مصادر دخلها ومنازلها.

لكن نجاح التجربة يفتح اليوم أسئلة جديدة. فغرف الطوارئ التي نشأت في ظروف الفوضى والحاجة المباشرة، تجد نفسها أمام حرب طويلة، وسلطات أمر واقع، واستقطاب سياسي وأمني متزايد. وهذا يفرض عليها أن تنتقل من منطق «النجدة العاجلة» إلى منطق المؤسسة التي تعرف حدودها وتحمي نفسها و المجتمع الذي تعمل من أجله.

فالعمل الإنساني لا يعيش بعيدًا عن السياسة في بلد يعيش حربًا بهذا التعقيد. والمتطوعون أنفسهم مواطنون لهم مواقفهم وقناعاتهم، لكن الغرف الإنسانية ينبغي ألا تتحول إلى واجهة لأي طرف سياسي يلبث ثوب الحياد.

وهنا يصبح الإطار القانوني جزءًا من حماية التجربة، لا مجرد إجراء إداري. كما انه يجب أن يكون التمويل واضحًا، وأوجه الصرف معروفة، وآليات اتخاذ القرار أكثر وضوحًا .

والقضية الاهم هنا هي المعلومات، غرف الطوارئ تعرف الكثير بحكم عملها ، أعداد النازحين، أماكن التجمعات، الاحتياجات الغذائية والصحية، الطرق، المراكز الطبية، والأوضاع الأمنية والاقتصادية ..الخ . هذه معلومات تجمع لأغراض إنسانية، لكنها في زمن الحرب قد تصبح حساسة، وقد تكون لها قيمة تتجاوز العمل الإغاثي.

لذلك فإن حماية بيانات المواطنين يجب أن تصبح جزءًا من ثقافة غرف الطوارئ ، أي أن تعرف ما الذي تجمعه، ولماذا تجمعه، ومن يملك حق الوصول إليه.

كما أن العلاقة مع سلطات الأمر الواقع تحتاج إلى قدر كبير من التنسيق ، لا يمكن لغرف الطوارئ أن تعمل بمعزل كامل عن السلطات الموجودة على الأرض، خصوصًا في ما يتعلق بفتح الطرق وتأمين وصول المساعدات وحماية العاملين.

وهنا نفتكر أن المعادلة الأفضل هي التنسيق وفق إطار قانوني دون مصادرة استقلال العمل الانساني .

لذلك تحتاج غرف الطوارئ، تدريجيًا، إلى لوائح واضحة، ومراجعة مالية، وآليات للشكاوى، وتداول للمسؤوليا.

وقد يبدو هذا الكلام ثقيلًا على تجربة بدأت أساسًا بروح المبادرة، لكن المؤسسة لا تقتل روح التطوع ، بل تحميها من الفوضى والاستغلال.

فالبلد بعد الحرب سيحتاج إلى سنوات لإعادة بناء الخدمات والدولة، وستظل الحاجة إلى العمل المجتمعي قائمة. وقد تتحول غرف الطوارئ إلى منظمات مجتمع مدني أكثر تخصصًا، أو شبكات استجابة للكوارث، أو مؤسسات تعمل في التنمية المحلية.

وهنا تكمن قيمة التجربة الحقيقية ، فالحرب أثبتت أن المجتمع السوداني يستطيع أن ينظم نفسه عندما تغيب الدولة ، والتحدي هو إمكانية تحويل هذا التنظيم من استجابة مؤقتة إلى مؤسسات إنسانية راسخة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى