
د. ناهد محمد الحسن: حين تقف الدولة والنخب أمام المرآة 2-2- تعقيب على د. ناهد محمد الحسن: من جرائم الحرب إلى سؤال: من أنتج الحرب؟
18/9/2026 خالد كودي، بوسطن
ليست كل حركة تحررية طاهرة عند الميلاد
لا يقدم لنا التاريخ حركات تحرر خرجت جميعها مكتملة أخلاقياً ومؤسسياً من لحظة ميلادها. فحركات المقاومة والثورات تنشأ داخل مجتمعات تحمل تناقضاتها وصراعاتها وثقافاتها السياسية، وقد تحمل بعض هذه التناقضات معها إلى داخل مشروع التحرر نفسه. وقد ارتكبت أجنحة في حركات تحرر مختلفة انتهاكات جسيمة، ثم واجهت، بدرجات متفاوتة، السؤال الأصعب: كيف تنتقل من منطق الحرب والتجاوزات إلى منطق المؤسسة، ومن شرعية المقاومة إلى شرعية القانون؟
والسودان ليست استثناء.
وتجربة المؤتمر الوطني الافريقي مهمة هنا تحديداً لأنها تمنعنا من كتابة تاريخ مريح. فلم تبرئ لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا حركة التحرير لمجرد عدالة مقاومتها لنظام الأبارتهايد؛ بل خلصت إلى أن هياكل وأجهزة مرتبطة بالمؤتمر ارتكبت انتهاكات جسيمة، بما فيها التعذيب وسوء المعاملة في بعض معسكراته. وفي الوقت نفسه، سجلت اللجنة أن المؤتمر أجرى تحقيقات داخلية وقدم لها تقارير ومواد واسعة عن تلك الانتهاكات. وقد ميزت اللجنة بوضوح بين عدالة الغاية وعدالة الوسيلة: فعدالة النضال ضد الأبارتهايد لم تجعل كل وسيلة استُخدمت في مقاومته عادلة.
وهذه نقطة شديدة الأهمية للسودان: الاعتراف بجرائم ارتكبتها حركة تحرر لا يجعل النظام الذي قاومته مشروعاً، كما أن عدالة قضية التحرر لا تجعل كل فعل ارتكب باسمها مشروعاً. لا عدالة القضية تمنح حصانة للوسيلة، ولا جرائم بعض المقاومين تمنح البراءة للنظام الذي أنتج ضرورة المقاومة.
FMLN وفي السلفادور، انتهت الحرب الأهلية باتفاقات السلام عام 1992، وانتقلت جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني من حركة مسلحة إلى فاعل سياسي. ولم يقتصر الانتقال على وقف إطلاق النار، بل ارتبط بإصلاح القوات المسلحة والشرطة والنظام القضائي والانتخابي، وبترتيبات سياسية واجتماعية وإعادة دمج المقاتلين في الحياة المدنية. أي أن إنهاء الحرب ارتبط بإعادة بناء المؤسسات التي ستنظم الصراع السياسي بعدها.
ولا تقول لنا هذه التجارب إن كل قوة مسلحة ستتحول حتماً إلى قوة ديمقراطية، أو أن حمل مشروع تحرري يكفي لإنتاج مؤسسة ديمقراطية. إنها تقول شيئاً أكثر تواضعاً وأهمية: البنية المسلحة ليست قدراً أبدياً، لكن تحولها ممكن وقد يحدث عندما تصبح السياسة والقانون والمؤسسة أقوى من السلاح وقادرة على إخضاعه.
وهنا يصبح دور المثقف داخل مشروع التحول أكثر أهمية، لا أقل.
حنة آرنت: البندقية تستطيع أن تهدم، لكنها لا تستطيع أن تؤسس وحدها.
تساعدنا حنة آرنت على ضبط المسألة بتمييزها بين القوة السياسية والعنف: فالقوة تنشأ من قدرة الناس على العمل معاً وبناء شرعية مشتركة، بينما يظل العنف أداة للإكراه، قد يهدم نظاماً قائماً لكنه لا يستطيع وحده تأسيس شرعية بديلة.
وهذا التحدي ليس غائباً عن ثوار السودان الجديد ومثقفيه والداعمين لمشروع “تأسيس”؛ بل يقع في صميم سؤال الانتقال من مقاومة السودان القديم إلى بناء دولة جديدة. فالبندقية قد تكسر احتكار النظام القديم للقوة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء السودان الجديد. كما أن اللغة الدستورية والأخلاقية تفقد معناها إذا أصبحت غطاءً للسلاح بدلاً من أن تتحول إلى مؤسسات وقوانين تقيده. ومن هنا تصبح مهمة المثقف والثائر ليست الابتعاد عن التناقض حفاظاً على طهارة رمزية، بل العمل على نقل القوة تدريجياً من حاملي السلاح إلى المواطن والدستور والمؤسسات. وهنا يمكن أن تلتقي أسئلة د. ناهد مع وعي موجود أصلاً داخل مشروع السودان الجديد بتحديات التحول من الثورة إلى الدولة- “اذا رغبت طبعا”!
لكن الخلاف يبدأ عندما يُفترض أن إدراك هذه التحديات حكر على من يقفون خارج المشروع. فهناك قطاعات من النخب السودانية تريد، مجازاً، “ثورة باردة ومثالية”: تغييراً لا يربك موقعها، وتفكيكاً للسودان القديم لا يصل إلى امتيازاته، وثورةً لا تصبح مقبولة إلا بعد أن يدفع المهمشون ثمنها ثم يقدموا أنفسهم بالصورة الأخلاقية والسياسية التي ترضاها النخبة.
والتاريخ لا يعمل بهذه النظافة. وهذا لا يبرر الفوضى أو الجريمة؛ فالجريمة لا تصبح ثورية لأنها ارتُكبت باسم الثورة، والضحية لا تقل قيمة لأن قاتلها جاء من الهامش. لكن هناك فرقاً بين نقد مشروع التغيير لتصحيح مساره وإخضاع السلاح لمبادئه، وبين اتخاذ تناقضاته وجرائم بعض القوى المرتبطة به في مكان ورمان معينين ذريعةً لإعادة تأهيل البنية التي جعلت الثورة عليه ضرورية أصلاً.
تحديدا شديد الأهمية، James Baldwin وهنا يصبح جيمس بالدوين
فقد كان أحد أكثر الكتاب الأفارقة الأمريكيين صرامة في مساءلة ما يمكن تسميته “براءة النخبة البيضاء المتخيلة”: ذلك الاعتقاد بأن الإنسان يستطيع الاستفادة من نظام تاريخي غير عادل، وأن يعيش داخل مؤسساته وامتيازاته، ثم يعلن نفسه بريئاً من نتائجه لأنه لم يمارس العنف بيده… أي لم يضغط علي الزناد في حالنا!
ولم يكن نقد بالدوين موجهاً فقط إلى العنصري الصريح؛ كان موجهاً أيضاً إلى المجتمع الذي بنى لنفسه سردية أخلاقية تسمح له بالنظر إلى نتائج تاريخه كما لو أنها مشكلات تخص ضحاياه وحدهم. وفي عبارته الكاشفة: “الناس محاصرون داخل التاريخ، والتاريخ محاصر داخلهم”.
وهذه الفكرة مهمة للسودان: فالدولة القديمة لا تعيش فقط في القوانين والمؤسسات والثكنات؛ قد تعيش أيضاً في طريقة رؤية النخبة لنفسها، وفي تصورها لما هو طبيعي ووطني وعقلاني وممكن، وفي قدرتها على اعتبار امتيازاتها التاريخية مجرد استحقاقات محايدة مسلم بها.
وهنا تكمن إحدى مفارقات بعض النخب: المطالبة بتغيير جذري، ثم وضع شروط تجعل حدوثه شبه مستحيل؛ الاعتراف بالتهميش، ثم مقاومة انتقال المهمش من موضوع للشفقة إلى فاعل سياسي؛ الاحتفاء بـ”صوت الهامش” ما دام شهادة عن المعاناة، ثم الارتباك عندما يصبح الهامش منتجاً لنظرية عن الدولة ومطالباً بإعادة تأسيسها.
الغرور المعرفي: عندما لا تقبل النخبة تغييراً لم تكتبه بنفسها
ليست المشكلة دائماً في العنصرية الصريحة. أحياناً تكون أعمق من ذلك: احتكار حق تعريف السودان نفسه.
يمكن للنخبة المركزية أن تقبل المهمش بوصفه ضحية، وشاهداً، ولاجئاً، ومادة لبحث أكاديمي، وموضوعاً لمشروع إنساني.
لكن الأزمة تبدأ عندما يقول هذا المهمش: لدي أيضاً تصور للدولة؛ لدي موقف من العلمانية والمواطنة والجيش والعدالة التاريخية، واللامركزية وتقرير المصير؛ ولست مجرد موضوع لسياسات الدولة، بل شريك في تعريف الدولة نفسها.
عندها ينتقل من موضوع للمعرفة إلى منتج للمعرفة.
وهذا التحول يهدد امتيازاً أعمق من المال والمنصب: امتياز تعريف ما هو “وطني”، وما هو “معتدل”، وما هو “عقلاني”، وما هو “ممكن”، ومن يملك سلطة تحديد شروط النقاش السياسي نفسه.
وهنا يعود بالدوين مرة أخرى. فقد كان نقده للمجتمع الأبيض يقوم، في جانب منه، على رفض دفاعه المستمر عن نفسه أمام سجله التاريخي. ففي حديثه عن ضرورة مواجهة ذلك السجل، كان المعنى أن المجتمع لا يستطيع تغيير نفسه ما دام منشغلاً بإثبات براءته من التاريخ بدلاً من الاعتراف بكيفية استمرار ذلك التاريخ داخله.
وتصل الفكرة إلى ذروتها في عبارته الشهيرة: “ليس كل ما نواجهه يمكن تغييره، لكن لا شيء يمكن تغييره قبل مواجهته”.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يواجه السودان القديم ونخبه: هل نريد مواجهة التاريخ فعلاً، أم نريد فقط إدانة أكثر مظاهره فظاعة مع الاحتفاظ بالبنية التي أنتجتها؟
ولو تركت مجتمعات الهامش مصيرها لصبر النخب التي طلبت منها، جيلاً بعد جيل، انتظار “اللحظة المناسبة”، لكان ممكناً أن تنتظر المساواة إلى الأبد.
فالحقوق الكبرى لم تتحقق تاريخياً لأن أصحاب الامتياز استيقظوا ذات صباح أكثر كرماً. لقد تحققت، في حالات كثيرة، لأن المحرومين منها نظموا أنفسهم ورفضوا أن يبقى توقيت حقوقهم في يد المستفيدين من غياب تلك الحقوق.
من المستفيد من “تأسيس” ومن السودان الجديد؟
وهنا ينبغي طرح السؤال الذي يُغفل كثيراً: إذا تحقق مشروع السودان الجديد كما تقدمه أدبياته، من الذي يفترض أن يستفيد منه؟
فالتحالف الذي تشكل حول “تأسيس” أعلن في ميثاقه السياسي في فبراير 2025 الدعوة إلى سودان علماني وديمقراطي ولامركزي وإلى جيش موحد، مع بقاء أسئلة وتناقضات عملية كبيرة تتعلق بكيفية الانتقال من واقع تعدد القوى المسلحة إلى هذه الدولة المعلنة.
لكن إذا أخذنا مبادئ السودان الجديد في معناها الأوسع ـ المواطنة المتساوية، والدولة العلمانية الديمقراطية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، وسيادة القانون، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أساس قومي ومهني ـ فإن المستفيد منها ليس دارفور أو جبال النوبة أو النيل الأزرق وحدها.
النساء مستفيدات من دولة لا تجعل حقوقهن رهينة تفسير ديني أو ثقافي تفرضه السلطة.
المسلم مستفيد عندما تتحرر عقيدته من احتكار الدولة لها وتوظيفها في الصراع السياسي، كما يستفيد المسيحي وصاحب المعتقد الأفريقي وغير المتدين عندما لا تصبح المواطنة مرتبطة بعقيدة الأغلبية.
الفقراء في الخرطوم وأم درمان وعطبرة وبورتسودان وكسلا مستفيدون من دولة تعيد توزيع الموارد والفرص على أساس المواطنة والحاجة لا القرب من مركز السلطة، مثلما يستفيد الفقير في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.
سكان الأقاليم مستفيدون من اللامركزية، لكن المركز نفسه يستفيد من دولة لا تحتاج إلى خوض حرب كل عقد حتى تحافظ على وحدتها.
الجندي نفسه مستفيد عندما يصبح عضواً في مؤسسة مهنية ذات عقيدة دستورية واضحة، لا أداة لصراع الأحزاب والجنرالات على السلطة.
المثقف والأكاديمي مستفيدان من دولة لا يحتاجان فيها إلى التكيف مع أيديولوجيا السلطة أو هوية الدولة الرسمية لكي يمارسا المعرفة بحرية.
المواطن في شمال السودان ووسطه وشرقه مستفيد من دولة مستقرة لا تستهلك مواردها في الحروب، ولا تجعل أبناءه وقوداً لصراعات سياسية مستمرة، ولا تعيد إنتاج الانقلابات والأزمات الاقتصادية بسبب اختلالها البنيوي.
وبهذا المعنى، فإن السودان الجديد ـ إذا تحقق وفق مبادئه ـ ليس مشروعاً لنقل الامتياز من الهامش إلى المركز، ولا لإحلال جماعة مكان أخرى. إنه يفترض إلغاء الامتياز السياسي غير المتكافئ نفسه.
ولا يخسر مواطن في الشمال حقاً مشروعاً لأن مواطناً في جبال النوبة أصبح مساوياً له، ولا تخسر أسرة في الخرطوم حقاً لأن أسرة في دارفور حصلت على مدرسة ومستشفى وتمثيل عادل. الذي يصبح موضع الخسارة هو الامتياز القائم على عدم مساواة الآخر، لا الحق المشروع.
قد يرفض بعض المستفيدين تاريخياً من السودان القديم الاعتراف بمكاسبهم في السودان الجديد، لأن المساواة قد تبدو خسارة لمن اعتاد الامتياز. لكن ما يفقده ليس حقاً مشروعاً، بل موقعاً غير متكافئ؛ وما يكسبه هو دولة المواطنة والقانون والاستقرار، بدلاً من دولة تعيد إنتاج الحرب والانقلاب. وهنا تكمن المفارقة: قد يقاوم الإنسان نظاماً أكثر عدلاً خوفاً مما سيفقده من امتياز، من دون أن يرى ما سيكسبه من دولة أكثر أمناً وعدالة للجميع.
خراب ماذا؟ وعمار ماذا؟
السؤال إذن ليس: هل نريد الخراب؟ بل: أي خراب نخشى؟ هل نخشى انهيار بعض مؤسسات السودان القديم أكثر مما نخشى استمرار دولة جعلت الحرب وسيلة متكررة لإدارة أزماتها؟ فالعمار ليس إبقاء المؤسسة القديمة مهما كانت كلفتها، ولا انتصار بندقية على أخرى؛ العمار هو إعادة تأسيس دولة تصبح فيها البندقية خاضعة للمواطن والدستور والقانون.
العدالة التاريخية وحدها تضع الجميع أمام المرآة
ومن هنا يمكن دفع عنوان د. ناهد خطوة أبعد: نعم، ليقف الجميع أمام المرآة. ليقف الدعم السريع أمام الجرائم المنسوبة إلى قواته، والجيش أمام جرائمه وتاريخه في السياسة والحروب والانقلابات، والحركة الإسلامية أمام الدولة التي أقامتها وجرائمها، والحركات المسلحة أمام انتهاكاتها، و”تأسيس” أمام المسافة بين مبادئه وممارسات القوى المنضوية فيه.
لكن المرآة لا تكتمل إذا توقفت عند حاملي السلاح. فعلى المثقف والأكاديمي والإعلامي والحزب المدني والبيروقراطي والقاضي والجامعة أن يقفوا أيضاً أمام تاريخ الدولة التي عاشوا داخلها: من أسهم في بنائها، ومن برر سياساتها، ومن صمت عن ضحاياها، ومن استفاد من اختلال توزيع السلطة والفرص والاعتراف.
وهنا ايضا تكتسب رؤية جيمس بالدوين أهميتها: لا يمكن اختزال المسؤولية في اليد التي تمارس العنف ثم إعلان المجتمع والمؤسسات التي أنتجت شروطه بريئة. لكن المسؤولية التاريخية ليست ذنباً جماعياً، ولا تجعل الإنسان مسؤولاً جنائياً عن جريمة لم يرتكبها؛ إنها تميز بين المسؤولية الجنائية الفردية والمسؤولية السياسية والأخلاقية عن بناء المؤسسات أو الدفاع عنها أو الاستفادة من اختلالها.
لهذا لا تعني العدالة التاريخية توسيع دائرة الاتهام، بل توسيع دائرة الفهم والمساءلة. فهي لا تسأل فقط: من ارتكب الجريمة؟ بل تسأل أيضاً: أي دولة ومؤسسات وأفكار ومصالح جعلت إنتاجها وتكرارها ممكناً؟
وهذا ما أظهرته، بصورة مختلفة، تجربة جنوب أفريقيا؛ إذ لم تقتصر لجنة الحقيقة والمصالحة على فحص الانتهاكات الفردية، بل بحثت أيضاً أدوار قطاعات ومؤسسات اجتماعية في استمرار نظام الأبارتهايد. فمواجهة الجريمة ضرورية، لكن منع تكرارها يقتضي مواجهة النظام الذي جعلها ممكنة.
السؤال الذي تطرحه د. ناهد عن دور المدنيين والمثقفين داخل “تأسيس” مشروع، لكنه جزء من امتحان أوسع. نعم، عليهم أن يثبتوا أن حضورهم يتحول إلى قوانين ومؤسسات وثقافة سياسية تقيد السلاح، لا إلى رأسمال أخلاقي يضاف إليه. وهذا، في تقديري، هو أحد التحديات التي يعمل عليها ثوار “تأسيس” ومثقفو السودان الجديد عبر بناء الأطر واللوائح والمؤسسات التي تنقل المشروع من منطق التحالف المسلح إلى منطق الدولة.
لكن المعيار نفسه ينبغي أن يواجه به الجميع أنفسهم. لذلك أسأل د. ناهد وزملاءنا من الأكاديميين والمثقفين والقوى المدنية: ما موقفنا من العدالة التاريخية، وعلمانية الدولة، وإعادة بناء جيش جديد لا مجرد إصلاحه، وإعادة توزيع السلطة والثروة، ومساءلة الدولة عن حروب ما بعد الاستقلال لا عن حرب أبريل وحدها؟ وأي مشروع سياسي مدني بديل وضع هذه القضايا مجتمعة في صميم إعادة تأسيس السودان؟
هذه ليست دعوة للانضمام إلى “تأسيس”، ولا ادعاءً بأنه يحتكر السودان الجديد أخلاقياً أو سياسياً. إنها دعوة إلى مقابلة المشروع بالمشروع، والمبدأ بالمبدأ، والمؤسسة بالمؤسسة؛ فلا يجوز اختزال سؤال تأسيس الدولة في السجل الأخلاقي لقوة مسلحة واحدة، بينما تبقى الدولة القديمة ومؤسساتها وتاريخها خارج الفحص او الاختبار!
وهنا، يا د. ناهد، لا يختار المثقف بين البراءة والتلوث، بل يختار نوع مسؤوليته. لا نطلب منه تبرير بندقية يقف إلى جوارها، ولا نقبل أن تصبح “تأسيس” حصانة لأحد، أو أن يتحول السودان الجديد إلى اسم جديد للإفلات من المحاسبة. لكننا لا نرى أيضاً أن فضيلة المثقف تكمن في الوقوف بعيداً عن تناقضات التاريخ حفاظاً على طهارة رمزية، ثم الاقتراب بعد أن يدفع الآخرون كلفة التغيير.
فالمثقف العضوي ليس زينة للبندقية، لكنه ليس متفرجاً عليها أيضاً. مسؤوليته أن يدخل التناقض، ويعمل على تحويل المبادئ إلى مؤسسات، ويجعل القانون قيداً على الحليف قبل أن يكون حجة على الخصم. فإذا تحول وجوده إلى تبرير للسلاح فقد فشل؛ أما إذا أسهم في إخضاع القوة للمبدأ والمحاسبة، فقد أصبح جزءاً من الانتقال من تحالف حرب من جل الحقوق إلى مشروع دولة.
وهنا يلتقي تحذير سيمون فايل من أن القوة تشوه من يخضع لها ومن يمارسها، مع تمييز حنة آرنت بين العنف والقوة السياسية: العنف يستطيع هدم نظام، لكنه لا يستطيع وحده تأسيس الشرعية والعمل المشترك. وبين التحذيرين تقع مسؤوليتنا: أن نجعل انهيار القديم فرصة لبناء مؤسسة جديدة، لا مناسبة لإنتاج سيد جديد، ولا مش كده؟
لا نريد بندقية جديدة؛ نريد دولة لا تملكها البنادق.
د. ناهد محقة في جوهر سؤالها: السودان الجديد لا يصبح جديداً لأن بندقية جديدة هزمت بندقية قديمة. لكن السودان لن يصبح جديداً أيضاً إذا تحولت “جرائم” القوة الصاعدة إلى ذريعة لإعادة شرعية القوة القديمة؛ أو إذا حاسبنا المقاتل القادم من الهامش وأعفينا الدولة التي أنتجت الهامش؛ أو حاكمنا الجاني ولم نفحص المصنع السياسي والتاريخي الذي يعيد إنتاج الجناة والحروب.
المطلوب، إذن، ليس استبدال قوة بقوة، ولا إعفاء أحد من المحاسبة، بل تأسيس دولة يخضع فيها الجميع للمعيار نفسه: المواطن فوق البندقية، والقانون فوق الحليف والخصم، والمؤسسة أقوى من حامل السلاح.
هنا تحديداً تكمن قوة جيمس بالدوين: الماضي لا يختفي لأن المستفيد منه يعلن أنه لم يصنعه. فالناس، كما قال، محاصرون في التاريخ والتاريخ محاصر فيهم؛ ومواجهة هذا التاريخ ليست إدانة وراثية للأفراد، بل شرط للتحرر من استمراره.
الجرائم التي يرتكبها أي طرف يجب التحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها. لكن هناك ملفاً ثالثاً لا ينبغي أن يظل خارج المحكمة الأخلاقية والتاريخية: مسؤولية الدولة والنخب والمؤسسات والأفكار التي أنتجت شروط الحرب، ومسؤولية الصمت الذي سمح لموت بعض السودانيين بأن يظل، لعقود، على هامش الوعي الوطني.
ومشروع السودان الجديد، إذا كان جديراً باسمه، لا ينبغي أن ينتهي بانتصار جماعة على أخرى. ينبغي أن تكون مكاسبه قابلة لأن يراها كل مواطن: المهمش الذي يحصل على المساواة، والمرأة التي تحصل على مواطنتها الكاملة، والمسلم الذي يتحرر دينه من سلطة الدولة، وغير المسلم الذي تتحرر مواطنته من سلطة العقيدة الرسمية، والفقير الذي تصبح له حصة عادلة في الموارد، والإقليم الذي يملك سلطة حقيقية على شؤونه، والجندي الذي يصبح مهنياً لا أداة سياسية، والمواطن في المركز الذي يعيش أخيراً في دولة لا تعيد إرسال أبنائها إلى حرب جديدة كلما انفجرت تناقضاتها.
قد تبدو المساواة خسارة لمن اعتاد الامتياز كما اسلفنا، لكن السودان الجديد لا يستبدل امتيازاً بآخر؛ بل يحوّل ما احتكرته فئة إلى حق متساوٍ للجميع.
ولهذا فإن السؤال النهائي ليس:
هل نثق في الدعم السريع؟
ولا: هل نثق في الجيش؟
ولا حتى: هل نثق في المثقفين داخل “تأسيس”؟
السؤال التأسيسي أكثر صرامة وذكاء وهو:
هل نستطيع بناء نظام دستوري ومؤسسي لا يحتاج فيه المواطن إلى الثقة في أخلاق حامل البندقية، لأن القانون والمؤسسات والمجتمع أقوى من البندقية نفسها؟
وهل نستطيع بناء دولة لا يخسر فيها أحد حقاً مشروعاً عندما يحصل الآخر على حقه، وإنما يخسر فقط الامتياز الذي كان قائماً على حرمان الآخر من المساواة؟
إذا استطعنا ذلك، فلن يكون السودان الجديد مشروع الهامش ضد المركز، ولا “تأسيس” مجرد تحالف في حرب؛ سيكون السؤال الحقيقي هو ما إذا أمكن تحويل مبادئ إعادة التأسيس إلى عقد سياسي يحرر المركز والهامش معاً من دولة جعلت امتياز البعض وعدم أمان الجميع وجهين لنظام واحد.
هذا، في تقديري، هو الامتحان الحقيقي للسودان الجديد.
وهو أيضاً الامتحان الذي ينبغي أن يقف أمامه الجميع حين يقفون أمام المرآة ان كانوا يستطيعون!
النضال مستمر والنصر اكيد.



