
8/26/2026 خالد كودي ، بوسطن
من البشير إلى البرهان: حين تحمي الدولة القديمة نفسها بوضع المجتمع كله في مواجهة العالم
لم يعد السؤال الذي تطرحه الأزمة السودانية هو ما إذا كان عبد الفتاح البرهان سيواجه مزيداً من العقوبات الدولية، بل: لماذا يدفع السودان والسودانيون، مرة بعد أخرى، ثمن القرارات التي تتخذها قيادات عسكرية وسياسية باسمهم، من دون أن يكون لهم سلطان حقيقي عليها؟
هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحاً بعد جلسة مجلس الأمن في 24 أغسطس 2026. فالولايات المتحدة تدفع باتجاه تشديد نظام العقوبات الأممي وتوسيع حظر السلاح ليشمل السودان كله، بينما قالت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، إن طرفي الحرب ما زالا أسيرين لـ”منطق عسكري صفري”، في وقت بلغ فيه عدد الفارين من منازلهم نحو 13 مليون شخص.
الأكثر دلالة هو رد البرهان نفسه. فبدلاً من التعامل مع خطر العقوبات بوصفه إنذاراً يستوجب مراجعة سياسية عاجلة لحماية البلاد ومواطنيها، أعلن أن العقوبات لن توقف الحرب، وأن قواته ستواصل القتال حتى استعادة المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع!
هنا ينبغي التوقف، لأننا أمام شيء أكبر من تصريح سياسي عابر. نحن أمام نمط تاريخي في إدارة الدولة السودانية: حين تدخل السلطة في مواجهة مع المجتمع الدولي بسبب قراراتها البائسة أو انتهاكاتها، تعيد تعريف المواجهة باعتبارها مواجهة بين “السودان” والعالم؛ وحين تُفرض العقوبات على الحاكم أو مؤسسات الدولة، يُطلب من المواطن أن يتحمل نتائجها باسم السيادة والكرامة الوطنية، وهكذا يصبح الوطن والشعب رهينة، وللأسف هنالك من يصدق!
أولاً: العقوبات ليست احتمالاً جديداً
من المهم تصحيح نقطة أساسية: البرهان ليس مجرد قائد يجري الآن التلويح بفرض عقوبات شخصية عليه. فقد فرضت الولايات المتحدة بالفعل عقوبات عليه في 16 يناير/كانون الثاني 2025 بموجب الأمر التنفيذي 14098. وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إن قوات الجيش تحت قيادته نفذت هجمات قاتلة على المدنيين والبنية التحتية المحمية، بما في ذلك المدارس والأسواق والمستشفيات، واتهمتها كذلك بعرقلة وصول المساعدات واستخدام الحرمان من الغذاء ضمن أساليب الحرب. كما اتهمته واشنطن برفض المشاركة في محادثات دولية لوقف القتال واختيار الحرب بدلاً من التفاوض الجاد.
وليس الجيش وحده موضع المساءلة. فقد فرضت واشنطن عقوبات على محمد حمدان دقلو “حميدتي”، كما وثقت تقارير أممية وحقوقية اتهامات خطيرة ضد قوات الدعم السريع. ومع ذلك، أعلنت قوات الدعم السريع، عبر تحالف “تأسيس”، استعدادها لوقف الحرب والقبول بالمحاسبة ضمن إطار أوسع للعدالة التاريخية.
سؤال هذه المقالة: ماذا يحدث عندما يصبح رأس الدولة والمؤسسة العسكرية نفسها مصدر خطر متزايد على الوضع الدولي للسودان؟
ثانياً: الأسلحة الكيميائية تنقل الأزمة إلى مستوى أخطر
أخطر التطورات هو ملف الأسلحة الكيميائية.
في أبريل 2025 توصلت الحكومة الأمريكية رسمياً، بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024. السودان رفض الاتهام وشكل لجنة للتحقيق، وبالتالي يجب، من الناحية القانونية والأكاديمية، التمييز بين الاتهام، والتحديد الحكومي الأمريكي، والإثبات القضائي الدولي المستقل.
لكن القضية لم تبق مجرد اتهام إعلامي. فقد ظهرت لاحقاً أدلة مفتوحة المصدر تناولتها هيومن رايتس ووتش، مشيرة إلى تحقيقات حددت مواقع صور وفيديوهات مرتبطة بحادثتين في سبتمبر 2024، وإلى مؤشرات تتعلق باستخدام الكلور. وطالبت المنظمة بتحقيق شفاف من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
ثم دخلت العقوبات الأمريكية مرحلة ثانية في يوليو 2026، شملت معارضة الولايات المتحدة للقروض أو المساعدات المالية والتقنية للسودان من مؤسسات التنمية متعددة الأطراف.
وهنا تتغير طبيعة القضية جذرياً.
فالقرار العسكري لم يعد يهدد الجنود أو الخصوم العسكريين وحدهم. إذا ترتبت عليه قيود مالية واقتصادية ودبلوماسية تمس الدولة، فإن الفلاح والمعلم والمريض والطالب والنازح واللاجئ وصاحب المشروع الصغير هم الذين قد يدفعون جزءاً من الثمن.
وهذه هي آلية تحويل المجتمع إلى رهينة.
يتخذ مركز ضيق للسلطة القرار، ثم تُوزع تكلفته على أكثر من أربعين مليون إنسان…
ثالثاً: من البشير إلى البرهان — الاختلاف في الأشخاص والاستمرار في بنية التفكير
هنا يصبح استدعاء تجربة عمر البشير ضرورياً:
في 4 مارس 2009 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق البشير، ثم أصدرت مذكرة ثانية في يوليو 2010. وتشمل القضية خمس تهم بجرائم ضد الإنسانية، وتهمتين بجرائم حرب، وثلاث تهم بالإبادة الجماعية مرتبطة بدارفور. وهي، بطبيعة الحال، اتهامات قضائية لم تُحسم بمحاكمة مكتملة لأن البشير لم يُسلَّم إلى المحكمة.
لكن ما يهمنا هنا ليس البشير كشخص فقط، بل رد فعل الدولة.
بعد صدور مذكرة 2009، طردت حكومة السودان 13 منظمة إنسانية دولية وحلت منظمات سودانية، وكان ملايين المدنيين يعتمدون على شبكة المساعدات تلك. وقد حذر الاتحاد الأوروبي آنذاك من أن الطرد يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع المرض والوفيات وتعطيل الرعاية الصحية والتغذية والتحصين.
ولنتأمل المعادلة:
المحكمة تتهم الرئيس؛
الرئيس يغضب؛
الدولة تنتقم من المنظمات الإنسانية؛
والمواطن المدني الجائع في دارفور والهامش هو الذي يدفع الثمن… هذه ليست سيادة، بل سياسة الرهينة!
لقد أصبح بقاء الحاكم ومواجهة مساءلته أهم من حق المواطن في الغذاء والدواء والحماية.
والخطر اليوم أن نرى المنطق نفسه يعاد إنتاجه بصورة مختلفة: كلما ازداد الضغط الدولي، ارتفع خطاب التحدي؛ وكلما ارتفعت تكلفة المواجهة، جرى تقديمها باعتبارها تضحية وطنية يتوجب على الشعب تحملها.
رابعاً: “أنا الدولة” — سيكولوجية المؤسسة التي تخلط بين نفسها والوطن
قال لويس الرابع عشر، وفق العبارة الشهيرة المنسوبة إليه: “أنا الدولة”
وقد انتهت الملكيات المطلقة تاريخياً، لكن الفكرة النفسية التي تقوم عليها لم تنته.
في الدول السلطوية، تتماهى المؤسسة الحاكمة مع الدولة، ثم تتماهى الدولة مع الوطن. ومن هنا تتكون سلسلة خطيرة:
نقد الجيش يصبح نقداً للوطن.
نقد القائد يصبح خيانة.
المطالبة بالتحقيق تصبح استهدافاً للسيادة.
الدعوة لوقف الحرب تصبح دعوة للاستسلام.
Groupthink هذا ما يمكن فهمه عبر ما سماه إرفنغ جانيس
أو التفكير الجمعي المغلق: عندما تحيط القيادة نفسها بشبكة متجانسة تؤكد افتراضاتها، تصبح المعلومات المخالفة تهديداً، والنقد خيانة، والتراجع ضعفاً.
Escalation of Commitment ويضيف علم النفس السياسي مفهوماً آخر: تصعيد الالتزام أو
فالقيادة التي دفعت ثمناً بشرياً هائلاً في حرب فاشلة تصبح أقل استعداداً للتراجع، لأن التراجع يعني الاعتراف بأن تلك التضحيات لم تكن ضرورية. وهكذا تتحول الخسائر السابقة إلى مبرر لمواصلة الحرب، وتصبح الدماء التي أُريقت حجة لإراقة مزيد من الدماء.
خامساً: المشكلة ليست في البرهان وحده
سيكون من الخطأ اختزال أزمة السودان في عبد الفتاح البرهان وحده. فالسودان لم ينتج البشير والبرهان وعبود ونميري وسلسلة الانقلابات العسكرية المتكررة بمحض الصدفة. هناك بنية دولة جعلت المؤسسة العسكرية، منذ الاستقلال، أحد المراكز الأساسية لإنتاج السلطة والثروة والامتياز الاجتماعي والسياسي.
ولهذا ينبغي الانتقال من سؤال: من يحكم السودان؟ إلى سؤال أكثر واقعية: ما الدولة التي يريد الحاكم الحفاظ عليها؟
هنا نصل إلى مفهوم السودان القديم: دولة مركزية شديدة التركيز، اختلط فيها الجهاز العسكري والبيروقراطي والأمني بشبكات اقتصادية واجتماعية وثقافية تكونت تاريخياً حول المركز، بينما دفعت مناطق واسعة من السودان كلفة الحروب والتهميش ونزع الأرض وضعف التنمية وغياب المشاركة العادلة في السلطة.
ولهذا فإن بعض التحالفات التي تقوم حول الجيش ليست مجرد تحالفات عسكرية مؤقتة، بل هي أيضاً تحالفات حول شكل الدولة نفسها، وحول المصالح التي تضمنها هذه الدولة لمن يسيطرون على مؤسساتها.
سادساً: الإسلاميون — الحرب كطريق للعودة
تزداد الصورة وضوحاً مع عودة شبكات النظام السابق إلى مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش والقوات المتحالفة معه، ومشاركة جماعات مرتبطة بالنظام السابق في الحرب إلى جانب القوات المسلحة. كما تكشف تصريحات بعض القيادات الإسلامية عن تصور لمرحلة يظل فيها الجيش ممسكاً بالسلطة، تمهيداً لانتخابات تتيح للإسلاميين العودة إلى المشهد السياسي من دون مساءلة حقيقية عن إرث نظام البشير.
لذلك لا تمثل الحرب بالنسبة إلى بعض هذه القوى مجرد مواجهة عسكرية، بل فرصة لإعادة إنتاج النظام الذي أسقطته انتفاضة الشعب في ديسمبر. وهنا تلتقي مصالح العسكري الذي يريد الاحتفاظ بالسلطة، والإسلامي الذي يسعى إلى العودة، وقطاعات من النخب التي تخشى إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة تبني على المواطنة، وتعيد توزيع السلطة والثروة والاعتراف السياسي. ورغم اختلاف دوافع هذه القوى، فإنها تلتقي عند هدف أساسي: منع التغيير الجذري لبنية الدولة والسلطة في السودان.
سابعاً: النخب النيلية ومشكلة المركز
لكن تحميل الإسلاميين وحدهم مسؤولية الأزمة يعفي تاريخاً أطول من المساءلة، لأن الدولة المركزية السودانية أقدم من انقلاب يونيو 1989
فقد استفادت قطاعات من النخب السياسية والبيروقراطية والاقتصادية التي تشكلت تاريخياً في الوسط النيلي، بدرجات متفاوتة، من دولة شديدة المركزية في توزيع التعليم والوظائف والسلطة والبنية التحتية والفرص الاقتصادية، وكذلك في القدرة على تعريف الهوية الوطنية وتحديد ما يُعتبر ثقافة مركزية وما يُدفع إلى الهامش.
ولا يعني ذلك اتهام سكان جغرافيا بعينها، أو تحويل الصراع السياسي إلى صراع إثني. المقصود هو تحليل تكوين تاريخي للسلطة والامتياز.
وهنا يصبح أنطونيو غرامشي مهماً، لأن الهيمنة عنده كما اسلفنا في مقالات عدة لا تقوم على القوة وحدها، بل على قدرة الجماعات المهيمنة على جعل مصالحها الخاصة تبدو كما لو كانت المصلحة العامة.
وعندئذ يصبح الحفاظ على بنية الدولة القديمة “حماية للدولة”، ورفض إعادة توزيع السلطة “حماية للوحدة”، ومقاومة إعادة بناء جيش جديد “حماية للمؤسسة الوطنية”، والاعتراض على المركزية “تهديداً للسودان”
وهذه هي وظيفة الهيمنة في أكثر صورها نجاحاً: أن ترتدي المصلحة الخاصة ملابس المصلحة الوطنية.
ثامناً: الدولة التي تحمي نفسها من شعبها
أشار فرانز فانون إلى خطر أن ترث النخب الوطنية جهاز الدولة الاستعمارية من دون تغيير بنيته وعلاقته بالمجتمع. وهذا ما يساعد على فهم السودان؛ فالدولة بعد الاستقلال لم تتحول بالكامل من جهاز للسيطرة على الأطراف إلى عقد سياسي بين مواطنين متساوين، ولذلك ظلت الحرب إحدى أدواتها الأساسية: من الجنوب إلى دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، ثم إلى الخرطوم والجزيرة ووسط السودان. والمفارقة أن آلة العنف التي استخدمها المركز طويلاً في الأطراف عادت في النهاية إلى المركز نفسه؛ فالعنف المؤسسي لا يبقى محصوراً في جغرافيا واحدة.
تاسعاً: عندما يصبح الشعب درعاً سياسياً للحاكم
تبدأ المشكلة الأخلاقية عندما يستخدم الحاكم الشعب درعاً لحماية نفسه، فيصبح منطقه: إذا عاقبتموني فقد عاقبتم السودان. لكن السؤال الأجدر بالطرح هو: من منح الحاكم حق تعريض السودان للعقوبات بسبب قرارات اتخذها من دون تفويض من الشعب؟
وإذا وُجهت اتهامات خطيرة، مثل استخدام أسلحة محرمة دولياً، فإن الرد المسؤول هو المطالبة بتحقيق دولي مستقل وشفاف، لا تحويل المساءلة إلى قضية سيادة وكرامة وطنية.
فالسيادة الديمقراطية لا تعني حصانة الحاكم من المحاسبة، بل تعني سيادة الشعب على الحاكم. والدولة ليست ملكاً لمن يسيطر على السلاح ومؤسسات القوة، وإنما تستمد شرعيتها من مواطنيها.
عاشراً: التاريخ الإنساني يحذرنا
لقد اختبرت مجتمعات عديدة هذه المعادلة من قبل.
استخدم سلوبودان ميلوشيفيتش القومية الصربية لتقديم بقاء مشروعه السياسي باعتباره دفاعاً عن الأمة، وانتهت التجربة بالحروب والعزلة والمحاكمات وانهيار مجتمعات كاملة.
كما قدم نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا الضغوط والعقوبات الخارجية لسنوات باعتبارها مؤامرة على البلاد، قبل أن يتضح أن المشكلة الأساسية لم تكن في وجود الضغط الخارجي، بل في نظام داخلي أصبح غير قابل أخلاقياً وسياسياً للاستمرار.
أما السودان نفسه فيقدم المثال الأقرب. فقد تحدى عمر البشير المحكمة الجنائية الدولية والمجتمع الدولي، لكنه لم يذهب وحده إلى العزلة؛ أخذ السودان معه.
حادي عشر: أخطر أشكال الأنانية السياسية
تظهر الأنانية السياسية في أوضح صورها عندما يتخذ الحاكم القرار، ثم يطلب من الشعب أن يدفع ثمنه ويسمي ذلك “صموداً”. فالقيادة المسؤولة لا تُقاس بشجاعة الحاكم الاخرق في تحدي خصومه، بل بقدرته على حماية المجتمع من عواقب قراراته الرعناء.
وهذا ما قصده ماكس فيبر بـأخلاق المسؤولية: لا يكفي أن يقتنع السياسي بصواب موقفه، بل عليه أن يسأل عن نتائجه: كم إنساناً سيموت؟ كم طفلاً سيجوع؟ وكم مؤسسة ومدينة وجيل سيدفع ثمن القرار؟ عندما تتوقف السلطة عن طرح هذه الأسئلة، فإنها لا تقود المجتمع، بل تستخدمه وقوداً لبقائها.
ثاني عشر: السودان ليس ملكاً للجيش ولا للإسلاميين ولا للنخب
السودان ليس ثكنة للجيش، ولا مشروعاً سياسياً للإسلاميين، ولا إرثاً خاصاً للنخب المركزية، ولا ملكية لأي قائد مسلح كان ام مدنياً. السودان ملك مواطنيه.
وعندما تربط قيادة عسكرية مصير ملايين المواطنين ببقائها في السلطة، فإنها لا تحمي السيادة، بل تصادرها من أصحابها. لذلك لم يعد السؤال: من سينتصر عسكرياً؟ بل: ماذا سيتبقى من السودان بعد هذا الانتصار؟
فإذا كان ثمن النصر مدناً مدمرة، وملايين الموتى والنازحين واللاجئين، واقتصاداً منهاراً، ومؤسسات محطمة، ومجتمعاً ممزقاً، فإن ما يسمى “انتصاراً” قد لا يكون سوى هزيمة وطنية كبرى.
ثالث عشر: كسر الحلقة التاريخية وبناء جيش جديد
المطلوب في السودان ليس استبدال جنرال بجنرال، بل تغيير العقلية التي أنتجت الجنرال المتسلط نفسه: عقلية ترى أن حمل السلاح يمنح العسكري مكانة سياسية خاصة، وأن الجيش أحق من المواطنين بتحديد مستقبل الدولة، وأن الضابط يتمتع بحظوة واستحقاق يجعلان سلطته فوق المؤسسات المدنية والقانون.
هذه العقلية ترسخت عبر تاريخ طويل من الانقلابات والامتيازات الاقتصادية والسياسية، حتى أصبح تدخل الجيش في الحكم يُعامل أحياناً كأنه حق مكتسب، لا خروج على وظيفته الدستورية. لذلك فإن إخراج العسكريين من السلطة وحده لا يكفي إذا بقيت الثقافة التي تسمح لهم بالعودة إليها.
السودان يحتاج إلى جيش جديد، لا مجرد إعادة ترتيب وهيكلة الجيش القديم: جيش قومي مهني جديد يعكس تعدد المجتمع السوداني، مهمته حماية المواطنين والدستور والحدود، لا حكم البلاد أو إدارة الاقتصاد أو تحديد هويتها السياسية. جيش يخضع للسلطة المدنية المنتخبة، وتكون عقيدته العسكرية قائمة على أن السلاح تكليف دستوري لا امتياز سياسي، وأن الضابط مواطن يؤدي وظيفة عامة، لا وصيّ على المواطنين.
ولهذا فإن إعادة تأسيس السودان وإعادة بناء مؤسسة عسكرية جديدة مشروع واحد. فلا يمكن بناء دولة ديمقراطية بعقلية عسكرية ترى نفسها فوق الدولة، ولا يمكن حماية الديمقراطية بجيش يعتبر السلطة السياسية جزءاً من استحقاقه التاريخي.
اخيرا: لا تجعلوا السودان رهينة مرة أخرى
التشابه الأخطر بين تجربة البشير وما يتشكل حول البرهان في هذا الوقت ليس في تطابق الرجلين أو أوضاعهما القانونية، بل في منطق السلطة: رفض المساءلة، وتحويل الضغط على الحاكم إلى اعتداء على الوطن، واستخدام السيادة غطاءً للإفلات من المحاسبة، ثم مطالبة الشعب بتحمل نتائج قرارات لم يشارك في اتخاذها.
لقد دفع السودانيون ثمن هذا المنطق من قبل. فعندما واجه البشير المحكمة الجنائية الدولية، لم يكن المواطن هو من ارتكب الجرائم التي اتُهم بها النظام، ولا هو من اختار المواجهة والعزلة، لكنه تحمل نتائج تلك السياسات. ولا ينبغي السماح بتكرار ذلك اليوم.
كما أن الجيش الذي يجعل بقاءه في السلطة السياسية أهم من سلامة المجتمع يحتاج إلى إعادة بناء علاقته بالدولة، والنخب التي تقبل استمرار الحرب خوفاً من سودان جديد يعيد توزيع السلطة والثروة والاعتراف لا تدافع عن الوطن بقدر ما تدافع عن موقعها في السودان القديم.
لذلك يجب قلب السؤال: ليس كيف نحمي الحاكم من العقوبات؟ بل كيف نحمي الشعب من أن يحوله حكامه إلى رهينة لقراراتهم؟
فالبرهان سيذهب يوماً كما ذهب البشير، والجنرالات والحكومات والنخب تتغير، لكن السودان سيبقى أمام خيار تاريخي: إما إعادة إنتاج دولة تجعل المواطنين يدفعون ثمن بقاء حكامها، أو تأسيس دولة يكون فيها الإنسان أهم من الحاكم، والمواطن أعلى من الجنرال، والقانون أقوى من البندقية.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)



