
الصمت: الفضاء الذي يولد منه الكلام

الصمت !!
ليس الصمت النقيض المطلق للنطق وإنما الصمت هو الفضاء الذي يتشكل من خلاله الكلام ، نحن لا نتكلم الا لأننا في حالة صمت ، ولذا فالصمت العميق هو دلالة النطق العميق. لا يأتي النطق الا من جهة الصمت ، فجذر النطق يمتد عميقا الي هاوية الصمت ، ولذا قال الشاعر ” ان يكن الصمت رهيباً إن في الصمت كلاما ” . وقال النفري قولته المشهورة:” كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة ”
فالعبارة هو ضيق الرؤية، ذلك ان العبارة هي وعي الرؤية، وفي المقابل فإن الرؤية هي سعت ورحاب العبارة ووسعها، بما انها لاوعي العبارة، فهي الفضاء الشائع الذي يحتوي العبارة. ومن هذه فحسب فإن الرؤية هي الصمت ، والعبارة هي النطق . فيكون الصمت هو لاوعي النطق، وهو عمق النطق، وسعة النطق، والفضاء اللانهائى للنطق . ومن هذا فالصمت هو العمق ، وهو الوجود في ذاته ، اي الخلفيه التي التي منها يكون النطق ممكناً . فالصمت هو الكلام العميق … ولذا لا يجيد الكلام إلا من يجيد الصمت .
ومن هنا فالصمت ليس الفراغ ، ولا الخفاء ، ولا الخرس ، وإنما الصمت هو عمق الإمتلاء، وعمق الوضوح ، وعمق التعبير .
الصمت هو الفضاء الممكن لكل تعبير ، وبالتالي هو إمكانية كل تعبير ، ويحتوي كل تعبير ، ومن هنا فإن كل تعبير هو صمت ناقص ، وكل صمت هو تعبير كامل .
فكل كلام يحمل الصمت في جوفه وبداخله ولذا في أثناء الكلام يحدث تقطيع، مسافة، فراغ ، بمعني صمت ؛ وهذا الصمت ( الفراغ ، المسافة، التقطيع ) بين الكلام هو ما يجعل الكلام ممكناً .وفي المقابل فكل صمت يتخلله كلام .
فالصمت هو شاعرية الكلام والنطق، لما في الصمت من كثافة ، وبالتالي فرادة ونوعية ؛ ولذا الوجود الأصيل والفريد والإستثنائي هو وجود يتأسس في الصمت ومع الصمت .
ان من يتكلم يحتاج الي من يصمت لكي يسمعه، اي ان الكلام يستدعي الصمت . فلكي نسمع الكلام علينا الصمت . ومن هنا الفم يحتاج الي الإذن الذي يسمعه، ولا يسمع الإذن الا عن الطريق الصمت
خالد تورين



