تحليل سياسي

سودان من؟ خطاب الكراهية وثياب العنصرية الملونة:

الاستاذ:عبد الله ديدان

ما فعلته هذه الحرب هو أنها أوصلت حقيقة دولة الفشل التاريخي إلى ذروتها، وكشفت صراحةً عمّا كان صريحًا، ولكنه مغطى بعويش التضليل والأكاذيب، أي خطاب الكراهية المتجذر في الوعي العام، الذي صنعته النخب المركزية وتجنبت تنقية خطابها السياسي والثقافي والاجتماعي منه، لأنها لا ترغب في وطن للجميع بلا تمييز، فعمدت إلى قيادة مجتمعات بعينها إلى منصة التمسك المرتجل بعلو كعبها العرقي والديني والثقافي.

هي النخب صنيعة ووريثة وحليفة المستعمر، لذلك تخلق تنويرًا ولا تغييرًا ولا دولة وطنية تعترف بالتنوع، وتؤسس، بناءً على معطياته وواقعه، مشروعًا وطنيًا خاليًا من شوائب الكراهية والعنصرية المسمومة.

فلم تعد، ولا كانت، كل الحروب في السودان سلسلة حروب أشعلتها الدولة المركزية بإصرارها على تهميش وإقصاء شعوب بأكملها، إنما كانت أخطر جبهاتها التي أشعلتها النخب المركزية بمختلف طبيعة أنشطتها النخبوية هو الخطاب؛ هناك حيث تُصنع صور التنميط الإقصائي، وتُعاد صياغة الهوية، ويتم تقسيم السودانيين إلى جماعات تستحق الحياة والحماية، وجماعات أخرى يتم التعامل معها باعتبارها عدوًا جماعيًا. أي بلد هذا؟

حيث أصبح خطاب الكراهية الممنهج والموروث لا يستهدف جسد الإنسان فقط، وإنما إنسانيته ومواطنته وانتماءه لهذا التراب، حتى بات يُحاكم بقانون الوجوه الغربية بسبب سحنته ولون بشرته ولكنتِه وانتمائه الجغرافي. فهو خطاب وسلوك لا يمكن تسميته بشيء آخر سوى العنصرية في أخطر أشكالها، لأنها ليست تلك العنصرية التي تعلن عن نفسها بوضوح، إنما هي تلك التي تختبئ خلف شعارات مضللة وكذوبة مثل:

الدفاع عن الدولة، ونسأل هنا: دولة من؟

وحماية الهوية، ونسأل هنا أيضًا: هوية من؟

مواجهة المؤامرة، وكذلك نسأل مرة أخرى: مؤامرة من وضد من؟

ثم يقولون: محاربة الخيانة والحفاظ على وحدة البلاد.

أليس هذا هو الكذب بعينه؟

فحين تتحول هذه الشعارات إلى وسيلة لتجريم جماعات كاملة بسبب إثنيتها أو منطقتها أو لونها أو انتمائها السياسي المفترض، فإن خزعبلات الوطنية المدعاة تتحول من قيمة جامعة إلى أداة للإقصاء.

خطاب الكراهية الموروث والتنميط العدائي لشعوب بعينها، والمؤسس له حتى في مناهج التعليم، إنما هو نتاج تواطؤ كبير بين النخب وعوامها، حتى بات بعضهم يحكي بأنه «زول كويس والله، وبياكل مع الناس الكانوا سراري جدهم في صحن واحد».

بالله عليك، انظر إلى مناهج تعليم تُخرج مثل هذا الشخص!

نسأل هنا: من هو السوداني الذي يحق له أن يكون وطنيًا؟ ومن ذا الذي يسمح له بأن يكون وطنيًا؟ أو نتساءل إلى أبعد من ذلك: من ذا الذي يقرر بأن هذا الشخص سوداني، وهذا، لأنه من شعوب بعينها، فهو ليس سودانيًا؟

هذه الأسئلة ليست فلسفية مجردة، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بحق شعوب بعينها في الحياة، وموتهم ونزوحهم، وحقهم في الوطن.

خطاب الكراهية العنصري وصل في الحرب الجارية الآن سقفًا شيطانيًا، وأخرج كل محموله التاريخي. فكلما زاد رفض الشعوب المستهدفة بالكراهية والتقليل من إنسانيتها للدولة الفاشلة الموروثة من المستعمر، كلما استعر خطاب الكراهية العنصري الموروث، وكلما زاد صمت النخب السياسية والثقافية حياله؛ لأنه يعكس ضميرها الخرب ويعبّر عنها، بل تعمل على التبرير له بتضليل مكشوف، من شاكلة:

«ياخي ديل ناس جهلاء ساكت، وهم ذاتهم ما عارفين بقولوا في شنو!»

حسنًا، أيها المثقف الناشط أو السياسي القديم، ما هو موقفك المعادي لذلك؟ وما هو مشروعك التنويري المضاد لهذا الخطاب؟ أين موقفك القوي المعلن ضده؟

الحقيقة هي أنه من الخطأ الاعتقاد بأن الحرب وحدها أنتجت خطاب الكراهية في السودان. الحرب كشفت وعمّقت تناقضات تاريخية كانت موجودة، وخطاب كراهية متجذر في كل المناحي قبل اندلاع هذه الحرب، وهي تناقضات تتمظهر في التمييز، والمركزية، والتهميش، ورفض هويات شعوب سودانية بأكملها، ورفض المواطنة المتساوية، واستعمال الانتماءات الإثنية والجهوية في فرض قيم ثقافية بعينها واعتبارها هي فقط تعريفًا لمن هو السوداني.

لذلك، فإن خطاب الكراهية الحالي يجب ألا يُقرأ باعتباره مجرد انفعال عابر فرضته الحرب، بل باعتباره أحد أسباب الأزمة التاريخية لعدم تأسيس دولة وطنية كاملة الحرية والتحرر من ربقة المستعمر وورثته.

خطاب الكراهية التاريخي طال حتى فنون الغناء كأحد قيم الشعوب وتنوعها، ومن وسائل إشباعها الوجداني، فأخذت النخب الثقافية تصرخ كارهةً في وجه بعض ممارسي الغناء، لأن معظمهم ينحدرون من مجتمعات لا يحق لها أن تنتج فنها، فوصفوا إنتاجهم الفني بأنه غناء هابط، وأوصدوا في وجههم كل منصات الفنون ومسارحها وقنواتها الإذاعية!

وهل هناك فن هابط؟

لكنها الكراهية المدثرة بكهنوت النقاء الثقافي واحتكار الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى