علوم

لو استمع لينكولن إلى نصيحة د. عبد الله علي إبراهيم… هل كان الرق سيستمر؟ هل تكفي الديمقراطية الليبرالية وحدها؟

خالد كودي

1/8/2026 خالد كودي،

قراءة في مقال د. عبد الله علي إبراهيم، وحركة الحقوق المدنية الأمريكية، وشروط السلام المستدام:
في الذكرى الحادية والعشرين لرحيل الدكتور جون قرنق دي مابيور، تتجدد الأسئلة التي شكلت جوهر الصراع السوداني:
هل تكفي الديمقراطية الليبرالية وحدها لبناء سلام مستدام، أم أن الديمقراطية لا تستقيم إلا بعد إعادة تأسيس الدولة على مبدأ المواطنة المتساوية؟
وفي هذا السياق، أعاد الدكتور عبد الله علي إبراهيم، في 31 يوليو 2026، نشر مقاله الذي كتبه عام 1988 بعنوان “انتخبوا ابن الدائرة عقيد (م) جون قرنق” كما يقول. ولا تكتسب إعادة نشر المقال أهميتها من بعدها التاريخي فحسب، بل لأنها تعكس رؤية ما تزال سائدة بين قطاعات واسعة من النخب السودانية؛ رؤية ترى أن إصلاح الديمقراطية كافٍ، بينما كان جون قرنق يرى أن الأزمة تبدأ من طبيعة الدولة نفسها.
يمكن تلخيص أطروحة المقال في النقاط الآتية:
– يدافع عن الديمقراطية الليبرالية البرلمانية باعتبارها الإطار الأمثل لمعالجة الأزمة السودانية، رغم بطئها وتعقيداتها
– يرى أن استمرار النظام الديمقراطي كان أفضل من اللجوء إلى الحرب والعمل المسلح لتحقيق التغيير
– يعتبر أن الحركة الشعبية أخطأت عندما اختارت العمل العسكري بدلاً من المنافسة داخل النظام الديمقراطي، ويرى أن المدن تُنتزع عبر صناديق الاقتراع لا عبر البنادق.
– يشيد بموقف الصادق المهدي لتمسكه بالنظام البرلماني رغم أزماته، ويعتبر أن حماية الديمقراطية كانت أولى من البحث عن بدائل ثورية.
– يقارب التجربة الأمريكية بوصفها دليلاً على أن الديمقراطية الليبرالية، رغم بطئها، قادرة على تصحيح نفسها من الداخل، ويستنتج من ذلك أن السودان كان ينبغي أن ينتظر تطور نظامه البرلماني بدلاً من اللجوء إلى الثورة المسلحة، متجاهلاً أن التجربة الأمريكية نفسها لم تُنهِ الرق، ولم تُحقق المواطنة المتساوية، إلا بعد الحرب الأهلية، والتعديلات الدستورية، ثم قرن كامل من نضال حركة الحقوق المدنية.
– يدعو إلى الصبر على تطور النظام الليبرالي، ويرى أن تعقيدات السودان القومية والتنموية والديمقراطية ينبغي أن تُعالج تدريجياً داخل المؤسسات الديمقراطية.
هذه، في جوهرها، هي أطروحة المقال.
غير أن المشكلة لا تكمن فيما يقوله المقال عن الديمقراطية، وإنما فيما يفترضه مسبقاً عن الدولة التي يفترض أن تعمل داخلها الديمقراطية، ولنناقشه في هذا!

السؤال الذي غاب عن المقال:
ينطلق مقال د. عبد الله علي إبراهيم من فرضية أن المعضلة الأساسية في السودان كانت حماية الديمقراطية الليبرالية من الانهيار. غير أن هذه الفرضية تتجاوز سؤالاً يسبق الديمقراطية نفسها، وهو السؤال الذي أدركه جون قرنق مبكراً، وجعل منه محور مشروع السودان الجديد:
ديمقراطية من؟ ولمن؟ وداخل أي دولة؟
فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع معلقاً في الفراغ، ولا مجرد آلية لتداول السلطة بين المتنافسين. وكما يؤكد جون رولز
فإن شرعية الديمقراطية لا تبدأ بحكم الأغلبية، وإنما بالمبادئ التي تضمن المساواة بين المواطنين قبل أن تبدأ الأغلبية في الحكم. ولهذا كتب رولز أن “العدالة هي الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية”، أي أن المؤسسات لا تكتسب مشروعيتها من الانتخابات وحدها، بل من عدالتها في الأصل.
Ronald Dworkin وهذا ما عبر عنه أيضاً رونالد دوركين
Rights as Trumps عندما أكد أن الحقوق ليست امتيازات تمنحها الأغلبية، بل هي “أوراق رابحة”
تقيد سلطة الأغلبية نفسها. ولذلك لا يجوز أن يكون الاعتراف بالمواطنة الكاملة أو بحرية الاعتقاد أو بالمساواة رهناً بنتائج الانتخابات أو مزاج الأغلبية السياسية.
ومن هنا يصبح السؤال الذي تجاهله المقال أكثر وضوحاً: هل كانت الدولة السودانية التي ورثت الاستقلال دولة تقوم على المساواة بين مواطنيها حتى يصبح الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية كافياً؟ أم أنها كانت دولة قامت، منذ نشأتها، على تفاوت بنيوي في تعريف المواطنة والهوية والسلطة؟
وهنا بالتحديد يبدأ مشروع السودان الجديد، لا من رفض الديمقراطية، وإنما من إعادة تعريف الشروط التي تجعل الديمقراطية ممكنة وعادلة…
لقد أدرك د. جون قرنق، ويوسف كوة مكي، ويواصل عبد العزيز الحلو وآخرون الدفاع عن هذه الرؤية، أن مشكلة مواطني جنوب السودان، وجبال النوبة، والنيل الأزرق لم تكن أنهم حُرموا من الديمقراطية، بل أنهم حُرموا أولاً من المواطنة الكاملة. فالديمقراطية لا تُنصف من يدخلها مواطناً من الدرجة الثانية. ولهذا لم يكن مشروع السودان الجديد بحثاً عن انتخابات داخل الدولة القديمة، بل مشروعاً لإعادة تأسيس الدولة نفسها، بحيث يصبح جميع السودانيين متساوين أمام الدستور قبل أن يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع. ففي غياب هذه المساواة التأسيسية، لا تتحول الانتخابات إلى أداة للعدالة، بل قد تصبح وسيلة لإضفاء الشرعية على بنية التمييز القائمة.
فما قيمة صندوق الاقتراع إذا كانت الدولة نفسها تعرف الوطن من خلال ثقافة واحدة، ودين واحد، ولغة مهيمنة، وتضع بقية المواطنين في موقع من ينتظر الاعتراف بحقوقه؟ وما قيمة التداول السلمي للسلطة إذا كانت قواعد الدولة نفسها تجعل بعض المواطنين أقرب إلى السلطة والثروة والكرامة من غيرهم؟
ولهذا كان قرنق يميز دائماً بين تغيير الحكومة وتغيير الدولة. فالحكومة يمكن أن تتغير عبر الانتخابات، أما الدولة فلا تتغير إلا عندما يُعاد تأسيس عقدها الدستوري على أساس المواطنة المتساوية. وهو ما يلتقي مع ما كتبه يورغن هابرماس
عندما رأى أن شرعية الدولة الحديثة لا تستند إلى هوية إثنية أو دينية مشتركة، وإنما إلى وطنية دستورية
(Constitutional Patriotism)
تجعل الولاء للمبادئ الدستورية أعلى من الولاء للهويات الموروثة.
السودان، دولة لم تكن محايدة:
ومن هذه الزاوية، تكشف قراءة مقال د. عبد الله علي إبراهيم، في سياقه الفكري والسياسي، انحيازاً إلى الإطار الدستوري والثقافي الذي قامت عليه دولة السودان بعد الاستقلال أكثر مما تكشف عن مساءلة هذا الإطار نفسه. فالدولة السودانية لم تتأسس على حياد دستوري تجاه مواطنيها، وإنما على نموذج جعل الثقافة العربية الإسلامية المرجعية المهيمنة لتعريف الوطن، وصياغة الهوية الوطنية، وتحديد سقف الحقوق الذي يمكن أن تناله بقية المجموعات.
ولذلك لم يكن الجنوبي، أو النوبي في جبال النوبة، أو المواطن في النيل الأزرق، يطالب بامتيازات خاصة، بل كان يطالب بأن يصبح مواطناً كاملاً في دولة لا تشترط عليه أن يقترب من ثقافة المركز حتى يُعترف بحقوقه. ولم تكن المشكلة في نقص الديمقراطية الإجرائية، وإنما في أن قواعد الدولة نفسها لم تكن محايدة.
وهذا ما يفسر أن جون قرنق لم يرفع السلاح لأنه خسر انتخابات، وإنما لأنه رأى أن الدولة، في بنيتها الدستورية والثقافية، لا تسمح أصلاً بقيام مواطنة متساوية. ومن دون تغيير هذه البنية، كان التداول الديمقراطي للسلطة يعني، في أحسن الأحوال، تداول النخب نفسها داخل الدولة ذاتها، لا تحولاً في طبيعة الدولة.
وقد عبر تشارلز تايلور عن هذه الفكرة حين أوضح أن الاعتراف ليس مجاملة أخلاقية، بل شرطاً أساسياً لتكوين المواطنة الحديثة؛ فحين تعجز الدولة عن الاعتراف المتساوي بجميع مواطنيها، فإنها تعيد إنتاج الإقصاء، حتى وإن أجرت انتخابات دورية.
ومن هنا، فإن جوهر الأزمة السودانية لم يكن في كيفية تنظيم الانتخابات، بل في طبيعة الدولة التي تُجرى داخلها الانتخابات. فالسؤال الحقيقي لم يكن: كيف ننتخب؟ وإنما: هل يدخل جميع السودانيين إلى صندوق الاقتراع بوصفهم مواطنين متساوين في الحقوق والكرامة، أم أن الدولة كانت قد رتبتهم في مراتب مختلفة قبل أن تبدأ العملية الديمقراطية؟
وهذا هو السؤال الذي أدركه مشروع السودان الجديد مبكراً، بينما ظل جزء معتبر من النخب السودانية بيمينهم ويسارهم ووسطهم منشغلاً بالدفاع عن الديمقراطية داخل دولة لم تكن، في أصلها، دولة مواطنة متساوية.
وهذا هو السؤال الذي لا يمكن تجاوزه إذا أريد للديمقراطية أن تكون طريقاً إلى السلام، لا وسيلة لإعادة إنتاج الامتيازات التاريخية.

هل كان على جون قرنق أن ينتظر؟
هنا تكمن إحدى الثغرات الأساسية في طرح د. عبد الله علي إبراهيم. فالدعوة إلى انتظار تطور الديمقراطية الليبرالية تفترض أن الزمن وحده كان سيقود إلى تصحيح اختلالات الدولة. لكن انتظار ماذا، ولصالح من؟ هل كان على مواطني جنوب السودان أن ينتظروا حتى تقرر النخب المركزية، طوعاً، الاعتراف بإنسانيتهم وبمواطنتهم المتساوية؟
لم تكن تجربة السودان تشير إلى مثل هذا الاحتمال. فقد أثبتت الدولة، عبر عقود، أنها كانت تعيد إنتاج البنية نفسها التي تقوم على التفاوت في المواطنة والسلطة. ولذلك لم يكن تمرد جون قرنق والحركة الشعبية عبر الثورة المسلحة رفضاً للديمقراطية أو للانتخابات، بل رفضاً للدولة التي سبقت الانتخابات، والتي جعلت ملايين السودانيين يدخلون العملية السياسية وهم لا يتمتعون بالمواطنة الكاملة. ومن هنا كان مشروع السودان الجديد مشروعاً لإعادة تأسيس الدولة أولاً، حتى تصبح الديمقراطية، لأول مرة، تعبيراً عن مساواة حقيقية بين المواطنين، لا وسيلة لإعادة إنتاج اختلالاتها.

من مذكرة “كرام المواطنين” إلى الحقوق المتدرجة والمؤجلة:
إن الدعوة إلى تأجيل الحقوق الأساسية وتدريجها ليست جديدة في التاريخ السوداني، بل تكاد تكون سمةً ملازمة لخطاب النخب المركزية منذ وقت مبكر. ومن أوضح تجليات هذا المنهج مذكرة “كرام المواطنين” الصادرة في 6 مارس 1925، التي دعت، باسم الحفاظ على الاستقرار ومراعاة “الواقع”، إلى التريث في منح الحقوق السياسية الكاملة للفئات المهمشة، وربطت المساواة بتقدير النخب الحاكمة للوقت الذي تراه مناسباً، بدلاً من اعتبارها حقاً دستورياً أصيلاً يترتب على المواطنة نفسها. وهكذا لم يكن جوهر المذكرة الاعتراف بالمساواة، بل تأجيلها، بحيث تظل حقوق المواطنين رهينة لإرادة المركز والنخب التي احتكرت تعريف الدولة والوطن وحدود الحقوق الممكنة.
من ستة عقود، يختلف السياق السياسي، لكن المنطق يتكرر. فالدعوة التي يقدمها د. عبد الله علي إبراهيم إلى الاكتفاء بالديمقراطية الليبرالية وتأجيل حسم القضايا التأسيسية، وعلى رأسها حياد الدولة تجاه الأديان والمواطنة المتساوية، تنطلق من الفرضية نفسها: انتظروا حتى تنضج الديمقراطية، أو حتى يقتنع المجتمع، أو حتى تقبل الأغلبية. غير أن السؤال الأخلاقي والسياسي يبقى واحداً: من الذي يُطلب منه الانتظار؟ فالانتظار لا يُفرض على من يتمتعون بكامل حقوقهم، بل على من حُرموا منها.
وهذه ليست خصوصية سودانية، بل هي الحجة التي استخدمتها القوى المحافظة في الولايات المتحدة طوال القرن التاسع عشر. فقد دعت إلى تأجيل إلغاء الرق بحجة حماية الاتحاد، ثم دعت إلى تأجيل المساواة بحجة السلم الأهلي، ثم دعت إلى تأجيل الحقوق المدنية بحجة أن المجتمع لم ينضج بعد. وهي الحجة نفسها التي استخدمتها الإمبراطوريات الأوروبية لتبرير استمرار الاستعمار، بزعم أن الشعوب المستعمرة ليست مستعدة بعد للحكم الذاتي. وفي كل مرة، لم يكن التدرج يعني الاقتراب من العدالة، بل إطالة عمر نظام الامتيازات القائم.
ولهذا لم تكن رؤية جون قرنق ومشروع السودان الجديد دعوة إلى تجاوز الديمقراطية، بل إلى تجاوز الدولة التي جعلت الديمقراطية تعمل داخل بنية غير متساوية. فقد أدرك قرنق أن المشكلة لم تكن في غياب الانتخابات، وإنما في أن مواطن جنوب السودان، أو جبال النوبة، أو النيل الأزرق، او دارفور او الشرق لم يكن يدخل المجال السياسي مواطناً كاملاً، بل يدخل إليه من موقع حدّدته مسبقاً بنية الدولة نفسها. ولذلك لم يكن مطلبه تأجيل الحقوق حتى تقتنع النخب، بل إعادة تأسيس الدولة بحيث تصبح المواطنة مصدراً للحقوق، لا رضا المركز أو قبول الأغلبية.
وهذا هو الدرس الذي تؤكده التجارب المقارنة جميعها: فالحقوق الدستورية الكبرى لم تُولد عندما اقتنعت النخب بالتخلي عن امتيازاتها، بل عندما أصبحت تلك الامتيازات غير قابلة للاستمرار أمام قوة النضال والتحول التاريخي. ومن ثم، فإن تأجيل المساواة باسم الواقعية السياسية ليس حياداً، بل هو، في جوهره، انحياز لاستمرار البنية التي أنتجت عدم المساواة.

لو تُركت المساواة للتصويت!
تقدم التجربة الأمريكية أحد أهم الدروس في الفكر الدستوري الحديث حول حدود الديمقراطية الإجرائية. فلو تُرك مصير الرق لإرادة الأغلبية في الولايات الجنوبية قبل اندلاع الحرب الأهلية عام 1861، فمن المرجح أن الأغلبية البيضاء كانت ستصوت للإبقاء عليه، لأنها كانت المستفيد الاقتصادي والسياسي المباشر من ذلك النظام. ولهذا لم يُنه الرق عبر استفتاء شعبي، وإنما حُسم بالقوة الدستورية التي أعقبت الحرب الأهلية: التعديل الثالث عشر (1865) الذي ألغى الرق، والتعديل الرابع عشر (1868) الذي أرسى مبدأ المواطنة المتساوية والحماية المتساوية أمام القانون، والتعديل الخامس عشر (1870) الذي منع حرمان المواطنين من حق التصويت بسبب العرق. أي إن الولايات المتحدة لم تنتظر حتى تقتنع الأغلبية بأن المساواة حق، بل جعلت المساواة التزاماً دستورياً يقيد إرادة الأغلبية نفسها.
ومن هذا المنظور، يثير طرح د. عبد الله علي إبراهيم إشكالية جوهرية. فالدعوة إلى الاكتفاء بالديمقراطية الليبرالية وتأجيل حسم القضايا التأسيسية، أو تركها لتطور التوافق السياسي والاجتماعي، تعني عملياً أن الفئات التي تشكلت داخل الدولة القديمة، والتي تمتعت تاريخياً بالسيطرة على مؤسسات السلطة والثروة وتعريف الهوية الوطنية، تظل هي صاحبة القرار في تحديد متى ينال الآخرون حقوقهم الدستورية الكاملة. وهذا هو المنطق نفسه الذي واجهه جون قرنق؛ إذ كان يرى أن مواطن جنوب السودان، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور والشرق لا يمكن أن يكون مواطناً كاملاً إذا ظلت حقوقه الأساسية رهينة لقبول النخب المركزية أو استعدادها للتخلي عن امتيازاتها التاريخية.
ولهذا لم تكن رؤية السودان الجديد رفضاً للديمقراطية، بل رفضاً لأن تعمل الديمقراطية داخل دولة لم تكن محايدة تجاه مواطنيها. فالمشكلة لم تكن في صندوق الاقتراع، بل في أن قواعد الدولة نفسها كانت، وفق هذا التحليل، تمنح بعض المواطنين موقعاً متميزاً في تعريف الوطن والسلطة، بينما تجعل آخرين ينتظرون اعتراف المركز بحقوقهم. وكما لم يكن ممكناً أن يُترك إنهاء الرق لإرادة الأغلبية المستفيدة منه، فإن السؤال الذي طرحه مشروع السودان الجديد كان: هل يجوز أن تُترك المساواة الدستورية لمواطني جنوب السودان، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور رهناً بإرادة النخب التي استفادت من بنية الدولة القائمة؟ وهنا يكمن الفارق بين ديمقراطية تدير الدولة القائمة، وديمقراطية تبدأ بإعادة تأسيسها على مبدأ المواطنة المتساوية.

عندما تنتخب الديمقراطية الاستبداد:
وتؤكد التجربة الألمانية الفكرة نفسها. فقد وصل أدولف هتلر إلى السلطة عام 1933 عبر آليات دستورية وانتخابية، ثم استخدم المؤسسات الديمقراطية نفسها للقضاء على الديمقراطية…
Militant Democracy ولهذا جاءت الجمهورية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية بمفهوم “الديمقراطية المحصنة
التي تجعل بعض المبادئ فوق إرادة الأغلبية، فالانتخابات وحدها لا تحمي الحرية!

الثورة ليست نقيض الديمقراطية
يُصوِّر مقال د. عبد الله علي إبراهيم الثورة، والثورة المسلحة وكأنها نقيض للممارسة الديمقراطية، أو اختصارٌ للطريق الذي كان ينبغي أن يمر عبر صندوق الاقتراع. غير أن التاريخ الدستوري الحديث يقدم درساً مختلفاً تماماً. فالحرب الأهلية الأمريكية فتحت الطريق لإلغاء الرق والتعديلات الدستورية المؤسسة للمواطنة المتساوية. وحركة الحقوق المدنية أجبرت الدولة الأمريكية على تنفيذ تلك المبادئ بعد قرن من المماطلة. وفي جنوب أفريقيا، لم يسقط نظام الفصل العنصري لأنه اقتنع بالمساواة، بل لأن نضال الأغلبية السوداء فرض إعادة تأسيس الدولة بدستور جديد.
أي إن الثورات الكبرى لم تكن بديلاً للديمقراطية، وإنما كانت اللحظة التاريخية التي أعادت تعريف من يحق له أن يكون مواطناً كاملاً داخل الديمقراطية.
وهذا هو السياق الذي ينبغي أن تُفهم فيه ثورة الهامش في السودان. فهي لم تنشأ رفضاً للديمقراطية الليبرالية، بل احتجاجاً على دولة لم تكن ديمقراطية إلا بالنسبة إلى من اعترفت بهم مواطنين كاملي الحقوق. فلو كانت النخب المركزية مستعدة، عبر الممارسة الديمقراطية وحدها، للتخلي عن الامتيازات التي قامت عليها دولة السودان القديم، ولإقرار المواطنة المتساوية، والعلمانية، والعدالة التاريخية، وإعادة توزيع السلطة والثروة، لما استمرت الحرب كل هذه العقود.
لكن التجربة السودانية تشير إلى نمط مختلف؛ إذ لم تواجه قطاعات واسعة من النخب مطالب إعادة التأسيس بالمراجعة، وإنما بالمقاومة، وبمحاولات التأجيل، وبإعادة إنتاج الخطاب نفسه الذي يجعل المساواة قضية مؤجلة إلى حين “نضج المجتمع” أو “استقرار الأوضاع”. وهكذا ظل المطلوب من الضحايا أن ينتظروا، بينما ظل أصحاب الامتيازات يمارسون امتيازاتهم بوصفها أمراً طبيعياً.
ومن هنا جاءت ثورة الهامش لتكسر هذا الجمود التاريخي، لا لتلغي الديمقراطية، بل لتجعلها ممكنة. فقد كان لا بد من تحريك المياه الراكدة، وفرض سؤال المواطنة المتساوية على المجال السياسي السوداني، حتى تدرك النخب أن الدولة التي تقوم على وجود مواطنين من درجات مختلفة ليست دولة قابلة للاستمرار، وأن الامتيازات التي تُبنى على حرمان الآخرين من حقوقهم الكاملة ليست أساساً للاستقرار، بل وصفة دائمة لإعادة إنتاج الصراع. فالثورة، بهذا المعنى، لم تكن نقيض الديمقراطية، وإنما كانت الطريق إلى ديمقراطية دستورية لا تُترك فيها المساواة لإرادة النخب أو لتقلبات الأغلبية، بل تصبح حقاً فوق دستورياً لا يملك أحد مصادرته.

من الذي يُطلب منه الصبر؟
هنا تكمن المعضلة الأخلاقية والسياسية. فالخطاب الذي يدعو إلى التدرج لا يطلب من أصحاب الامتيازات أن يتنازلوا عن امتيازاتهم بالتدريج، ولا يطالب النخب بأن تؤجل احتكارها للسلطة والثروة، وإنما يطالب المظلومين وحدهم بأن يؤجلوا حقوقهم. يُطلب من المهمشين أن ينتظروا حتى “ينضج” المجتمع، وحتى تقتنع النخب بالمساواة، وحتى يحين “الوقت المناسب”. لكن هذا الوقت المناسب لا يأتي أبداً، لأن تأجيل العدالة كان، في كثير من الأحيان، الوسيلة التي استمرت بها بنية الظلم.
) هذه المعضلة بدقة في رسالته من سجن بيرمنغهامMartin Luther King Jr.( وقد شخص مارتن لوثر كينغ الابن
حين كتب أن أكبر عقبة أمام الحرية لم تكن المتطرفين، بل “المعتدل” الذي يفضل النظام على العدالة، ويقول للمظلوم: انتظر وقتاً أكثر ملاءمة. فالتأجيل، في مثل هذه الحالات، ليس موقفاً محايداً، بل انحياز إلى الوضع القائم…
وهذا هو ما تكشفه التجربة السودانية أيضاً. فكلما طالبت الشعوب المهمشة بالمواطنة المتساوية، أو بعلمانية الدولة، أو بالعدالة التاريخية، أو بإعادة تأسيس الدولة، لم يكن الرد رفض هذه المبادئ صراحة، بل المطالبة بتأجيلها بحجة الأولويات أو الواقعية السياسية أو الحفاظ على الاستقرار وما اليه. وهكذا تحولت الدعوة إلى الصبر، عملياً، إلى أداة لإطالة عمر الامتيازات وتأجيل استحقاقات المساواة. ففي نهاية المطاف، لم يكن المطلوب من أصحاب السلطة أن ينتظروا، بل كان المطلوب دائماً من أصحاب الحقوق أن ينتظروا. وهذا هو الفارق بين إدارة الظلم وإنهائه.

الدرس الذي لم تستوعبه النخب:
تكشف التجارب الدستورية المقارنة حقيقة واحدة تتكرر عبر التاريخ: لم تستقر الديمقراطية لأنها سبقت المساواة، بل لأنها أصبحت مقيدة بالمساواة. فالولايات المتحدة لم تتحول إلى دولة مواطنة بمجرد إجراء الانتخابات، وإنما عندما جعلت التعديلات الدستورية الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة حقوق الإنسان والمواطنة قيوداً تعلو على إرادة الأغلبية. وألمانيا لم تكتفِ باستعادة الانتخابات بعد سقوط النازية، بل بنت جمهورية دستورية تحصن الديمقراطية نفسها من أن تتحول مرة أخرى إلى أداة بيد الاستبداد. وجنوب أفريقيا لم تُنهِ الأبارتهايد بمجرد انتقال السلطة، وإنما بإعادة تأسيس الدولة على دستور جديد جعل المساواة أساساً لشرعيتها.
أما في السودان، فقد ظل قطاع واسع من النخب السياسية والفكرية، ومن بينها د. عبد الله علي إبراهيم في هذا المقال وغيره، ينطلق من فرضية أن إصلاح الديمقراطية الليبرالية كافٍ لمعالجة الأزمة، بينما كان السؤال الذي طرحه جون قرنق ويوسف كوة مكي ومفكري وقادة السودان الجديد وتتمسك به الحركة الشعبية اليوم أكثر جذرية: أي ديمقراطية يمكن أن تعمل داخل دولة لم تعترف، منذ نشأتها، بالمواطنة المتساوية؟
ولهذا لم يكن الخلاف الحقيقي بين جون قرنق وهذه النخب حول الحرب أو الانتخابات أو شكل النظام البرلماني، بل حول ترتيب الأولويات الدستورية. فهل تُترك المساواة رهينة لتطور الديمقراطية، أم تُجعل المساواة، منذ البداية، أساساً دستورياً ملزماً تقوم عليه الديمقراطية نفسها؟ وهل يجوز أن تبقى الحقوق الأساسية خاضعة لرضا النخب المهيمنة أو لتقلبات الأغلبية السياسية، أم يجب أن تصبح حقوقاً لا يملك أحد الانتقاص منها؟
لقد أجابت التجربة الأمريكية عن هذا السؤال بعد الحرب الأهلية، ثم أكدت حركة الحقوق المدنية الإجابة نفسها بعد قرن من الزمن، عندما فرضت على الدولة أن تفي بوعد دستورها. وهذا هو السؤال الذي لا يزال السودان يواجهه اليوم. فجوهر الأزمة ليس كيفية استعادة الديمقراطية، بل كيفية تأسيس ديمقراطية دستورية لا تستطيع أي أغلبية، أو حكومة، أو انقلاب، أن يستخدمها لإعادة إنتاج التمييز أو الامتيازات التاريخية.
ومن هنا، فإن المبادئ فوق الدستورية التي يتبناها مشروع السودان الجديد ليست قيداً على الديمقراطية، كما يصورها بعض خصومها بمن فيهم عبد الله علي ابراهيم، وإنما هي الشرط الذي يجعل الديمقراطية عادلة وقابلة للاستمرار. فالديمقراطية التي لا تُقيَّد بالمواطنة المتساوية، وحياد الدولة تجاه الأديان عبر العلمانية، والعدالة التاريخية، واللامركزية، وسيادة القانون، قد تتحول، كما أظهرت تجارب عديدة، إلى وسيلة تمنح الشرعية لاستمرار البنية القديمة، بدلاً من أن تكون أداة لتجاوزها. وهذا هو الدرس الذي لم تستوعبه النخب السودانية بعد، رغم أن التاريخ الدستوري الحديث يجمع عليه!

النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى