
3/8/2026 خالد كودي،
لماذا لا يجوز لمفاوضي “تأسيس” التنازل عن المبادئ التأسيسية؟
تواجه تحالفات التغيير الكبرى، في اللحظات التأسيسية من تاريخ الأمم والشعوب، ضغوطاً هائلة تدفعها إلى التخلي عن المبادئ التي قامت من أجلها. وتأتي هذه الضغوط الخارجية والداخلية بأسماء مختلفة: السلام، والكوارث الإنسانية، الواقعية السياسية، والمرونة، والتوافق، وعدم إقصاء أحد، وإنجاح العملية السياسية، وطمأنة المجتمع الدولي، وضرورة الوصول إلى تسوية عاجلة. غير أن التاريخ يعلمنا أن أخطر ما يمكن أن يحدث لحركة تحمل مشروعاً تأسيسياً ليس الهزيمة العسكرية أو العزلة السياسية، وإنما أن تنجح الضغوط في إقناعها بأن تتخلى، طوعاً، عن الفكرة التي منحتها وجودها وشرعيتها.
ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه تحالف تأسيس اليوم ليس: كيف يوسع دائرة القبول السياسي وحسب؟ بل: ما الذي إذا تنازل عنه، لم يعد يمثل مشروعاً مختلفاً عن بقية المشروعات السياسية المطروحة في السودان؟
إن الجواب واضح: المبادئ التأسيسية التي نص عليها الميثاق.
فهذه المبادئ ليست بنوداً تفاوضية، ولا برامج حكومية، ولا مطالب حزبية قابلة للتعديل وفق موازين القوة، وإنما هي تعريف جديد للدولة السودانية. وإذا أصبحت هذه المبادئ موضوعاً للمساومة، فإن التحالف لن يكون قد قدم تنازلاً تكتيكياً، بل يكون قد تخلى عن سبب وجوده التاريخي.
الخطأ الذي يتكرر في كل مراحل التاريخ
يُظهر تاريخ التحولات الكبرى أن القوى المحافظة نادراً ما تبدأ بمهاجمة المبادئ مباشرة، بل تعمل على إعادة تعريفها باعتبارها “مطالب قصوى” ينبغي تأجيلها إلى مرحلة لاحقة. وهكذا يتحول ما كان يمثل أساس المشروع إلى بند مؤجل باسم الواقعية، التوافق العريض
وقد وصف أنطونيو غرامشي هذه الآلية بأنها إحدى صور الهيمنة، حيث تنجح القوى المسيطرة في جعل سقف الممكن السياسي هو السقف الذي يحافظ على سقف خيالها ومصالحها. ولا يعود الصراع حول صحة المبادئ، بل حول “توقيت” تطبيقها، حتى يصبح التأجيل شكلاً دائماً من أشكال الرفض- وهذا محض احتيال عبر اليات المماطلة.
وفي السودان، تتكرر هذه الظاهرة بصورة لافتة. فما إن تُطرح قضايا مثل المواطنة المتساوية، أو علمانية الدولة، أو العدالة التاريخية، أو إعادة بناء مؤسسة عسكرية وامنية جديدة، حتى يبدأ خطاب يدعو إلى عدم “التشدد”، وإلى تأجيل هذه القضايا حفاظاً على التوافق الوطني.
غير أن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: من المستفيد من هذا التأجيل؟
إنه، في الأغلب، الطرف الذي استفاد تاريخياً من غياب هذه المبادئ.
لماذا لا يجوز التفاوض على الحقوق الأساسية؟
على السياسيين السودانيين أن يستوعبوا أنه منذ جون لوك (1632–1704)، لم تعد الحقوق الأساسية تُفهم بوصفها منحة تمنحها الدولة لمواطنيها متى شاءت، وإنما بوصفها حقوقاً سابقة على الدولة نفسها، تستمد منها السلطة مشروعيتها وتُقاس بمدى قدرتها على حمايتها. ثم جاءت الإعلانات والمواثيق والدساتير الحديثة، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، لتكرّس هذا التحول الحاسم: فالدولة لا تخلق الحق، وإنما تُنشأ أصلاً لكي تصونه؛ وإذا انتهكته، فإنها لا تسحب امتيازاً منحته، بل تعتدي على الأساس الأخلاقي والقانوني لوجودها.
وطوّر جون رولز (1921–2002) هذا الفهم حين بيّن أن المجتمع العادل لا يُبنى على ما تريده الأغلبية في لحظة تاريخية معينة، وإنما على مبادئ كان سيقبل بها الجميع لو جهل كل واحد منهم موقعه الطبقي أو الديني أو الإثني أو الجغرافي. أما رونالد دوركين (1931–2013)، الذي أشرنا إليه في عدد من المقالات السابقة، فقد وصف الحقوق الأساسية بأنها “أوراق رابحة” في مواجهة الأغلبية، أي أنها لا تسقط لمجرد أن انتهاكها يحظى بتأييد سياسي أو عددي. وأوضح يورغن هابرماس (1929– ) أن الحوار الديمقراطي لا يُنتج المساواة من العدم، بل يفترضها منذ البداية؛ إذ لا يكون الحوار مشروعاً إذا دخل بعض أطرافه بوصفهم مواطنين كاملي الحقوق، بينما دخل آخرون ليفاوضوا على الاعتراف بإنسانيتهم ومواطنتهم.
وتزداد خطورة هذا الأمر في السياق السوداني، حيث تسعى أحزاب النخب إلى تسويق مواقفها باعتبارها تعبيراً عن “رأي الأغلبية ويجب ان يتم القبول به”، متجاهلة أن هذه الأغلبية المزعومة لم تتكوّن في فضاء حر ومحايد، بل صيغ وعيها منذ الاستقلال ليتجلي خلال ثلاثة عقود من الحكم الإسلامي الفاشي، عبر التعليم والإعلام والمساجد والقوانين والأجهزة الأمنية والرقابة والقمع، في عملية طويلة لإعادة تشكيل المجال العام وترويض المجتمع وإقصاء الأصوات المخالفة.
وهنا تكتسب أفكار نعوم تشومسكي حول صناعة القبول أهميتها. فالأغلبية لا تعبّر دائماً عن إرادة حرة ومستقلة؛ فقد تكون ثمرة منظومة إعلامية وتعليمية وسياسية نجحت في تحديد ما يجوز التفكير فيه، وما يُقدَّم باعتباره طبيعياً أو وطنياً أو دينياً. وعندما تُصنع القناعات داخل بنية غير متكافئة، لا يجوز تحويل نتائج هذا التصنيع إلى حجة دستورية ضد حقوق من جرى إسكاتهم أو تهميشهم.
ولهذا فإن الاستناد إلى “رأي الأغلبية” في مسائل المواطنة والمساواة والعلمانية لا يكشف بالضرورة عن إرادة شعبية حرة، بل يكشف عن نجاح طويل للسلطة في تحويل امتيازاتها إلى وعي عام. ولا تصبح الفكرة عادلة لمجرد أنها شائعة، كما لا يصبح التمييز مشروعاً لمجرد أن ضحاياه أقل عدداً.
وتقود هذه المساهمات الفلسفية والتاريخية جميعها إلى نتيجة واحدة: الحقوق الأساسية ليست موضوعاً للتفاوض، لأنها هي التي تمنح التفاوض نفسه شرعيته. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: هل توافق القوى السياسية أو الأغلبية على هذه الحقوق؟ بل: بأي حق تجعل أي قوة سياسية أيا كانت كرامة الإنسان ومواطنته رهينة لموافقتها؟
وهذا الفهم ليس اجتهاداً خاصاً بمدرسة فكرية بعينها، بل هو ثمرة تطور طويل مرت به المجتمعات التي نجحت في بناء دولها الدستورية الحديثة. فقد اكتشفت، بعد حروب أهلية وثورات دموية وتجارب مريرة مع الاستبداد والعنصرية والفاشية، أن هناك لحظة تاريخية يصبح فيها من الضروري إخراج بعض المبادئ من سوق المساومات السياسية، وجعلها أساساً ثابتاً يقوم عليه النظام الدستوري كله. ومنذ تلك اللحظة لم يعد السؤال: ماذا تريد الأغلبية؟ وإنما: ما الذي لا يجوز حتى للأغلبية أن تفعله؟
لم تبلغ ألمانيا هذه المرحلة إلا بعد كارثة النازية، ولا جنوب أفريقيا إلا بعد إسقاط الأبارتهايد، ولا الهند إلا بعد صراع دستوري طويل انتهى إلى تقييد سلطة الأغلبية نفسها. وقد أدركت هذه المجتمعات، بعد أثمان باهظة، أن الانتخابات وحدها لا تحمي الحرية، وأن البرلمان قد يتحول إلى أداة لهدم الدستور إذا لم تُقيّده مبادئ دستورية تعلو على إرادته.
أما المأساة السودانية، فتتمثل في أن قطاعات واسعة من النخبة السياسية والثقافية ما تزال عاجزة عن استيعاب هذا التحول التاريخي. فعلى الرغم من أن السودان خاض منذ الاستقلال حروباً أهلية طويلة، وانهيارات دستورية متكررة، وتجارب مريرة مع الاستبداد والانقلابات والإقصاء، وهي ظروف كان ينبغي أن تدفع إلى مراجعة جذرية لفلسفة الدولة، فإن كثيراً من النخب ما يزال يفكر بمنطق ما قبل الدولة الدستورية. فهي تتعامل مع الحقوق الأساسية بوصفها موضوعاً للتفاوض، وتؤجل المساواة باسم التوافق، وتخضع المواطنة لموازين القوة والأغلبية، وكأن عقود الفشل لم تقدم أي درس.
ولا يعود هذا العجز إلى الجهل ونقص المعرفة وحده، بل إلى التمسك ببنية الامتيازات التي أنتجها السودان القديم، وإلى غياب الشجاعة الأخلاقية اللازمة للقطيعة معها. فكل لحظة تأسيس حقيقية في التاريخ تطلبت من النخب أن تتجاوز مصالحها المباشرة وامتيازاتها الموروثة، وأن تعيد تعريف الدولة من منظور الحقوق لا من منظور موازين القوة. أما حين تتداخل الامتيازات التاريخية مع التصورات العنصرية أو الإقصائية، يصبح الدفاع عن النظام القديم دفاعاً عن مصالح خاصة تُقدَّم في ثوب المصلحة الوطنية.
ولهذا فإن ما يواجهه السودان اليوم ليس خلافاً حول نصوص دستورية، بل امتحاناً أخلاقياً، تاريخيا وحضارياً: هل تمتلك النخب الشجاعة للانتقال من ثقافة الامتياز إلى ثقافة الحق، ومن دولة التسويات بين النخب إلى دولة المبادئ الدستورية؟ فهذا هو التحول الذي صنعت به الأمم الحديثة دولها، وهو التحول الذي ظل السودان يتهرب منه، ويؤجله منذ الاستقلال، فكانت النتيجة أن تتجدد الحروب، بينما تبقى الفلسفة التي أنتجتها على حالها.
المجتمع الدولي ليس سلطة تأسيسية
من المشروع أن يسعى المجتمع الدولي إلى وقف الحرب، واحتواء الكارثة الإنسانية، وتسهيل الحوار، وتشجيع التسويات السياسية. فهذه هي الوظيفة الطبيعية للوساطة الدولية، التي يُقاس نجاحها عادة بقدرتها على خفض العنف، والتوصل إلى اتفاق، وإطلاق عملية انتقالية تقوم على “توافق ما”.
غير أن الوساطة الدولية ليست سلطة تأسيسية. فالمجتمع الدولي لا يملك حق تعريف العقد الدستوري الذي ينبغي أن تقوم عليه الدولة السودانية، ولا يملك تقرير الحقوق الأساسية التي يجب أن يتمتع بها المواطنون، لأن هذه المسائل تتعلق بمصدر الشرعية الدستورية للدولة، لا بإدارة الأزمة السياسية.
وتبين تجارب الانتقال في دول عديدة أن الوسطاء الدوليين يميلون، بحكم طبيعة أدوارهم، إلى البحث عن أكثر الحلول قابلية للتنفيذ في أسرع وقت، لا بالضرورة أكثرها قدرة على معالجة جذور الأزمة. ويزداد هذا الميل عندما تجد الوساطة شركاء محليين يفضلون إعادة بناء التوافق حول البنية القائمة مع بعض الاصلاحات، بدلاً من إعادة النظر في الأسس التي قامت عليها الدولة. وفي هذه الحالة تتلاقى مصلحة الوسيط في الوصول إلى اتفاق سريع مع مصلحة بعض النخب في تجنب القضايا التأسيسية التي قد تهدد امتيازاتها أو تعيد توزيع السلطة والثروة بصورة أكثر عدالة.
ولذلك يصبح معيار النجاح، في كثير من الأحيان، هو وقف إطلاق النار، أو توقيع اتفاق، أو تشكيل حكومة انتقالية، بينما تُرحَّل الأسئلة التي صنعت الحرب أصلاً: طبيعة الدولة، والمواطنة المتساوية، والعلاقة بين الدين والدولة، وإعادة بناء مؤسسات القوة، والعدالة التاريخية.
لكن ما ينجح بوصفه تسوية دبلوماسية لا ينجح بالضرورة بوصفه مشروعاً لإعادة تأسيس الدولة. فقد يوقف الاتفاق القتال مؤقتاً، لكنه لن يصنع سلاماً دائماً إذا أعاد إنتاج البنية السياسية والدستورية التي قادت إلى الصراع.
ولهذا ينبغي التمييز بوضوح بين احترام الدور المهم الذي يقوم به المجتمع الدولي في وقف الحرب وتخفيف المعاناة الإنسانية، وبين منحه سلطة إعادة تعريف المبادئ التأسيسية للدولة السودانية. فهذه المبادئ لا يصوغها الوسطاء، ولا يقررها المانحون، ولا تحددها العواصم الإقليمية، وإنما يقررها الشعب السوداني في لحظته التأسيسية، لأنها تتعلق بطبيعة الدولة وشرعية نظامها الدستوري، لا بترتيبات التسوية السياسية أو تقاسم السلطة.
أزمة النخب السودانية: عجز عن إدراك لحظة التأسيس
تكشف مواقف قطاعات واسعة من الأحزاب التقليدية، وكثير من المنظمات التي تتحدث باسم المجتمع المدني، عن أزمة أعمق من مجرد اختلاف سياسي؛ إنها أزمة في فهم طبيعة اللحظة التاريخية التي يمر بها السودان. فما تزال هذه النخب أسيرة تصور قديم يرى أن السياسة لا تتجاوز كونها إدارة للتوازنات بين مراكز القوة، وتوزيعاً للمناصب، وإنتاجاً لتسويات مؤقتة بين النخب، بينما تتعامل مع إعادة تأسيس الدولة بوصفها قضية مؤجلة أو ترفاً فكرياً يمكن تأخيره إلى ما بعد الاتفاق على السلطة.
ولهذا تصر هذه النخب على أن القضايا التأسيسية، مثل المواطنة المتساوية، وعلمانية الدولة، والعدالة التاريخية، وإعادة هيكلة مؤسسات القوة، ينبغي أن تُؤجل لأنها “خلافية”، وأن تُحسم لاحقاً عبر أغلبية انتخابية ميكانيكية، وكأن مجتمعاً خرج لتوه من حرب مدمرة، وبعد عقود من الاستبداد والتعبئة الأيديولوجية واحتكار الدولة والإعلام والتعليم، يملك فضاءً سياسياً محايداً يسمح بإنتاج إرادة شعبية حرة. إنه منطق يكشف جهلاً عميقاً بتطور الفكر الدستوري الحديث، ويعيد إنتاج التصورات المحافظة التي تجاوزتها الأمم منذ زمن بعيد.
والأخطر من ذلك أن هذا المنهج ليس جديداً، بل هو المنهج نفسه الذي حكم كل مراحل الانتقال السابقة. ففي كل مرة كانت تُؤجل الأسئلة التأسيسية بحجة الواقعية السياسية، ويُعاد توزيع السلطة بين النخب، بينما تبقى بنية السودان القديم على حالها. ولهذا لم تكن النتيجة سوى دورة جديدة من الأزمات والانقلابات والحروب. وما يُقدَّم اليوم باعتباره حكمة سياسية ليس سوى إعادة إنتاج للفشل التاريخي نفسه بأسماء وشعارات جديدة.
المثقف السوداني وأزمة الشجاعة الأخلاقية
ولعل أكثر ما يبعث على الأسى أن قسماً غير قليل من النخبة الثقافية والسياسية السودانية لم يرتقِ، حتى الآن، إلى مستوى اللحظة التاريخية التي يمر بها الوطن. فبدلاً من أن ينشغل بإنتاج رؤية جديدة للدولة، ظل أسير معارك النخب القديمة، يدافع عن التسويات أكثر مما يدافع عن المبادئ، ويبحث عن مبررات لتأجيل الحقوق أكثر مما يبحث عن أسس دستورية لحمايتها
لقد علّمنا إدوارد سعيد أن وظيفة المثقف ليست أن يمنح الشرعية للواقع القائم، وإنما أن يكشف تناقضاته، وأن يقول ما لا ترغب السلطة أو النخب المهيمنة في سماعه. وأكد باولو فريري أن التفكير النقدي لا تكون مهمته تكييف الناس مع البنى الظالمة، بل تحرير وعيهم منها. أما أنطونيو غرامشي فقد ميّز بين المثقف الذي يبرر الهيمنة والمثقف الذي يشارك في بناء وعي تاريخي جديد.
لكن قطاعاً واسعاً من المثقفين السودانيين ما يزال يتعامل مع المبادئ التأسيسية بوصفها عبئاً على السياسة، لا شرطاً لقيامها. ويبدو أن كثيرين منهم لم يستطيعوا تجاوز حساباتهم الحزبية، وخصوماتهم الشخصية، وشبكات مصالحهم، والانتماءات الاولية التي تشكل وعيهم، لينظروا إلى السودان بوصفه مشروعاً تاريخياً يتجاوز ذواتهم. ولذلك أصبح بعضهم أكثر استعداداً للدفاع عن تسوية بين النخب من الدفاع عن حق المواطن في المساواة، وأكثر اهتماماً بإرضاء الوسطاء الدوليين من إرساء المبادئ التي تمنع تكرار المأساة.
إن الأزمة الحقيقية ليست في ندرة المعلومات أو ضعف الخبرة وحسب، وإنما في غياب الشجاعة الأخلاقية. فكل لحظة تأسيس في التاريخ احتاجت إلى نخب امتلكت الجرأة على تجاوز مصالحها الآنية لصالح مستقبل الدولة. أما النخبة التي تعجز عن تجاوز امتيازاتها ومخاوفها، فإنها تتحول، من حيث تشعر أو لا تشعر، إلى آخر خطوط الدفاع عن النظام القديم للأسف!
الدرس الذي يقدمه التاريخ
إن جميع التجارب الدستورية الكبرى، ولا سيما تلك التي أعقبت الثورات أو الحروب أو انهيار الأنظمة التمييزية، كما أثبتنا في كثير من المقالات لم تنجح لأنها قدمت تنازلات في مبادئها التأسيسية، وإنما لأنها امتلكت الشجاعة والوضوح الأخلاقي والسياسي للتمييز بين ما يجوز التفاوض حوله وما لا يجوز التفاوض عليه.
ففي ألمانيا، بعد سقوط النازية، لم تُترك كرامة الإنسان لإرادة البرلمان، بل أصبحت مبدأً دستورياً لا يجوز المساس به. وفي جنوب أفريقيا، لم يُطلب من الأغلبية السوداء أن تفاوض الأقلية البيضاء على حقها في المساواة، بل أصبحت المساواة حجر الأساس الذي قام عليه النظام الدستوري الجديد. وفي الولايات المتحدة، لم يُنهَ الفصل العنصري لأن الولايات التي استفادت منه اقتنعت طوعاً بعدم عدالته، بل لأن الحقوق الدستورية اعتُبرت أسمى من الإرادة السياسية المحلية، وأعلى من مصالح الأغلبية في تلك الولايات ففرضت فرضا!
ولم تكن هذه الخيارات تعبيراً عن تصلب أيديولوجي أو رفض للتوافق، وإنما كانت تعبيراً عن نضج دستوري أدرك أن الدولة الحديثة لا يمكن أن تُبنى بالأفكار التي أنتجت النظام القديم، ولا يمكن أن تحمي الحرية بالقواعد التي صنعت الاستبداد، ولا يمكن أن تؤسس المساواة إذا ظلت المساواة نفسها رهينة لموافقة القوى التي استفادت تاريخياً من غيابها.
تحالف “تأسيس” أمام مسؤوليته التاريخية
لا تستمد “تأسيس” أهميتها من كونها تحالفاً سياسياً جديداً، شمل الكثير من المتناقضات، بل من كونها تحمل مشروع السودان الجديد، المشروع الوحيد الذي يطرح بوضوح مبادئ الدولة الدستورية الحديثة: المواطنة المتساوية، والعلمانية وحياد الدولة، والحقوق الأساسية، والعدالة التاريخية، واللامركزية، والحق في تقرير المصير، والجيش الجديد، وسيادة القانون… وهذه ليست شعارات سياسية، بل تمثل القطيعة الفكرية مع فلسفة السودان القديم التي قامت على الامتياز والهيمنة وإخضاع المواطنة للهوية والدين وموازين القوة.
ولم تولد هذه المبادئ في قاعات التفاوض فقط، بل صاغتها عقود من النضال، وقدمت في سبيلها تضحيات جسام، وآلاف الشهداء والجرحى والنازحين واللاجئين، ومجتمعات كاملة دفعت ثمن تمسكها بفكرة سودان يقوم على المساواة لا على الامتياز. ولذلك فإن أي تراجع عنها لا يعني تعديل صياغة في الميثاق، بل يعني التفريط في الإرث الأخلاقي والسياسي الذي صنعت به تلك التضحيات معناها.
يمكن التفاوض على البرامج الاقتصادية، وشكل النظام الانتخابي، وبنية مؤسسات الحكم، وترتيبات المرحلة الانتقالية وما اليه، لأن هذه جميعاً وسائل قابلة للتطوير. أما المبادئ التي تؤسس للدولة نفسها فلا تخضع للمساومة، لأنها ليست برنامج حكومة، بل العقد الأخلاقي والدستوري الذي يمنح الدولة شرعيتها.
إن مسؤولية “تأسيس” ليست البحث عن موقع داخل السودان القديم، بل حماية المشروع الذي دفع السودانيون أثماناً باهظة من أجله. فالتاريخ لا يتذكر من قدّم أكبر عدد من التنازلات، وإنما يتذكر من امتلك الشجاعة الأخلاقية للحفاظ على المبادئ التي غيّرت مصير الأمم والشعوب. وأي تفريط في هذه المبادئ لن يكون خسارة تفاوضية، بل إهداراً لتضحيات أجيال ناضلت من أجل قيام دولة المواطنة والحقوق، لا دولة الامتيازات والتسويات المؤقتة.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)



