
المحاسبة التاريخية وحقوق الإنسان في السودان: فى نقد المجتمع المدني
الاستاذ: عبدالله ديدان
في السودان، كثيراً ما ينظر النشطاء النخبويون إلى حقوق الإنسان وحمايتها باعتبارها قضية مرتبطة بالحاضر، أي تجزئة ما تنتجه دورة العنف طوال تاريخ دولة ما بعد الاستعمار، ومن ثم التعاطي معه وفق ما يخلقه الواقع من تشابكات محددة، حيث تُطرح الأسئلة على نسق لا يخرج من إطار الالتزام بمعايير المشروع السياسي نفسه الذي تسبب في الحروب والفشل.
هي ربما لا تكون أسئلة خارج نطاق أدبيات حقوق الإنسان، لكنها في الواقع لا تبحث في الجذور والسلوك التراكمي للانتهاكات والإقصاء وغياب الدولة الوطنية المؤسسة على المواطنة. فالمظالم التاريخية هي أساس الخلل، لأن دولة ما بعد الاستعمار لم تكن دولة وطنية في الأساس، إنما هي نتاج تحالف مراكز قوى صنعها المستعمر لتخلفه في رعاية مشروعه المستمر وتشكيل الدولة السودانية بما يخدم مصالحه.
لذلك لم يستطع المجتمع المدني السوداني أن يكون نفسه، أي خارج عباءة المشروع السياسي المختل؛ المشروع الذي شكّل الوعي العام لنخب المجتمع المدني والنشطاء. فكان أن انخرط المجتمع المدني في الاستجابة لأزمات حقوق الإنسان الكارثية، عبر مسيرة دولة ما بعد الاستعمار، في التعاطي مع كل لحظة انتهاكات وجرائم ضد الإنسان وفق معطى لحظي، وحتى إنه غير شامل، ومنتقى بعناية، معبراً عن الإرث الاستعماري التاريخي للدولة المختلة التكوين ومشروعها السياسي المدمر.
الاستجابة للانتهاكات في لحظتها مطلوبة وضرورية، لكن عندما يكون ارتكاب الانتهاكات بحق شعوب الهامش سلوكاً تاريخياً لمراكز القوى التي صنعها المستعمر، هنا يجب على المجتمع المدني أن يعمل على البحث عن إجابة لسؤال: لماذا يحدث ذلك؟
حدثت في السودان، منذ بزوغ ظلام دولة ما بعد الاستعمار، جرائم بحق الإنسان يُندى لها جبين الحقوق والإنسان السوي. فقد قُتل في جنوب السودان وحده ما يزيد على مليوني مدني، ونزح ولجأ وأُفقر وتشرد الملايين. عاش السودانيون ويلات الاسترقاق حقباً طويلة، حتى بعد أن تشكل مجتمع سياسي نخبوي في الثلاثينيات، لا بل أبعد من ذلك، حيث قاومت نخب المركز السياسية والطائفية قرارات المستعمر بمنع الرق وتحرير المسترقين، ورفضتها بصورة رسمية ومباشرة. وهل هنالك أسوأ من استرقاق مواطن في بلده؟
الأسئلة تعتبر حجر الزاوية لمعرفة الطريق.
لذلك يحتاج المجتمع المدني إلى البحث في التاريخ الطويل والمخزي لانتهاكات نخبة المركز بحق الشعوب السودانية، ليقرأ الواقع والمستقبل، وليكون مستقلاً في جوهره. فإذا كان المجتمع المدني هو أحد المدافعين عن حقوق الإنسان، فإن من المشروع أن نسأله: هل تعامل مع تاريخ الانتهاكات السوداني بمعيار واحد، أم أنه، مثل القوى السياسية، وقع أحياناً في الانتقائية، فدافع عن بعض الضحايا وصمت عن آخرين؟
فالمجتمع الذي لا يواجه ماضيه، يترك جذور الجريمة قائمة، وتمارس نخبه التضليل الإنساني الذي لا يحقق حماية للإنسان وحقوقه؛ لأن غاية العمل على حماية حقوق الإنسان هي منع حدوث انتهاك إنسانيته في الأساس، والاستجابة العادلة حال حدوثه.
وهنا أيضاً نسأل:
هل نجح المجتمع المدني في تحويل حقوق الضحايا إلى قضية وطنية لا تتغير بتغير الأوضاع السياسية وطبيعة السلطة القائمة في أي حين؟
هل طالب بفتح ملفات الانتهاكات التي وقعت في عهود سياسية مختلفة، أم أن الاهتمام كان يرتفع وينخفض وفقاً للصراع السياسي؟
وهل استطاع أن يدافع عن الضحية عندما يكون الجاني هو نفسه من المنابع التي أنتجت المجتمع المدني الذي يتبنى الخطاب الحقوقي؟
لماذا لم تعمل منظمات المجتمع المدني المركزية على تطوير منظمات مجتمع مدني من الشعوب التي ظلت تدفع ثمن وجود دولة نخبوية، معادية لها، تقتلها وتشردها وتفقرها وتقهرها؟
هذه الأسئلة لا تنتظر إجابة تبريرية من المجتمع المدني، وإنما تحاول رفع سقف المسؤولية الأخلاقية لمسؤولية حقوق الإنسان، وعدم تحويلها إلى قضايا تضليلية وصراع مراكز قوى ومصالح تاريخية.
أخطر ما يمكن أن يصيب خطاب حقوق الإنسان هو الانتقائية. فالانتقائية لا تعني فقط تجاهل جرائم تاريخية كاملة ومستمرة منذ أول يوم لدولة ما بعد الاستعمار، فقد تظهر في صورة أكثر تعقيداً: أن يتحدث المجتمع المدني عن ضحية ويصمت عن أخرى، وأن يدين جريمة عندما يكون ذلك في خدمة أجنداته الإنسانية المضللة، ويصمت عنها عندما يرتكبها الطرف المسيطر باستمرار، والذي هو من كيانه النخبوي.
أن يعتبر بعض الضحايا جزءاً من «القضية الوطنية»، بينما يعامل ضحايا آخرين كأنهم مجرد أرقام هامشية، يستحلب بها التمويل وكأنهم «موليفة» لاجتذاب طيور المنح الداعمة.
وهنا تتحول حقوق الإنسان من مبدأ أخلاقي إلى أداة لا تحقق أي مبدأ إنساني، لذلك نجد أن بعض مكونات المجتمع المدني السوداني عبارة عن كيانات لا تختلف كثيراً عن المشروع السياسي الفاشل.
قضية المحاسبة التاريخية، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من حقوق الإنسان، تقودنا إلى نقد أحد أهم الفاعلين في المجال العام السوداني: المجتمع المدني.
فإذا كان هو أحد المدافعين عن حقوق الإنسان، فإن من المشروع أن نسأله: هل تعامل مع تاريخ الانتهاكات السوداني بمعيار واحد، أم أنه، مثل القوى السياسية، وقع أحياناً في الانتقائية، فدافع عن بعض الضحايا وصمت عن آخرين؟
حتى أننا لم نشهد له دمعة على انفصال الجنوب، الذي كان سببه إنسانياً أكثر من كونه سياسياً؛ لأن شعب جنوب السودان، عندما صوت لخيار الانفصال، كان يبحث عن إنسانيته قبل الدولة، إذ عاش المواطن الجنوبي في سودان ما قبل الانفصال بلا قيمة إنسانية، ولا مواطنة تحفظ حقوقه مثل الآخرين.
إن الدفاع الحقيقي عن حقوق الإنسان لا يبدأ فقط من إدانة الجريمة لحظة وقوعها، بل من تفكيك الشروط التاريخية التي جعلت وقوعها ممكناً، ومنع إعادة إنتاجها في المستقبل. فالعدالة التي لا تواجه جذور المظالم تظل استجابة مؤقتة، أما حماية الإنسان فتتطلب بناء دولة تعترف بإنسانية جميع مواطنيها، دون تمييز، وتضع حداً لدورة العنف التي ظلت تتجدد منذ قيام دولة ما بعد الاستعمار.



