
خطاب الكراهية في السودان ليس مجرد ظاهرة لغوية أو انحرافًا في الخطاب السياسي والإعلامي، بل هو أحد أخطر أعراض الأزمة العميقة التي يعاني منها الدولة والمجتمع معًا. فالكلمات التي تنزع عن الآخر إنسانيته، أو تختزله في قبيلته أو إقليمه أو لونه أو أصله أو طبقته، لا تقف عند حدود التعبير، بل تتحول إلى تعبئة سياسية وتحريض على العنف، وتبرير للإقصاء والقتل والتهجير والتمييز الثقافي والاجتماعي، وتبرير لأي سلوك ينتهك القيمة الإنسانية، مهما كان نوع هذا الانتهاك، فرديًا كان أم جماعيًا.
هنا يبرز السؤال الجوهري: هل خطاب الكراهية هو الذي يشكل أزمة الدولة السودانية، أم أنه نتاج لغياب الدولة الوطنية المؤسسة على التنوع الذي يتشكل منه مفهوم دولة المواطنة؟
للإجابة عن هذا التساؤل، نحتاج أولًا إلى تعريف ما نعنيه بالدولة الوطنية. فمن الخطأ النظر إلى الدولة السودانية الموروثة من المستعمر باعتبارها دولة وطنية مكتملة تعرضت لاحقًا لأزمات سياسية وحروب أضعفتها. فالتاريخ السوداني، منذ إعلان تسوية الاستقلال مع المستعمر، يكشف عن أزمة أكثر عمقًا تتجلى في فشل النخب السياسية المتعاقبة في تحويل الدولة من جهاز للسيطرة السياسية والإدارية أحادي الاتجاه، ورافض للتنوع، إلى دولة مواطنة تمثل جميع السودانيين على قدم المساواة.
الدولة الوطنية ليست مجرد حدود جغرافية، ولا مجرد حكومة تسيطر على العاصمة، ولا مؤسسات تحمل أسماء وطنية؛ إنما هي عقد سياسي وأخلاقي يقوم على المساواة في المواطنة، وسيادة القانون، واحتكار الدولة المشروع للعنف، والاعتراف بالتعدد والتنوع، والتوزيع العادل للسلطة والثروة والفرص. على أن يتم ذلك بمشاركة كل الشعوب السودانية في صياغة مشروع دولتهم، بحيث تعبّر المواطنة عن انتماء متساوٍ، دون استئثار مجموعات معينة بملكية الدولة ثقافيًا أو سياسيًا أو اجتماعيًا أو طبقيًا أو اقتصاديًا.
فهل كان هذا هو النهج الذي اتبعته النخب المعدّة سلفًا بعد التسوية التي تمت مع المستعمر في العام 1956، حتى يتم الحديث الآن عن دولة سودانية وطنية؟
الإجابة قطعًا: لا.
وإلا، لما ظلت شعوب سودانية بأكملها تلهث وراء إثبات مواطنتها في وطنها، وكأنها جاءت إلى هذا التراب ممتطية ظهر سنبك!
لذلك، فإن خطاب الكراهية السائد اليوم هو الأشد خطورة؛ فهو لا يخترع الانقسامات من العدم، وإنما يستثمر فيما صنعته له الدولة الموروثة من المستعمر، من مشروع معادٍ للشعوب السودانية، ولا يعترف بمواطنة الأغلبية، عبر تمييز سلبي عرقي وجغرافي وثقافي وديني، بل وحتى على أساس السحنة ولون الجلد وكيفية نطق اللغة العربية، أو ما يُعرف بالـ Accent.
ولم يقف هذا الخطاب المشؤوم عند هذا الحد، بل تمت صياغته سياسيًا في مشروع الدولة البائس، بما خلق وعيًا عامًا لدى المركز والنظام الاجتماعي الذي تستند إليه نخب المستعمر، بأن هذا «الآخر» يشكل تهديدًا وجوديًا؛ أي بمعنى أنه يجب أن يظل تابعًا ومقهورًا في وطنه.
هنا يصبح الآخر عدوًا للوطن الذي تحتكره هذه النخب، فيصير الآخر عدوًا للوطن!
وحينها يصبح قتله تطهيرًا للوطن، كما يتداول المتحدثون في مقاهي الخرطوم، وبكل فخر، رواية أن الفريق توفيق أبو كدوك قال لنميري: «ياخي أديني الإذن أمسح ليك الجنوب ده وأسلمك ليهو فاضي».
وهكذا، وبهذا الوعي العام الذي تتبناه النخب عبر سياساتها، أصبح التهجير يعني حماية للأمن، والتمييز دفاعًا عن الدولة، والانتقام عدالة. ولأجل ذلك، قُتل ملايين المواطنين السودانيين في الجنوب، لأن قادة سياسيين رفضوا دولة اللامواطنة. وبات الاعتقال والمحاكمات الجائرة وأحكام الإعدام على أساس الهوية إجراءات أمنية.
هنا تفقد الكلمات معناها الأخلاقي، ويصبح العنف ضد الشعوب قابلًا للتبرير، بينما يستمر صمت القوى السياسية صاحبة القدح المعلى في عدم استقرار السودان واختلال موازين المواطنة، لأنها صاحبة «الجلد والرأس» في هذا المشروع السياسي الذي غطّس حجرنا الوطني ولا يزال يفعل.
ومن الأخطاء التاريخية للمشروع السياسي السوداني التي أسست لخطاب الكراهية، الاعتقاد بأن المحافظة على وحدة السودان تتطلب فرض نموذج واحد على المجتمع. فكانت النتيجة أن انفصل الجنوب.
فالوحدة الوطنية لا تعني أن يصبح السودانيون متشابهين، وإنما تعني أن يصبحوا متساوين في المواطنة رغم اختلافهم. وهذا ما لم يرغب فيه المشروع السياسي الذي صنعه المستعمر بنخبه المؤسفة.
حتى هذه اللحظة، يذهب نشطاء نخب المشروع السياسي الكارثي الموروث، إلى الشماعة سهلة التناول، وهي إدانة وسائط التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا التي أنتجتها مشاريع سياسية اعترفت بمكامن خللها، فنهضت بتحرير شعوبها والاستثمار في إنسانها كمواطن حر.
لكن وسائط التواصل الاجتماعي لم تخلق خطاب الكراهية السوداني، وإنما وفرت له الصوت. فهذا الخطاب متجذر وممارس منذ قديم زمان نشوء دولة المستعمر في بلادنا.
فعندما يكون الدكتور أكولدا مانتير هو أول جنوبي وآخر جنوبي يصير عميدًا لكلية القانون بجامعة الخرطوم، وتقريبًا الجنوبي الوحيد الذي أصبح عميدًا لكلية في هذه الجامعة منذ أن أنشأتها ملكة بريطانيا، أليس هذا مثالًا على جذور خطاب الكراهية الذي أسست له دولة موروثة من المستعمر ونخبها؟
هذا مثال واحد فقط، لكنه يعكس أزمة المشروع السياسي لهذه الدولة وخيانته لشعوبها السودانية، بفشله المتعمد في بناء دولة وطنية تمتلكها الشعوب السودانية جميعًا.
إن المعركة الحقيقية لمحاربة خطاب الكراهية ليست ضد الكلمات والمنصات الإعلامية والتوعية فقط، في ظل بركة مشروع سياسي راكدة؛ لأنه لا يمكنك القضاء على الناموس ما لم تجفف البرك الراكدة أولًا.
لذلك، فإن محاربة خطاب الكراهية هي معركة من أجل إعادة تأسيس الدولة الوطنية السودانية، وإعادة بناء المشروع السياسي الذي تنتجه الشعوب السودانية وتشارك في صياغته، على أساس المواطنة المتساوية والاعتراف بالتنوع والعدالة وسيادة القانون.
خطاب الكراهية السوداني ليس ظاهرة عابرة، بل هو مولود شرعي لأزمة دولة لم تنجح، طوال سبعين عامًا، في بناء مشروع وطني جامع يشعر فيه كل سوداني بأنه مواطن كامل الحقوق والواجبات.
ومن هنا، فإن القضاء على خطاب الكراهية لا يبدأ من حذف الكلمات، وإنما من معالجة الأسباب التي تجعل هذه الكلمات تجد بيئة اجتماعية وسياسية خصبة للنمو.
فالمطلوب ليس فقط أن نعلّم السودانيين كيف يتحدثون عن بعضهم، بل أن نعيد بناء الدولة التي تجعلهم متساوين في الوطن.



