تحليل سياسي

السلام التأسيسي والحالة السودانية: هل هو السلام الإيجابي عند جون غالتونغ؟

الاستاذ عبدالله ديدان

ظل مفهوم السلام في الحالة السودانية، منذ تسوية ما بعد الاستعمار، مرتبطًا في الغالب بإيقاف الحرب وإبرام اتفاقيات بين الأطراف المسلحة والسياسية، غير أن التجربة السودانية أثبتت أن توقف القتال لا يعني بالضرورة انتهاء أسباب الحرب، وأن الاتفاق السياسي الذي يوزع السلطة بين النخب قد ينجح في إنتاج هدنة مؤقتة، لكنه لا يستطيع وحده أن يؤسس لسلام مستدام.

من هنا يبرز مفهوم السلام التأسيسي بوصفه عملية متكاملة للانتقال من مجرد إنهاء الحرب إلى مخاطبة ومعالجة جذورها التاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والاعتراف بالتنوع وحمايته، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وإعادة تأسيس مؤسسات الدولة.

لذلك نتساءل: هل السلام التأسيسي الذي يحتاجه السودان هو نفسه السلام الإيجابي الذي تحدث عنه عالم ومنظر دراسات السلام النرويجي جون غالتونغ؟

في حقيقة الأمر، الإجابة الأقرب هي: نعم من حيث الجوهر، لكن السلام التأسيسي في الحالة السودانية يمكن أن يكون أوسع من مفهوم غالتونغ للسلام الإيجابي، فهو لا يكتفي فقط بإزالة العنف البنيوي، بل يسعى إلى إعادة تأسيس الدولة التي أنتجت هذا العنف واستثمرت فيه وسمحت باستمراره.

السلام الإيجابي عند غالتونغ يعني التمييز بين طبيعة ما تحققه عمليات السلام والغاية منها، فقسم السلام إلى نوعين: السلام السلبي والسلام الإيجابي. وعرّف السلام السلبي بأنه يعني، بصورة أساسية، غياب العنف المباشر والحرب، بينما يتطلب السلام الإيجابي، حسب رؤية غالتونغ، إزالة العنف البنيوي وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية والسياسية.

وقد طوّر غالتونغ هذا التمييز بصورة بارزة في مقاله الشهير Violence, Peace, and Peace Research المنشور عام 1969.

وبحسب هذا التصور، لا يكفي أن تتوقف البنادق حتى نقول إن المجتمع أصبح آمنًا، فإذا ظلت هناك مؤسسات تنتج التمييز، أو توزيع غير عادل للسلطة والموارد، أو حرمان شعوب سودانية من فرص الحياة والتنمية والمشاركة، فإن أسباب العنف تظل قائمة حتى في غياب الحرب المباشرة.

فقد ربط غالتونغ العنف البنيوي تحديدًا بعدم المساواة في توزيع القوة والموارد والفرص، لذلك أصبح السلام الإيجابي، في تطوره النظري، قريبًا من مفهوم العدالة الاجتماعية، وليس مجرد غياب الحرب، وغالتونغ نفسه أوضح في مقاله أن السلام الإيجابي يرتبط أساسًا بالعدالة الاجتماعية.

وتاريخ السودان، منذ تسوية الاستقلال المنقوص، ظل يقدم نموذجًا واضحًا لمحدودية السلام السلبي، فقد شهد السودان عددًا كبيرًا من الحروب والنزاعات المسلحة، توقف بعض هذه الحروب عبر اتفاقيات سياسية، لكن جذور الأزمة ظلت حاضرة، والسبب أن اتفاقيات السلام غالبًا ما تعاملت مع الحرب بوصفها المشكلة، بينما أن الحرب المستمرة في السودان هي في الأصل نتيجة لمشكلة أعمق، تتعلق ببنية الدولة نفسها واختلالها التأسيسي، وطريقة توزيع السلطة والثروة والفرص السياسية والتنموية، والفشل في إدارة تنوع شعوبها بما يحقق دولة المواطنة.

لهذا فإن السلام الذي يقوم فقط على وقف إطلاق النار أو دمج القوات أو تقاسم المناصب أو إجراء انتخابات، يمكن أن يكون سلامًا سلبيًا، لكنه لا يصبح بالضرورة سلامًا إيجابيًا.

فالسلام الحقيقي في السودان يجب أن يجيب عن أسئلة أكثر عمقًا:

لماذا اندلعت الحروب بصورة متكررة؟

لماذا ظلت السلطة والثروة مركزية تاريخيًا في أيدي النخبة وريثة الاستعمار، وتتغاضى عن بعضها لغاية استمرار سيطرتها؟

لماذا شعرت مناطق ومجموعات سودانية بالتهميش؟

لماذا فشلت الدولة في بناء مؤسسات محايدة تجاه المواطنين؟

كيف يمكن معالجة المظالم التاريخية؟

كيف يمكن بناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم مواطنون متساوون؟

هذه الأسئلة تنقل النقاش من السلام السياسي إلى السلام التأسيسي.

السلام التأسيسي، بوصفه سلامًا إيجابيًا سودانيًا، يمكن النظر إليه باعتباره محاولة سودانية لتطبيق جوهر مفهوم السلام الإيجابي على واقع الدولة السودانية.

وذلك لأن السلام التأسيسي لا يعني فقط إنهاء العنف المباشر، وإنما معالجة البنية التي أنتجت العنف أو أعادت إنتاجه، فهو يتعامل مع السلام بوصفه عملية لإعادة بناء الدولة والمجتمع، وليس مجرد اتفاق سياسي بين أطراف الحرب.

هنا يلتقي السلام التأسيسي مع السلام الإيجابي لغالتونغ في نقطة جوهرية، حيث لا يمكن تحقيق السلام المستدام إذا بقيت أسباب العنف البنيوي قائمة.

لكن مفهوم السلام التأسيسي يضيف سؤالًا آخر جوهريًا: من أين جاء هذا العنف البنيوي في الدولة السودانية الموروثة من المستعمر، وكيف ظل يُعاد إنتاجه بطرق وكيفيات مختلفة من خلال مؤسسات الدولة؟

هذا السؤال بالغ الأهمية في حالتنا السودانية، لأن المشكلة ليست فقط في وجود تفاوت اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي، إنما تكمن المشكلة في طبيعة الدولة نفسها، وفي المؤسسات والقوانين والسياسات التي حكمت العلاقة بين المركز والأقاليم، وبين المجموعات الاجتماعية المختلفة، وبين الدولة والمواطن.

بالتالي، فإن خصوصية مفهوم السلام التأسيسي تصعد إلى أعلى من إزالة العنف البنيوي، بحيث تتطلب صناعة الاستقرار في السودان إعادة تأسيس الدولة نفسها، وفق مشروع وطني جديد يهدف إلى التحرر من ربقة الإرث الاستعماري للمشروع السياسي ودولته.

فإذا كان السلام الإيجابي عند غالتونغ يسعى إلى إزالة العنف البنيوي وتحقيق العدالة، فإن السلام التأسيسي يذهب خطوة أبعد: إعادة تأسيس المؤسسات التي أنتجت التهميش وعدم المساواة.

وهذا يعني أن السلام في السودان يجب أن يرتبط بإصلاحات عميقة تشمل:

أولًا: إعادة تأسيس مفهوم المواطنة

بحيث يصبح الانتماء إلى الدولة قائمًا على المواطنة المتساوية، وليس على العرق أو القبيلة أو المنطقة أو الدين أو المركز السياسي.

ثانيًا: إعادة تأسيس مؤسسات الدولة

لأن مؤسسات الدولة إذا ظلت منحازة أو قابلة للاختراق السياسي والعسكري، فإنها ستعيد إنتاج الأزمة حتى بعد توقيع اتفاق السلام السياسي، وهذا ما ظل يحدث عندنا باستمرار، حتى تفكك السودان إلى دولتين ولم يحدث استقرار.

ثالثًا: معالجة المظالم التاريخية

فالسلام لا يمكن أن يكون مستدامًا إذا تجاهل ذاكرة المجتمعات المتضررة من التهميش والإقصاء وفرض مواطنة التبعية عليها.

رابعًا: إعادة توزيع السلطة والثروة

فالعدالة في توزيع الموارد والفرص السياسية والتنموية تمثل جوهر مواجهة العنف البنيوي الذي تحدث عنه غالتونغ.

من أهم ما يميز الحالة السودانية أن جذور الأزمة لا يمكن فهمها فقط من خلال الحرب الحالية أو النزاعات المسلحة الأخيرة، فهناك تراكم تاريخي من التهميش وعدم المساواة وضعف المشاركة السياسية والتنموية.

لذلك فإن بناء السلام يحتاج إلى مفهوم أوسع من العدالة الانتقالية وحدها، وهنا يأتي مفهوم العدالة التاريخية.

فالعدالة الانتقالية تتعامل بصورة أساسية مع الانتهاكات التي وقعت خلال فترات النزاع أو الحكم القمعي، بينما يمكن للعدالة التاريخية أن تتناول المظالم المتراكمة التي سبقت النزاعات الحالية وأسهمت في إنتاجها.

ومن ثم، فإن السلام التأسيسي السوداني ينبغي أن يجمع بين السلام، والعدالة الانتقالية، والعدالة التاريخية، وإعادة تأسيس المؤسسات، وإعادة توزيع السلطة والثروة بعدالة، وتأسيس عقد اجتماعي جديد تنشأ عليه دولة المواطنة.

هذه العناصر ليست منفصلة، إنما تشكل منظومة واحدة لتأسيس الدولة الوطنية المفقودة في السودان.

السلام التأسيسي ليس مجرد سلام سياسي تقليدي بعد الحرب، ثم عودة الحرب مرة أخرى في نسق تصاعدي أشد من سابقاتها.

فالفرق الأساسي بين السلام السياسي التقليدي والسلام التأسيسي، هو أن الأول ينظر إلى عملية السلام كنهاية للحرب، بينما ينظر الثاني لعملية السلام كطريق لتأسيس الدولة الوطنية الجديدة، مكتملة الاستقلال والتحرر الوطني، وشعوبها هي من يمتلكها.

لهذا يمكن التعبير عن الفكرة بالمعادلة التالية:

السلام السلبي يعني غياب الحرب.

السلام الإيجابي يعني غياب الحرب وتحقيق العدالة الاجتماعية وإزالة العنف البنيوي.

بينما السلام التأسيسي يعني السلام الإيجابي وإعادة تأسيس الدولة ومؤسساتها وعقدها الاجتماعي ومشروعها السياسي.

وبهذا المعنى، فإن السلام التأسيسي ليس بديلًا عن السلام الإيجابي عند غالتونغ، إنما يمكن اعتباره تطويرًا للحالة السودانية لمفهوم السلام الإيجابي.

المشكلة الكبرى في بلادنا، هي أن اتفاقيات السلام تعاملت مع الدولة القائمة باعتبارها أمرًا مفروغًا منه، ثم حاولت إدخال الأطراف المسلحة والسياسية إليها من خلال ترتيبات تخديرية لتقاسم السلطة والثروة، بينما السؤال الأعمق يظل معلقًا، وهو: هل الدولة القائمة نفسها تحتاج إلى إعادة تأسيس؟

طالما ظلت بنية الدولة نفسها تشكل مصدر الأزمة، فإن إدماج الأطراف الجديدة داخل البنية القديمة لا يؤدي إلى تغيير جوهري، بل قد يؤدي إلى توسيع دائرة النخب المستفيدة من النظام السياسي دون تغيير قواعده الأساسية.

لذلك فإن السلام التأسيسي يعمل على الانتقال من تسوية بين أطراف النزاع إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد يتشكل عليه مفهوم الدولة السودانية نفسها، متجاوزًا بذلك المنهج القديم والمجرب والفاشل لعمليات السلام السابقة.

إجمالًا، نجد أن المقاربة بين مفهوم السلام التأسيسي المطلوب لحالتنا السودانية والسلام الإيجابي عند جون غالتونغ، ليست حادة التقاطعات، إنما تمضي في اتجاه تطوري لمخاطبة جذور المشكلة السودانية البنيوية والمتأصلة في الوعي الشامل للمشروع السياسي القديم.

لذلك يمكن القول بأن مفهوم السلام التأسيسي والسلام الإيجابي عند جون غالتونغ، يلتقيان في جوهر أساسي: فالسلام لا يعني مجرد غياب الحرب، إنما يعني إزالة الأسباب البنيوية التي تنتج العنف وتحقيق العدالة.

لكن خصوصية الحالة السودانية تجعلنا بحاجة إلى خطوة إضافية.

فالسودان لا يحتاج فقط إلى إزالة العنف المباشر أو العنف البنيوي، بل يحتاج إلى إعادة تأسيس الدولة نفسها على أسس جديدة، لأن استمرار البنية السياسية والمؤسسية التي أنتجت التهميش والصراع قد يجعل أي سلام مجرد هدنة مؤجلة الانهيار.

من هنا يمكن القول بأن السلام التأسيسي هو السلام الإيجابي في نسخته السودانية الأكثر عمقًا واستجابة للمشكلة السودانية، فهو سلام لا يكتفي بإسكات البنادق، ولا يكتفي بتقاسم السلطة بين النخب، لكنه السلام الذي ينفذ إلى قلب المفاعل الذي ينتج الأزمة بتوليد مستمر، أي السلام الذي يعالج جذور الأزمة، ويحقق العدالة، ويعيد بناء المؤسسات وفق رؤية جديدة، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد، ويحوّل السودان من دولة موروثة ببنيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، إلى دولة يؤسسها السودانيون بإرادتهم الوطنية المشتركة.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للسلام التأسيسي، وهي أن يكون السلام بداية لتأسيس الدولة الوطنية، وليس مجرد نهاية مؤقتة للحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى