علوم

الحرب ليست جوهراً ثابتاً: عن قراءة د. محمد جلال هاشم للدولة والجيش وحرب 15 أبريل في السودان

خالد كودي

الحروب علي لؤمها ليست مجرد أحداث عسكرية تنتهي بانتهاء المعارك، بل هي دوما لحظات تاريخية تعيد تعريف الدولة والسلطة والشرعية والهوية الوطنية. وعليه، في تقديرنا ليس مهمة الباحث وصف ما جرى فحسب، وإنما تفسير ما تغيّر، وما إذا كانت الحرب قد أعادت إنتاج النظام القديم أم فتحت الطريق أمام نظام سياسي جديد. ولهذا يحب ان يميز الفكر السياسي بين القراءة الوصفية للحرب، التي تركز على أطراف الصراع ومساره، وهي السائدة بين الأكاديميين التقليديين والقراءة التأسيسية التي تنظر إليها بوصفها لحظة وفرصة لإعادة تشكيل الدولة والعقد الاجتماعي والمشروع الوطني الذي بقود لمستقبل بدون حروب.

وانطلاقاً من هذا المنظور، نطرح في ردنا هذا سؤال مركزي علي د. محمد جلال ومن يتفقون معه الراي: هل تمثل حرب الخامس عشر من أبريل امتداداً لتاريخ الدولة السودانية ومؤسساتها كما تشكلت منذ الاستقلال، أم أنها لحظة تاريخية غير فرضت إعادة تعريف الفاعلين السياسيين، والدولة، والجيش، والمركز والهامش والوطنية نفسها؟

افترض أن القراءة التي يقدمها د. محمد جلال في مقاله المشور علي صفحته في فيسبووك بعنوان (الجيش في الدّولة الوطنيّة: مابين تعزيز السّلطة والتّحوّل الدّيموقراطي: الجيش السّوداني نموذجاً) تقوم على تصور ثابت للحرب، والجيش، والدولة، والفاعلين السياسيين، بينما تكشف فلسفة التاريخ والعلوم السياسية أن هذه جميعها ظواهر تاريخية متحركة تتغير بتغير المشاريع السياسية والتحولات الاجتماعية وموازين القوة. ومن ثم، فإن فهم حرب 15 أبريل لا يقتضي استدعاء مفاهيم الماضي فحسب، بل يتطلب مساءلة مدى صلاحيتها لتفسير واقع سياسي جديد يتشكل أمام أعيننا… واستاذنا محمد جلال هاشم كغيره كثر (مايشوفو) مع سبق الاصرار !

أولاً: تلخيص أطروحة د. محمد جلال:

يقوم تحليل د. محمد جلال على عدد من المرتكزات الرئيسة، يمكن تلخيصها كلاتي:

يرى أن الجيش يمثل المؤسسة المركزية للدولة الحديثة، وهو الضامن لسيادتها ووحدتها واستمراريتها.

يعتبر أن حرب 15 أبريل ليست مجرد مواجهة بين الجيش والدعم السريع، وإنما حرب بين الدولة واللادولة، أو بين نظام الدولة الحديثة ومشروع يهدف إلى تفكيكها.

يقدم قوات الدعم السريع بوصفها مشروعاً مضاداً للدولة الوطنية، لا مجرد قوة عسكرية متمردة.

ينطلق من فرضية أن الجيش السوداني مؤسسة تاريخية عريقة تمثل استمرارية الدولة السودانية الحديثة وخبرتها العسكرية المتراكمة.

يؤكد أن الخدمة الوطنية والتعبئة العامة تمثلان شرطاً ضرورياً لقدرة الدولة على خوض الحروب الوجودية وحماية سيادتها.

يرى أن الأزمة ليست أزمة المؤسسة العسكرية نفسها، وإنما أزمة غياب التعبئة الوطنية وضعف إدراك النخب لوظيفة الجيش في الدولة الحديثة.

ويخلص إلى أن الحل يكمن في تعزيز المؤسسة العسكرية الوطنية، وتقوية قدرتها على حماية الدولة، وتفعيل منظومة الخدمة الوطنية والتعبئة الشعبية باعتبارها الضامن الأساسي لبقاء الدولة السودانية.

ثانياً: الحرب بين الثبات والتحول في الفكر السياسي والعسكري

يكمن الإشكال المنهجي الرئيسي في قراءة د. محمد جلال في أنها تتعامل مع حرب الخامس عشر من أبريل كما لو أنها ظاهرة تاريخية ذات طبيعة ثابتة منذ لحظة اندلاعها؛ وكأن الحرب التي بدأت صباح الخامس عشر من أبريل 2023 هي، في جوهرها، الحرب نفسها التي تدور اليوم، بالأهداف نفسها، والفاعلين أنفسهم، والتحالفات ذاتها، والمعاني السياسية نفسها. غير أن هذا الافتراض يتعارض مع واحدة من أكثر النتائج رسوخاً في فلسفة التاريخ والعلوم السياسية والدراسات العسكرية، وهي أن الحروب ليست أحداثاً جامدة، وإنما عمليات تاريخية ديناميكية تتغير باستمرار، وقد تتحول أثناء مسارها إلى حروب مختلفة في أهدافها وفاعليها ووظيفتها السياسية، حتى وإن احتفظت بالتاريخ نفسه أو بالاسم نفسه.

فالحرب ليست لحظة زمنية متجمدة، وإنما عملية اجتماعية وسياسية مفتوحة تتفاعل مع المتغيرات الداخلية والخارجية. وقد تبدأ حربٌ بهدف معين، ثم تعيد التحولات العسكرية والسياسية والإقليمية والدولية تشكيل غاياتها وتحالفاتها، بحيث تصبح بعد سنوات حرباً مختلفة نوعياً عن تلك التي اندلعت في بدايتها. ولذلك لا يدرس المؤرخون والعسكريون الحروب باعتبارها نقطة ثابتة، بل باعتبارها مساراً متغيراً يعاد إنتاجه باستمرار.

لقد قرر هيراقليطس أن “كل شيء في حالة صيرورة”، وجعل هيغل الحركة قانون التاريخ، بينما ربط ماركس الصراع بتحول البنى الاجتماعية والاقتصادية. يقدم كارل فون كلاوزفيتز المفتاح الأهم بقوله إن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى؛ فإذا تغيرت السياسة، وتبدلت المشاريع والتحالفات ومصادر الشرعية، فلا بد أن تتغير الحرب أيضاًولاشنو... ويعزز ميشيل فوكو هذا الفهم حين يرى أن السلطة شبكة متحولة من العلاقات، ويبين مارتن فان كريفلد أن الحروب الحديثة لم تعد مجرد مواجهة بين جيوش الدول، بل أصبحت صراعات تتغير بتغير الفاعلين والمشروعات السياسية.

وفي ضوء هذا الإطار النظري، يصعب التعامل مع حرب 15 أبريل بوصفها حرباً ثابتة في معناها السياسي. فمنذ اندلاعها، تبدلت موازين القوى، وتغيرت التحالفات، وظهرت مشاريع سياسية جديدة، كان من أبرزها تبني قوات الدعم السريع لرؤية السودان الجديد متمثلة في تحالف تأسيس بوصفها إطاراً سياسياً للصراع. وبغض النظر عن الموقف من هذا التبني ودوافعه أو فرص نجاحه، فإن مجرد انتقال أحد أطراف الحرب من خطاب عسكري صرف إلى تبني مشروع سياسي جديد يمثل تحولاً موضوعياً في طبيعة الصراع لا يمكن تجاهله في اي تحليل علمي .

ومن هنا، فإن الإشكال في قراءة د. محمد جلال هاشم، كما في بعض القراءات الأخرى، لا يكمن في توصيف مرحلة اندلاع الحرب، بل في افتراض أن خصائصها بقيت ثابتة رغم هذه التحولات. فالقراءة العلمية لا تجمد الزمن عند لحظة البداية، وإنما تعيد قراءة الحرب كلما تغيرت السياسة التي تحركها. لذلك، فإن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل ليست، بالضرورة، هي الحرب التي يواجهها السودان اليوم؛ إذ إن تغير المشاريع السياسية، ومن بينها طرح رؤية السودان الجديد بوصفها أحد أطر الصراع، يفرض مراجعة أدوات التحليل، لأن الحروب تُفهم من خلال تحولاتها، لا من خلال لحظة ميلادها وحدها.

ثالثاً: خطأ قراءة حرب 15 أبريل باعتبارها استمراراً ثابتاً لتاريخ الدولة

بعد أن افترض د. محمد جلال ثبات الحرب، انتقل إلى افتراض ثبات الدولة نفسها، ففسر الصراع باعتباره مواجهة بين الدولة واللادولة؛ بين الجيش بوصفه ممثلاً للدولة الوطنية، وقوات الدعم السريع بوصفها مشروعاً مناقضاً لها. غير أن هذا التصور يتجاوز السؤال الفلسفي الأهم: عن أي دولة نتحدث؟

فالحديث عن “الدولة” بصيغة مطلقة يفترض أنها كيان ثابت ذو شرعية واحدة عبر الزمن، بينما تؤكد الفلسفة السياسية أن الدولة بناء تاريخي يتغير بتغير العقد الاجتماعي، والدستور، ومصادر الشرعية، والمواطنة، وتوزيع السلطة والثروة. فالدولة عند توماس هوبز كانت ضماناً للأمن، وربطها جون لوك بحماية الحقوق الطبيعية، وجعلها جان جاك روسو تعبيراً عن الإرادة العامة، بينما عرفها ماكس فيبر الذي يستدل به الدكتور هنا وهناك باحتكار الاستخدام المشروع للعنف، مؤكداً أن أساسه الشرعية لا القوة. أما الفكر السياسي المعاصر، فقد وسع مفهوم الدولة ليشمل المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة، وحماية الحقوق الأساسية. ولذلك فالسؤال ليس: هل توجد دولة؟ بل: أي دولة يراد الحفاظ عليها أو إعادة تأسيسها؟

وينطبق الأمر نفسه على الجيش. فهو ليس قيمة قائمة بذاتها، ولا يكتسب شرعيته من تاريخه أو قوته أو مجرد حمله اسم الدولة، بل من المشروع الدستوري الذي يحميه. فالجيش في الدولة الديمقراطية يختلف عن الجيش في الدولة الشمولية؛ الأول يحمي الدستور وسيادة القانون، والثاني قد يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة السياسية. ولذلك فإن قيمة المؤسسة العسكرية تُقاس بوظيفتها وعلاقتها بالمواطنين، لا بوجودها المجرد…ولا شنو؟!

ومن هنا، فإن اختزال حرب 15 أبريل في معادلة الدولة ضد اللادولة يحجب السؤال الجوهري: أي مشروع للدولة يتصارع اليوم في السودان؟ هل المقصود الدفاع عن دولة المواطنة والدستور وسيادة القانون، أم عن نموذج تاريخي للدولة المركزية تشكل بعد الاستقلال وأعاد إنتاج أنماط معينة من السلطة والعلاقة بين المركز والأطراف، أي دولة السودان القديم؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد معنى الحرب، لا مجرد تحديد أطرافها العسكرية.

وينطبق الأمر ذاته على الفاعلين المسلحين. فإذا كان الافتراض الأول في قراءة د. محمد جلال هو ثبات الحرب، فإن الافتراض الثاني هو ثبات هوية الجماعات المسلحة، وكأن تاريخها وحده يكفي لتعريف حاضرها ومستقبلها. غير أن العلوم السياسية تنطلق من العكس؛ فالفاعلون السياسيون كيانات تاريخية متحولة تتغير بتغير السياقات، والتحالفات، والقيادات، والبرامج، والعقود السياسية.

وقد أسس جون رولز لهذا الفهم عندما جعل الشرعية قائمة على العدالة والاتفاق الدستوري لا على الماضي، و رأى يورغن هابرماس أن الشرعية تُبنى بالتوافق الديمقراطي، بما يسمح حتى للمتمردين السابقين بالمشاركة في بناء نظام جديد. ويؤكد بندكت أندرسون أن الأمم نفسها “جماعات متخيلة” يعاد تشكيلها باستمرار، ويربط إرنست غيلنر الهوية الوطنية بتحولات الدولة الحديثة، وينتقد روجرز بروبيكر التصورات الجوهرانية للهوية، معتبراً أنها عمليات سياسية واجتماعية متغيرة لا كيانات ثابتة

ANC ولهذا تركز العلوم السياسية على مسارات التحول لا على لحظة النشأة. فقد تحول المؤتمر الوطني الإفريقي

IRA من حركة مقاومة إلى الحزب الحاكم في جنوب أفريقيا، وانتقل الجيش الجمهوري الإيرلندي

PLO من العمل المسلح إلى العملية السياسية، وتحولت منظمة التحرير الفلسطينية

FARC إلى طرف تفاوضي معترف به، كما تحولت القوات المسلحة الثورية الكولومبية

إلى حزب سياسي بعد اتفاق السلام، وأصبح الجيش الجمهوري النيبالي شريكاً في تأسيس الجمهورية. ولم تكن الحركة الشعبية لتحرير السودان استثناءً، إذ أعادت منذ تأسيسها عام 1983 تعريف رؤيتها وتحالفاتها ومشروعها السياسي أكثر من مرة.

ومن هنا يبرز السؤال الذي تغفله قراءة د. محمد جلال: هل يُقيَّم الفاعل السياسي بتاريخه فقط، أم أيضاً بمشروعه الراهن؟ لا يعني ذلك تجاهل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن الانتهاكات السابقة، وإنما يعني أن التحليل الأكاديمي لا يتوقف عند لحظة النشأة، بل يدرس التحولات التي طرأت على الرؤية والأهداف والتحالفات والالتزامات الدستورية.

ولهذا، فإن أي تحليل علمي لقوات الدعم السريع، أو لأي حركة مسلحة، لا ينبغي أن يكتفي بتاريخها، بل يجب أن يسأل أيضاً: ما المشروع السياسي الذي تتبناه اليوم؟ فقد أصبح تبنيها المعلن لرؤية السودان الجديد جزءاً من واقع الصراع، بغض النظر عن الموقف من صدقية هذا التبني أو دوافعه حتي. فوجود هذا التحول السياسي يفرض على الباحث دراسته وتفسير أثره، لا تجاهله والتمسك بصورة ثابتة للحرب والفاعلين.

فالعلوم السياسية لا تفترض ثبات الهوية السياسية، بل تدرس عمليات إعادة التشكل والتحول. وقد تنتقل الجماعات من التمرد إلىالدولة، أو من الدولة إلى التمرد، أو من الحرب إلى السياسة، والعكس. ولذلك يبقى التاريخ عنصراً أساسياً في التفسير، لكنه ليسقدراً يحكم المستقبل. واختزال أي حركة في لحظة ميلادها، وإغفال تحولات مشروعها السياسي، يمثل أحد أوجه القصور المنهجيةفي قراءة د. محمد جلال لحرب الخامس عشر من أبريل وتطورات الفاعلين السياسيين فيها.

خامساً: الدولة ليست الجيش

ينطلق تحليل د. محمد جلال من افتراض أن الدفاع عن الجيش هو، بالضرورة، دفاع عن الدولة، وأن أي تهديد للمؤسسة العسكرية يمثل تهديداً للدولة الوطنية. غير أن هذا التصور لا ينسجم مع الفلسفة السياسية الحديثة، التي تميز بين الدولة بوصفها نظاماً سياسياً ودستورياً، والجيش بوصفه إحدى مؤسساتها!

فقد عرّف ماكس فيبر الدولة بأنها الجماعة التي تحتكر الاستخدام المشروع للعنف، لكنه شدد على أن جوهر الدولة ليس العنف، بل مشروعية استخدامه. فالجيش يمثل الدولة بقدر خضوعه للدستور والسلطة الشرعية، لا بمجرد امتلاكه القوة المسلحة. ويؤكد تشارلز تيلي أن الدولة الحديثة لم تُبنَ على الجيوش وحدها، بل على منظومة من المؤسسات المدنية والقضائية والإدارية القادرة على اكتساب شرعية المواطنين، بحيث تصبح القوة خاضعة للقانون لا بديلاً عنه.

ومن جانبها، تميز هانا آرندت بين السلطة والعنف، معتبرة أن السلطة تقوم على الشرعية والقبول، بينما يظهر العنف عندما تضعف الشرعية. فالسلاح قد يفرض الطاعة، لكنه لا يستطيع أن يصنع دولة شرعية. ويصل فرانسيس فوكوياما إلى النتيجة نفسها، إذ يرى أن قوة الدولة تُقاس بفاعلية مؤسساتها، وسيادة القانون، وخضوع السلطة للمساءلة، لا بحجم جيشها أو ترسانتها العسكرية.

وبذلك، فإن اختزال الدولة في الجيش يمثل اختزالاً فلسفياً وسياسياً لمفهوم الدولة نفسه! فالجيش، مهما بلغت أهميته، ليس سوى مؤسسة ضمن منظومة أوسع تضم الدستور، والقضاء، والسلطة التشريعية، والإدارة العامة، والاقتصاد، والمجتمع المدني، والعقد الاجتماعي الذي يمنح الدولة شرعيتها. ولذلك فإن السؤال ليس: كيف نحافظ على الجيش؟ وإنما: أي دولة نريد أن يحميها الجيش؟ فإذا كانت الدولة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، فإن وظيفة الجيش هي حماية هذا النظام الدستوري، لا أن يتحول إلى غاية في ذاته أو إلى مرادف للدولة.

ومن هنا، يكمن الخلل المنهجي في قراءة د. محمد جلال في افتراضه ترادف الجيش والدولة، بينما تؤكد الفلسفة السياسية، من فيبر إلى تيلي وآرندت وفوكوياما، أن شرعية الجيش لا تستمد من تاريخه أو قوته، بل من خضوعه للدستور، وخدمته لجميع المواطنين على قدم المساواة، والتزامه بالمشروع الوطني الذي يختاره الشعب. فالدول تُبنى بالمؤسسات والشرعية وسيادة القانون، أما الجيوش فهي أدوات لحماية الدولة، وليست هي الدولة نفسها.

سادساً: هل كان الجيش السوداني بالفعل مؤسسة للاستقرار؟

إذا كانت الحجة المركزية في قراءة د. محمد جلال تقوم على أن الجيش السوداني هو الضامن الأساسي لبقاء الدولة واستقرارها، فإن هذا الافتراض ينبغي اختباره في ضوء التجربة التاريخية، لا التعامل معه بوصفه مسلمة. فالمؤسسات تُقاس بما حققته عملياً، لا بما يحيط بها من رمزية أو تاريخ وما اليه. ومن ثم يبرز السؤال: هل نجح النموذج التاريخي للجيش السوداني في بناء دولة مستقرة وآمنة لجميع مواطنيها، أم أصبح، في مراحل عديدة، جزءاً من الأزمة نفسها؟

منذ الاستقلال، لم يعرف السودان استقراراً دستورياً مستداماً؛ فقد تعاقبت الانقلابات العسكرية، وعُطلت الدساتير، وحُلَّت المؤسسات المنتخبة، وأصبح تدخل الجيش في السياسة سمة متكررة من سمات الدولة السودانية. وفي الوقت نفسه، لم تتوقف الحروب الداخلية، بل امتدت من جنوب السودان حتى انتهت بالانفصال، ثم إلى جبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور، وشرق السودان. وهذا يفرض سؤالاً مشروعاً: إذا كان الجيش هو الضامن لوحدة الدولة، فكيف انتهت أطول حروبه بانقسام البلاد؟ وإذا كان أداة لتحقيق الأمن، فلماذا استمرت مناطق واسعة تعيش عقوداً تحت الحرب والقصف والنزوح وغياب الحماية؟

ولا تكمن المشكلة في وقوع الحروب وحده، فكل الدول قد تواجه تمردات، وإنما في طبيعة الاستجابة. فقد عولجت، في كثير من الأحيان، مطالب سياسية واجتماعية واقتصادية بوصفها تهديدات أمنية، لا أزمات بنيوية تستدعي الإصلاح والتفاوض وإعادة توزيع السلطة والثروة، فتحول الجيش تدريجياً من مؤسسة لحماية المجتمع إلى أداة لإدارة التناقضات السياسية بالعنف.

وتتجلى هذه الأزمة بوضوح في دارفور، حيث أدى تسليح قوى موازية ودمجها في اقتصاد الحرب إلى صعود قوات الدعم السريع نفسها. وهنا تكمن المفارقة؛ فالمؤسسة التي تُقدَّم اليوم بوصفها حصن الدولة أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج القوة المسلحة التي تواجهها الآن، بما يكشف أن الأزمة ليست مجرد اعتداء على الدولة، بل نتيجة خلل بنيوي في إدارة العنف وبناء المؤسسات.

كما أن الاستقرار الذي وفرته الدولة لم يكن متساوياً بين المواطنين. فقد تمتعت الخرطوم وأجزاء من الوسط النيلي، في فترات طويلة، باستقرار نسبي، بينما عاشت مجتمعات الجنوب، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور، وشرق السودان، في دوامة الحرب والتهميش. ولذلك فإن الحديث عن استقرار السودان يتوقف على تعريف السودان المقصود: هل هو استقرار المركز، أم استقرار جميع المواطنين؟ فالاستقرار الحقيقي لا يقاس بأمن العاصمة وحدها، بل بأن تتساوى قيمة حياة المواطن في كاودا والدمازينوالجنينة وبورتسودان ونيالا مع قيمة حياة المواطن في الخرطوم، واحسب ان كمرد محمد جلال هاشم يعرف هذا!

وقد بلغت أزمة هذا النموذج ذروتها بعد ثورة ديسمبر، عندما انهار الانتقال الديمقراطي، واستعادت المؤسسة العسكرية دورها السياسي، ثم دخلت في حرب مع القوة التي شاركتها السلطة. وعندها لم يعد الجيش مجرد مؤسسة تعمل داخل أزمة سياسية، بل أصبح أحد الفاعلين الرئيسيين في إنتاجها وإعادة تدويرها.

ومن هنا يفرض التاريخ السوداني سؤالاً فلسفياً لا يمكن تجاهله: إذا كان الجيش هو الضامن الطبيعي للاستقرار، فلماذا عاش السودان معظم تاريخه بعد الاستقلال بين الحروب الأهلية، والانقلابات العسكرية، والأزمات الانتقالية؟ لا يقصد هذا السؤال إدانة الجيش كمؤسسة، ولا إنكار حاجة الدولة إلى جيش وطني محترف، وإنما مساءلة النموذج المؤسسي الذي حكم علاقة الجيش بالدولة والسياسة والمجتمع.

فالإشكال، في تقديرنا، لا يكمن في الأفراد، بل في عقيدة سياسية جعلت الجيش وصياً على الدولة، وربطت الأمن ببقاء السلطة المركزية، والوحدة بالقوة، والوطنية بالدفاع عن الدولة القائمة، لا بإعادة تأسيسها على المواطنة المتساوية. ولذلك فإن الحفاظ على الجيش بصورته التاريخية لا يمثل، في ذاته، حلاً لأزمة السودان. فالمؤسسة التي لم تنجح في منع الحروب، أو حماية النظام الدستوري، أو تحقيق الأمن المتساوي، تحتاج إلى مراجعة شاملة لعقيدتها ووظيفتها وعلاقتها بالسلطة المدنية. والسؤال الحقيقي ليس: كيف نعيد الجيش إلى ما كان عليه؟ وإنما: كيف نبني جيشاً قومياً مهنياً جديدا يحمي الدستور، ولا يحكم الدولة، ويصون حقوق جميع السودانيين على قدم المساواة؟

سابعاً: الخدمة الوطنية بين الدولة الديمقراطية والدولة التعبوية

يرى د. محمد جلال أن أحد أوجه القصور في التجربة السودانية يتمثل في غياب نظام راسخ للخدمة الوطنية والتعبئة العامة، ويقدم ذلك بوصفه أحد الشروط الأساسية لبناء الدولة الحديثة. غير أن هذه الفرضية تستدعي سؤالاً أكثر عمقاً من مجرد وجود الخدمة الوطنية أو غيابها، وهو: أي دولة هي التي تنظم الخدمة الوطنية؟ ولأي مشروع سياسي تُعبَّأ الأجيال؟

ففي كثير من الديمقراطيات الحديثة، مثل سويسرا وفنلندا وكوريا الجنوبية، ضمن خصوصيتها السياسية والأمنية، ارتبط التجنيد الإلزامي بفكرة الدفاع عن الدولة في إطار دستور نافذ، ومؤسسات منتخبة، ورقابة مدنية على القوات المسلحة، وقواعد قانونية تحدد حقوق المجندين وواجباتهم. كما عرفت فرنسا الخدمة العسكرية الإلزامية لعقود قبل أن تتحول إلى جيش مهني، وكانت الخدمة جزءاً من العلاقة بين المواطن والدولة الجمهورية، لا وسيلة لاحتكار حزب أو جماعة بعينها للولاء السياسي.

ومن ثم، فإن وجود التجنيد الإلزامي أو الخدمة الوطنية، في حد ذاته، لا يجعل الدولة ديمقراطية، كما أن غيابه لا يجعلها غير ديمقراطية. فالخدمة الوطنية ليست قيمة مستقلة عن النظام السياسي الذي تنشأ داخله، وإنما تستمد مشروعيتها من أربعة شروط أساسية: وجود دستور شرعي، وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية المنتخبة، والمساواة الكاملة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ووجود رقابة قضائية وبرلمانية ومجتمعية تمنع تحويل الخدمة الوطنية إلى أداة للهيمنة السياسية أو الإقصاء الأيديولوجي.

ولهذا السبب، تميز الأدبيات المقارنة بين الدولة الدستورية التي تعبئ مواطنيها للدفاع عن النظام الدستوري المشترك، وبين الدولة التعبوية التي تستخدم مؤسسات التجنيد والشباب لإعادة إنتاج الولاء السياسي للنظام الحاكم أو لأيديولوجيا بعينها. ففي الحالة الأولى، يكون الولاء للدستور والمواطنة؛ وفي الثانية، يصبح الولاء للحزب أو القائد أو العقيدة السياسية.

(Hitlerjunend) وقد شهد القرن العشرون نماذج عديدة لهذا النمط الأخير. فقد أنشأت ألمانيا النازية منظمة شباب هتلر

ولم يكن الهدف منها مجرد إعداد الشباب للخدمة العسكرية، بل إعادة تشكيل وعيهم السياسي والأخلاقي بما يخدم أيديولوجية الدولة النازية. كما أنشأت إيطاليا الفاشية منظمات شبابية مماثلة، واستخدم الاتحاد السوفيتي ومنظمات أخرى في دول شمولية مؤسسات الشباب لتنشئة الأجيال على الولاء العقائدي قبل الولاء للدستور أو للمجتمع.

ولا تعني هذه المقارنات أن كل برامج التعبئة الوطنية متشابهة، أو أن أي تنظيم شبابي معاصر يساوي تاريخياً تلك المنظمات؛ وإنما تؤكد مبدأً أساسياً في العلوم السياسية، وهو أن المعيار ليس وجود التعبئة، بل طبيعتها وغايتها والسلطة التي توجهها. فالفارق الجوهري بين الدولة الديمقراطية والدولة التعبوية يكمن في أن الأولى تعبئ المواطنين للدفاع عن النظام الدستوري، بينما تعبئ الثانية المواطنين للدفاع عن النظام السياسي القائم أو أيديولوجيته.

ومن هذا المنظور، تثير التجربة السودانية أسئلة تستحق الدراسة النقدية. فقد عرفت البلاد، خاصة خلال العقود الأخيرة من حكم الإنقاذ، الخدمة الوطنية الإلزامية للطلاب وبرامج التعبئة المرتبطة بها، والتي ارتبطت في نظر كثير من الباحثين والفاعلين السياسيين بمشروع أيديولوجي للدولة آنذاك، أكثر من ارتباطها بمفهوم المواطنة الدستورية الشاملة. كما ظهرت خلال الحرب الحالية تشكيلات تعبئة شعبية وشبابية، من بينها جماعة البراء بن مالك وغيرها من المجموعات التي أعلنت انخراطها في القتال دعماً للقوات المسلحة.

هنا لابد من الاقرار بان لكل حالة سياقها المختلف، لكن المقارنة تصبح مشروعة عندما تتناول آليات التعبئة نفسها: هل يُبنى الولاء على الدستور والمواطنة، أم على الخطاب العقائدي؟ هل يُنظر إلى الشباب بوصفهم مواطنين أحراراً، أم باعتبارهم أدوات لتعبئة سياسية وعسكرية؟ وهل تخضع هذه التشكيلات لرقابة الدولة المدنية والقانون، أم تعمل خارج منظومة المساءلة الديمقراطية؟

وهنا تظهر مرة أخرى محدودية أطروحة د. محمد جلال. فهو ينظر إلى الخدمة الوطنية باعتبارها ضرورة تقنية لبناء الدولة، بينما تتجاهل هذه القراءة السؤال الأكثر أهمية: أي دولة ستقوم بهذه التعبئة، ولأي مشروع سياسي ستوجهها؟ فالدول الديمقراطية لا تقيس نجاح الخدمة الوطنية بعدد المجندين، وإنما بقدرتها على ترسيخ الولاء للدستور، واحترام التعددية، وصيانة حقوق الإنسان، وضمان خضوع القوة المسلحة للسلطة المدنية.

وعليه، فإن النقاش الحقيقي في السودان لا ينبغي أن يكون حول إعادة تفعيل الخدمة الوطنية في ذاتها، بل حول إعادة تأسيس الدولة أولاً. فقبل أن يُطلب من المواطن حمل السلاح دفاعاً عن الدولة، ينبغي أن تكون تلك الدولة قد التزمت بحماية حقوقه، ومساواته مع غيره، وخضوع مؤسساتها للدستور. أما تعبئة المواطنين للدفاع عن دولة لم تُحسم طبيعتها الدستورية بعد، أو عن مشروع سياسي محل نزاع، فإنها قد تتحول من وسيلة لحماية الوطن إلى أداة لإعادة إنتاج الصراع نفسه.

ثامناً: لماذا تستمر بعض النخب في رؤية الجيش باعتباره الضامن الوحيد للدولة؟

لا يكمن الخلاف مع قراءة د. محمد جلال، أو مع عدد من الأكاديميين الذين يتبنون الموقف نفسه، في الوقائع التاريخية بقدر ما يكمن في الإطار المعرفي والفلسفي الذي تُقرأ من خلاله الدولة والجيش والتاريخ السوداني برمته. فالمعرفة لا تتشكل في فراغ، بل داخل بنى تاريخية واجتماعية ومؤسسات تعليمية وسرديات وطنية تؤثر في طريقة فهم الواقع. ولذلك فإن كثيراً من الخلافات الفكرية تعود إلى اختلاف العدسات التي يُقرأ بها التاريخ، لا إلى اختلاف الوقائع نفسها.

ومن هنا يبرز السؤال:

لماذا لا تزال قطاعات من النخب السودانية تنظر إلى الجيش باعتباره الضامن الطبيعي، بل الوحيد، للدولة، رغم أن التجربة التاريخية نفسها تدعو إلى مراجعة هذا الافتراض؟ إن الإجابة لا تتعلق بالنوايا، وإنما بكيفية تشكل الأطر التفسيرية التي تحكم التفكير السياسي

يفسر أنطونيو غرامشي ذلك من خلال مفهوم الهيمنة؛ فهي لا تعني السيطرة بالقوة فقط، بل نجاح النخبة في تحويل رؤيتها للعالم إلى ما يشبه الحقيقة الطبيعية. وعندما تترسخ، عبر التعليم والإعلام والخطاب الوطني، فكرة أن الجيش هو التجسيد الوحيد للدولة والوطن، تتحول إلى مسلمة يصعب مساءلتها، حتى عندما تكشف التجربة التاريخية تعقيد العلاقة بين الجيش والدولة.

ويضيف إدوارد سعيد أن المعرفة تُنتج داخل علاقات القوة، وأن السرديات المهيمنة لا تروي التاريخ فحسب، بل تحدد أيضاً من يمثل الوطن ومن يُنظر إليه بوصفه تهديداً له. وفي السودان، هيمنت لعقود سردية مركزية جعلت الدولة تُرى من الخرطوم، والوطنية تُقاس بالقرب من المركز، والجيش يُقدَّم بوصفه التعبير الطبيعي عن الدولة، بينما فُسرت مطالب الأطراف باعتبارها تهديداً للدولة، لا تعبيراً عن أزمة في بنيتها. وهكذا تصبح السردية أداة لإنتاج الشرعية، لا مجرد وصف للواقع.

أما بيير بورديو فيفسر استمرار هذه الرؤية من خلال إعادة إنتاج السلطة الرمزية؛ فالمؤسسات التعليمية والإدارية والإعلامية لا تنقل المعرفة فقط، بل تعيد إنتاج أنماط معينة من التفكير حتى تبدو بديهيات. ولذلك قد يتبنى كثير من الأكاديميين نموذج الدولة المركزية والجيش المركزي، لا لأنه النموذج الوحيد الممكن، بل لأنه النموذج الذي تشكلت داخله خبرتهم المعرفية.

ويذهب فرانز فانون إلى أن دول ما بعد الاستعمار ورثت، إلى جانب المؤسسات، العقل السياسي الاستعماري نفسه، القائم على المركزية واحتكار السلطة والنظر إلى الأطراف باعتبارها فضاءات أمنية ينبغي إخضاعها. وعندما تعيد النخب الوطنية إنتاج هذا النموذج دون مساءلته، فإنها قد تواصل، من حيث لا تقصد، أنماط الحكم التي ورثتها عن الدولة الاستعمارية.

ومن هذا المنظور، يصعب على بعض الأكاديميين تجاوز نموذج الدولة المركزية، ليس لنقص في المعرفة، بل لأن خبرتهم التاريخية تشكلت داخله. فمن عاش في فضاء ارتبطت فيه الدولة بالأمن والاستقرار قد يفسر الأزمات بوصفها تهديداً لهذا النموذج، بينما يقرأ من عاش في جبال النوبة أو دارفور أو النيل الأزرق أو شرق السودان الأزمة من زاوية مختلفة، ويرى أن المشكلة ليست في ضعف الدولة، بل في طبيعة الدولة نفسها.

ولا ينبغي فهم هذا التباين بوصفه مجرد اختلاف في المواقف السياسية، بل بوصفه اختلافاً في الخبرات التاريخية التي أنتجت أطرًا تفسيرية متباينة. غير أن وظيفة الباحث ليست إعادة إنتاج هذه الأطر، وإنما إخضاعها للنقد. فالبحث العلمي يبدأ عندما تصبح المسلمات نفسها موضوعاً للتحليل.

ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي ليس

هل الجيش ضروري للدولة؟ فهذا يكاد يكون محل اتفاق. وإنما:

هل النموذج التاريخي للدولة المركزية، الذي ارتبط بعقيدة عسكرية وسياسية معينة، هو النموذج الوحيد القادر على بناء السودان؟

وهل أثبت نجاحه في بناء دولة يشعر جميع مواطنيها بأنها دولتهم؟

وينطلق مشروع السودان الجديد من إعادة طرح هذا السؤال، لا من رفض الجيش في ذاته. فهو يدعو إلى إعادة تعريف المؤسسة العسكرية داخل عقد دستوري جديد، بحيث تستمد مشروعيتها من الدستور، وتحمي جميع المواطنين بالتساوي، وتخضع لسلطة مدنية ديمقراطية، بدلاً من أن تكون الحارس التاريخي لنموذج واحد للدولة. فالقضية لم تعد كيف نحافظ على الدولة كما ورثناها، بل كيف نبني دولة جديدة تستحق أن يحميها جيش جديد.

وهذه، في تقديرنا، هي النقلة الفكرية التي لا تزال غائبة عن كثير من القراءات التي تجعل الجيش نهاية النقاش، بينما هو، في الحقيقة، أحد موضوعاته الأساسية.

تاسعاً: السودان الجديد وإعادة تعريف الجيش

إذا كانت القراءة التقليدية تنتهي إلى الدفاع عن الجيش بوصفه المؤسسة التي ينبغي الحفاظ عليها كما هي، فإن مشروع السودان الجديد كما نراه ينطلق من سؤال مختلف: أي جيش يحتاجه السودان الجديد؟ فالقضية ليست دمج القوات أو استبدال مؤسسة بأخرى، بل إعادة تعريف الوظيفة الدستورية والسياسية للجيش في إطار مشروع جديد للدولة والمواطنة.

وتؤكد تجارب ما بعد النزاعات، من جنوب أفريقيا والبوسنة ورواندا إلى نيبال، أن السلام المستدام لا يتحقق بمجرد دمج التشكيلات المسلحة، بل بإعادة بناء العقيدة العسكرية. فالجيش الذي يحتفظ بالعقيدة والرؤية والعلاقة نفسها مع الدولة والمجتمع سيعيد إنتاج الأزمات نفسها، مهما تغيرت قياداته أو توسعت تركيبته.

وينطلق مشروع السودان الجديد من أن الدولة نفسها تحتاج إلى إعادة تأسيس، وبالتالي لا يمكن بناء دولة جديدة بعقيدة عسكرية تشكلت لحماية دولة قديمة. فالجيش انعكاس لطبيعة الدولة، وإذا تغيرت الدولة فلا بد أن تتغير المؤسسة التي تحميها.

ولهذا تبدأ إعادة بناء الجيش بإعادة تعريف الوطنية، لتصبح الولاء للدستور والمواطنة المتساوية، لا لمركز جغرافي أو ثقافي أو لنظام سياسي بعينه. ويترتب على ذلك إعادة تعريف الأمن القومي، بحيث يصبح أمن الإنسان أساس أمن الدولة، فلا يقاس استقرار السودان بأمن الخرطوم وحدها، بل بأمن المواطنين في كاودا، والجنينة، والدمازين، ونيالا، وبورتسودان، وجميع أنحاء البلاد دون تمييز

كما تقتضي هذه الرؤية إعادة تعريف المواطنة، بحيث يكون الجيش جيش جميع السودانيين وبنسب تمثيل تعكس سكان السودان، ولا يميز بينهم على أساس العرق أو الدين أو اللغة أو الإقليم، وإنما يحميهم جميعاً بوصفهم متساوين أمام الدستور والقانون.

ومن هنا تُعاد صياغة العقيدة العسكرية نفسها، بالإجابة عن السؤال الجوهري: لمن يحمل الجندي السلاح؟ فتكون الإجابة: للدستور، وللشعب، وللمواطنة، لا للحكومة أو الأيديولوجيا أو أي نخبة سياسية. وبذلك ينتقل الجيش من جيش يحمي السلطة إلى جيش يحمي الدستور، ومن الدفاع عن المركز إلى الدفاع عن جميع المواطنين بالتساوي، ومن عقيدة الهوية الأحادية إلى عقيدة الدولة متعددة القوميات والثقافات، بحيث يعكس في تركيبته ورموزه وعقيدته تنوع السودان كله.

ومن ثم، فإن شعار “الجيش الجديد” ليس مطلباً تنظيمياً، بل نتيجة منطقية لإعادة تأسيس الدولة. فكما لا يمكن بناء دستور جديد بعقلية دستورية قديمة، لا يمكن بناء دولة جديدة بعقيدة عسكرية صُممت لحماية دولة لم تعد قادرة على تحقيق المساواة والسلام. والسؤال الذي يواجه السودان بعد الحرب ليس: كيف نعيد الجيش إلى ما كان عليه؟ وإنما: كيف نبني جيشاً يعبر عن السودان الذي نريد، ويحمي دستوراً جديداً، ويخدم جميع مواطنيه دون تمييز؟

أخيرا:

تكشف هذه الورقة، أن الإشكال في قراءة حرب الخامس عشر من أبريل ليس في تفسير وقائعها وحدها، بل في المنهج الذي تُقرأ من خلاله. فالحرب، والدولة، والجيش ليست كيانات ثابتة، وإنما مؤسسات تاريخية تتغير بتغير المجتمع والعقد الاجتماعي. وعندما تُعامل هذه المفاهيم بوصفها حقائق أبدية، يصبح الدفاع عن المؤسسات هدفاً في ذاته، بدلاً من مساءلة قدرتها على تحقيق العدالة والمواطنة.

وتعلمنا فلسفة التاريخ أن الأمم لا تتقدم بالحفاظ على مؤسساتها القديمة، بل بإعادة بنائها عندما تعجز عن الاستجابة لتحولات المجتمع. فالدولة عقد اجتماعي متجدد، والجيش مؤسسة دستورية تستمد مشروعيتها من حماية الدستور وجميع المواطنين، لا من تاريخها أو قوتها العسكرية، أما الحرب فهي ليست قدراً دائماً، بل قد تكون لحظة لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر عدلاً.

ولهذا فإن مستقبل السودان لن يتحدد بقدرته على استعادة مؤسسات الماضي، بل بقدرته على إعادة تعريفها في ضوء دروس الحرب. فالتجارب، من أوروبا بعد الحربين العالميتين إلى جنوب أفريقيا والبوسنة ورواندا ونيبال، تؤكد أن السلام المستدام يبدأ بإعادة تأسيس الدولة، لا بمجرد وقف القتال.

ومن هذا المنطلق، لا تتمثل القضية في الدفاع عن الجيش أو معاداته، وإنما في بناء جيش دستوري جديد يحمي الدستور لا السلطة، وجميع المواطنين لا بعضهم، ويعبر عن دولة تقوم على المواطنة المتساوية، واللامركزية والعلمانية، الديمقراطية، وسيادة القانون، والعدالة التاريخية والحق علي تقرير المصير لكل شعوب السودان. فالسؤال الذي يفرضه السودان اليوم ليس: كيف نعيد إنتاج الدولة التي عرفناها؟ بل: أي دولة تستحق أن تُبنى بعد هذه الحرب، وأي جيش يستحق أن يحميها؟ فالدول العادلة هي التي تصنع الجيوش الوطنية، لا العكس.

مع كامل التقدير لكمرد د. محمد جلال هاشم.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى