
المحور الثاني:المجتمع
كيف تتحول دوائر الثقة إلى بنية تعيد إنتاج الخلل؟
في المقال السابق لم نتوقف عند مجرد الصمت المجتمعي، بل انتقلنا خطوة أبعد إلى ما ينتجه هذا الصمت: انسحاب الآراء من المجال العام، وانتقالها إلى دوائر صغيرة مغلقة يشعر فيها الأفراد بقدر أكبر من الأمان والانتماء.
في بداياتها، لا تبدو هذه الدوائر خطيرة.
بل قد تبدو طبيعية تمامًا.
الأصدقاء يتحدثون مع من يشبههم.
الأفراد يفضلون النقاش داخل بيئة آمنة.
وكل إنسان يميل بطبيعته إلى من يفهمه ويشاركه المخاوف والرؤى.
لكن المشكلة لا تبدأ من وجود هذه الدوائر،
بل من لحظة تحوّلها.
حين تضعف المساحة العامة التي تختبر فيها الأفكار، لا تختفي الآراء، بل تنتقل إلى الداخل.
ومع الوقت، لا تبقى هذه الدوائر مجرد مساحة للتواصل، بل تتحول إلى مساحة لإنتاج القناعات وإعادة تدويرها.
في المجال العام، تخضع الفكرة للاحتكاك:
تُناقش،
تُعارض،
تُراجع،
وتُصحح.
أما داخل الدائرة المغلقة، فيحدث العكس.
الفكرة تُعاد بصيغ مختلفة،
ويعزز كل صوت ما قبله،
ويغيب السؤال الذي قد يربك هذا التماسك.
هنا تبدأ الفكرة بالنمو دون اختبار.
وما كان رأيًا قابلًا للنقاش،
يبدأ بالتحول تدريجيًا إلى يقين.
ما نراه اليوم ليس ظاهرة طارئة بالكامل، بل امتداد لمسار أعمق في بنية المجتمعات.
فقد أشار ابن خلدون منذ قرون إلى أن الجماعات حين تشتد روابطها الداخلية، فإنها تكتسب قوة، لكنها في الوقت نفسه تبدأ برسم حدود فاصلة بينها وبين غيرها.
هذه الحدود، التي تبدأ بوصفها وسيلة تماسك، قد تتحول مع الوقت إلى أساس للانقسام.
وهنا نقترب من النقطة الحاسمة.
الفرق بين دائرة الثقة والعصبية ليس في قوة الرابط،
بل في طبيعته.
فالدائرة تبقى صحية ما دامت تسمح بالاختلاف،
وتبقى مفتوحة على المجتمع الأوسع.
أما حين يصبح الانتماء هو معيار قبول الفكرة أو رفضها،
وحين يتحول الخارج إلى تهديد،
فإننا لم نعد أمام دائرة ثقة…
بل أمام بداية عصبية.
العصبية لا تبدأ كعداء مباشر.
هي تبدأ غالبًا من شعور مشروع بالأمان والانتماء.
لكنها تتحول تدريجيًا من رابطة اجتماعية إلى إطار ذهني وأخلاقي.
هنا لا يعود السؤال:
هل الفكرة صحيحة؟
بل يصبح:
هل جاءت من داخل جماعتنا؟
وهنا يحدث التحول الأعمق.
لم تعد الجماعة مساحة للنقاش،
بل أصبحت مرجعية للحقيقة.
وقد التقط ابن خلدون هذا التحول مبكرًا حين رأى أن العصبية ليست مجرد انتماء، بل رابطة تصبح مصدر قوة وتنظيم، لكنها تحمل في داخلها أيضًا قابلية للتحول إلى أداة إقصاء.
ومع الوقت، لا تبقى العصبية في حدود المجتمع.
هي تبدأ بالتمدد.
في البداية:
نحن وهم.
ثم يتوسع خط الانقسام.
قد يبدأ سياسيًا،
ثم يتحول اجتماعيًا،
ثم دينيًا،
ثم مذهبيًا،
ثم قوميًا أو عرقيًا.
العصبية لا تنتج انقسامًا واحدًا،
بل تنتج قابلية دائمة للانقسام.
وهذا هو أخطر ما فيها.
بمجرد أن يصبح الولاء هو المعيار،
يمكن تقسيم المجتمع وفق أي خط:
فكري،
سياسي،
طائفي،
إثني،
مناطقي.
وهكذا لا نعود أمام مجتمع متنوع،
بل أمام كتل متجاورة،
متماسكة داخليًا،
ومتباعدة خارجيًا.
لكن تأثير العصبية لا يتوقف عند المجتمع.
هنا يجب أن ننتبه إلى الثلاثية التي يقوم عليها المشروع:
الفرد – المجتمع – السلطة
أي خلل يتضخم في المجتمع،
ينعكس مباشرة في الاتجاهين.
على المستوى الفردي،
لا يبقى الإنسان مجرد صاحب رأي.
العصبية تبدأ بإعادة تشكيل وعيه نفسه.
الفرد داخل هذا المناخ لا يناقش الفكرة بصيغتها السياسية أو الفكرية،
بل يستقبلها بوصفها موقفًا من جماعته.
أي رأي خارج العصبية
يُقرأ كأنه هجوم شخصي.
لا يعود الاختلاف اختلافًا،
بل يصبح اتهامًا.
وهنا تظهر واحدة من أخطر أعراضها:
تحويل النقاش إلى تصنيف.
بدل مناقشة الفكرة،
يُصنَّف صاحبها.
مرة خارج الجماعة،
ومرة خارج الوطنية،
ومرة خارج القيم المشتركة.
تختلف التسميات،
لكن الآلية واحدة:
إلغاء الفكرة عبر إلغاء صاحبها.
وهكذا يتحول الفرد إلى شخص غير قابل للنقاش،
لا لأنه يرفض الحوار فقط،
بل لأنه لم يعد يراه ممكنًا.
أما على مستوى السلطة،
فالعصبية تأخذ بعدًا أخطر.
حين تدخل إلى مؤسسات الدولة،
لا تعود مجرد ظاهرة اجتماعية،
بل تصبح آلية غير معلنة لإدارة القرار.
لم يعد معيار الاختيار هو الكفاءة،
بل القرب والانتماء.
لا يُسأل: من هو الأكفأ؟
بل: من هو الأقرب إلى الدائرة؟
وهنا تبدأ الدولة بفقدان إحدى أهم وظائفها:
تحويل التنوع إلى قوة.
بدل ذلك، تتحول إلى امتداد للعصبية.
وقد أشار ابن خلدون إلى أن السلطة حين تقوم على العصبية، فإنها تميل إلى ترسيخها داخل مؤسساتها، لا إلى تجاوزها.
ومع الوقت، لا تعود الدولة إطارًا جامعًا، بل تصبح امتدادًا لهذه العصبية نفسها.
في هذه اللحظة،
لا يتم إقصاء المختلف لأنه ضعيف،
بل لأنه خارج الولاء.
وقد يُستبعد الأكفأ،
لا لقصور فيه،
بل لأنه لا ينتمي.
وهنا لا تنتج الدولة معرفة،
ولا تطورًا،
بل تعيد إنتاج نفسها.
وهكذا تكتمل الحلقة:
مجتمع منقسم
ينتج أفرادًا عصبيين
ينتج سلطة منحازة
تعيد إنتاج المجتمع المنقسم
وهذا هو جوهر الخلل البنيوي.
العصبية لا تضعف المجتمع فقط،
بل تعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والمجتمع والسلطة معًا.
وبهذا المعنى، لا تكون مجرد ظاهرة اجتماعية، بل دورة كاملة:
تبدأ كحاجة إلى الأمان،
تتحول إلى أداة للولاء،
ثم تنتهي إلى عامل يعمق الانقسام ويمنع التطور.
وهي دورة التقطها ابن خلدون مبكرًا، لكن أشكالها اليوم أصبحت أكثر تعقيدًا واتساعًا.
ما رأيناه حتى الآن لم يعد مجرد تغيّر في طريقة النقاش أو تشكّل دوائر ثقة مغلقة، بل هو انتقال حقيقي من الانتماء الطبيعي إلى الولاء الصلب، ومن الجماعة بوصفها مساحة تواصل إلى الجماعة بوصفها هوية مغلقة.
عند هذه النقطة لا تعود العصبية مجرد ظاهرة اجتماعية معزولة، بل تبدأ بالتمدد خارج حدودها الأولى، لتؤثر في الفرد، وتعيد تشكيل سلوك المجتمع، وتفرض منطقها على آليات الاختيار داخل السلطة نفسها.
ومن هنا يبدأ السؤال الأخطر في مسار هذه السلسلة:
ماذا يحدث حين لا تبقى العصبية مجرد انتماء، بل تتحول إلى منظومة قادرة على إعادة تشكيل المجتمع والسلطة معًا؟
وهذا ما سنتوقف عنده في المقال القادم.
د. محمد حسين



