تحليل سياسيعلوم

هل استطاع المشروع السياسي السوداني الموروث من المستعمر أن يتحول إلى مشروع وطني؟

عبدالله ديدان

ليس كل مشروع سياسي يرفع شعار الوطن يصبح بالضرورة مشروعًا وطنيًا. فالوطنية ليست مجرد الدفاع عن وحدة الأرض أو الاحتفال بالاستقلال، وإنما هي القدرة على بناء دولة يشعر جميع مواطنيها بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن الدولة تمثلهم جميعًا، وليست حكرًا على جماعة أو منطقة أو ثقافة بعينها.

من هذه الزاوية، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل كان المشروع السياسي الذي تأسست عليه دولة السودان بعد تسوية الاستقلال مشروعًا وطنيًا يعبر عن كل السودانيين، أم كان مشروعًا لنخب وطنية سعت إلى بناء الدولة وفق تصورها الخاص للسودان؟

فالاستقلال لا يعني بالضرورة اكتمال المشروع الوطني، ما لم يحقق دولة المواطنة والعدالة والمساواة في الحقوق والواجبات. وقد تم إعلان تسوية الاستقلال في الأول من يناير 1956، وكان يفترض أن يكون ذلك بداية الانتقال إلى بناء الدولة الوطنية التي تؤسسها الشعوب السودانية وفق إرادات تنوعها؛ لأن الاستقلال السياسي عن الاستعمار لا يساوي تلقائيًا بناء الدولة الوطنية.

فالدولة الوطنية تحتاج إلى أكثر من رفع العلم وتبنّي مؤسسات الحكم التي خلّفها المستعمر. ولتأسيس دولة وطنية، لا بد من عقد اجتماعي يعرّف المواطنة، ويحفظ التوازن بين الشعوب السودانية، ويحدد الحقوق والواجبات الوطنية، ويضع أسس إدارة التنوع والتعددية، وكيفية توزيع السلطة والثروة بعدالة بين السودانيين، وما موقع الأقاليم والثقافات واللغات والأديان المختلفة في مشروعية وجود الدولة نفسها ونظام حكمها.

إلا أن ذلك لم يحدث. فظهرت المشكلة مبكرًا في نسق دولة منهارة وفاشلة في أن تكون دولة وطنية منذ اليوم الأول. فقد ورثت النخب والصفوة السودانية دولة ذات حدود سياسية ومؤسسات إدارية خلّفها المستعمر، لكنها لم تمتلك مشروعًا متوافقًا عليه بين الشعوب السودانية لبناء أمة سياسية تتجاوز الانقسامات التاريخية والثقافية والإثنية والدينية.

فالنخب والصفوة، بمشروعها السياسي الذي أنتجته حقبة الاستعمار، لم تعمل على صياغة وتأسيس دولة ذات هوية وطنية تستوعب هذا التنوع، فكان أن قررت المضي بمشروعها السياسي في طريق آخر. فبدلًا من الشروع في تأسيس الوطن، قررت العمل على خلق تصور مركزي للوطن، لا يعترف بالتنوع ولا يقرّه كأساس تُبنى عليه الدولة بإرادة شعوبها.

المشكلة لم تكن في غياب الوطنية لدى السودانيين، وإنما في احتكار تعريف الوطنية، وسيطرة قوى سياسية وثقافية واقتصادية وعسكرية على مشروع الدولة، يتمحور حولها هي فقط، وفرض شروط تبعية على أغلبية الشعوب السودانية.

فالنخبة والصفوة التي ورثت مؤسسات الدولة الاستعمارية أصبحت صاحبة القدرة الأكبر على تحديد شكل الدولة وهويتها ولغتها وثقافتها ومركزها السياسي. وبمرور الوقت، تحول تصور مجموعة محددة للسودان إلى ما يشبه التصور الرسمي للسودان كله.

وهنا نشأ التناقض: تمت صناعة دولة سودانية في اسمها، لكنها لم تكن سودانية في تمثيلها لكل شعوبها.

هذه النخب، بمشروعها السياسي الذي تتبناه وتعمل به، خلقت دولة مركزية سياسيًا واقتصاديًا، وهمّشت أكثر من 75% من أقاليم السودان، وأنتجت الصراع حول تعريف الهوية السودانية، بإصرارها على إلغاء الهويات الأخرى من مشروع تأسيس الدولة.

لذلك يمكن القول إن أزمة الدولة السودانية تكمن في أن المشروع الذي قادته النخب والصفوة التي ورثت دولة المستعمر لم يكن مشروعًا وطنيًا يعبر عن مواطنة كل الشعوب السودانية.

وهنا ينبغي أن نرى حقيقة الأشياء بدلًا من تغطيتها بالعويش ومنهج «دفن الليل أب كراعًا برّه». فحين تضطر شعوب من مواطني الدولة إلى حمل السلاح لعقود من أجل المطالبة بالمساواة أو الحكم الذاتي أو إعادة تعريف الدولة، كما حدث في الجنوب منذ العام 1955، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف الرفض، فإن المشكلة لا تكون أمنية فقط، كما ظل يتعامل معها المجتمع السياسي النخبوي المسيطر على الدولة، وإنما تكمن المشكلة في جوهرها في أزمة بنيوية في المشروع الوطني للدولة نفسها.

حتى يصبح السؤال: دولة من؟

النخبة السياسية وريثة المستعمر ومجتمعها السياسي تعاملت مع السودان باعتباره امتدادًا للفضاء العربي الإسلامي، بينما نجد أن أغلبية الشعوب السودانية تحمل جذورًا وهويات إفريقية ومحلية وثقافية ودينية متعددة.

المشكلة ليست في انتماء بعض السودانيين إلى هوية الفضاء العربي أو الإسلامي؛ فهذا جزء حقيقي من تركيبة بلادنا الحضارية. لكن الأزمة بدأت وتجذرت عندما تم تحويل جزء من هوية المجتمع إلى معيار لتعريف الدولة والمواطنة.

فالدولة الوطنية لا تستطيع أن تقول لمواطنها: لكي تكون سودانيًا كاملًا، عليك أن تنتمي إلى الهوية التي تحددها السلطة أو النخبة السياسية ومجتمعها الثقافي.

لذلك، عندما شكّلت الدولة وعيًا سلطويًا بالهوية والمواطنة السودانية، وربطته بصورة حصرية بالهوية العربية الإسلامية، جعل هذا النهج أغلبية الشعوب تجد نفسها خارج تعريف الدولة لهويتها الوطنية.

فعندما تتركز السلطة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في المركز، بينما تصبح الأطراف مجرد خزانات للموارد أو ساحات للتجنيد العسكري، فإن الدولة تفقد واقعيًا صفتها الوطنية.

وهذا ما يفسر لماذا لم تكن الحرب في السودان حدثًا استثنائيًا واحدًا، وإنما واقعًا متكررًا امتد من الجنوب إلى دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق والشرق، حتى وصلت إلى قلب السودان.

هذا يقول بكل وضوح إن المشروع السياسي القديم، بمجتمعه السياسي، لم يكن مشروعًا سياسيًا أنتجته السيادة الوطنية وإرادة شعوبها السودانية لتأسيس وبناء دولة المواطنة التي تعبر عن تنوع شعوبها.

خلاصة القول: لم تكن هناك دولة وطنية بالمعنى الحقيقي للدولة، وهذا يعني بالضرورة إعادة تأسيس الدولة، وإعادة تعريف العلاقة بينها وبين شعوبها، بحيث تكون قائمة على أساس الحقوق، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وإعادة تأسيس المؤسسات، والاعتراف بالمظالم التاريخية، وتحقيق العدالة، وإعادة صياغة عقد اجتماعي جديد، ونظام حكم يستند إلى مشروعية دولة التنوع؛ أي دولة المواطنة التي لا تفرض قيمًا بعينها لتعريف الهوية الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى