تحليل سياسي

رمزية ودلالة “النار/الهواء/الماء/التراب ” (2) .

خالد تورين

التراب كونه الأكثر تعبيراً عن ماهو صلب وثقيل ومستقر ومنقسم ومفتت وقابل للتجزئة “العناصر/الذرات” ؛ وهو الاكثر قابلية للتعين والتمايز ؛ فالتراب مجموع “عناصر” كل عنصر يمكن فرزه وفصله وإعتباره ذات هوية مستقلة ؛ فالتراب يمثل رمزية الكم اكثر من كونه رمزية للنوع “الكيف ” . فعندما ينظر اليه من ناحية الكم يكون له هوية وملامح ، وعلي العكس عندما ينظر اليه من الناحيه الكيفية يكون مشتت ، هيولي دون هوية وملمح .
العلاقات بين العناصر “الأجزاء ” في التراب علاقة فيزيائية “خارجية ” اكثر من كونه علاقة كيميائية “داخلية ” وهو بذلك رمز التكاثر الكمي بل مكان التكاثر والخلق والنشأة والتكوين العددي الكمي . التراب من حيث هو كذلك يمثل ويرمز للمرأة من حيث الجسد في التنوع الكمي والتضاريسي لإنتاج وخلق التنوع الكمي والعددي ذاته . يكون التراب تراباً من حيث تعينه وتكاثره العددي وإنقسامه . وبذا يكون أكثر الحواس إشارة للتراب هو العين ؛ بمعني أن العين كحاسة كأنما وجدت لإدراك وتحديد الهيئة والشكل والرسم وما هو متعين ؛ فماهو هام واساسي للعين هو الشكل والهيئةوالتجسيد ، ولذا من خلال العين يتم التحديد والفرز الكمي اكثر من ما هو نوعي . هذا لا يعني أن الحواس الاخري لا تقوم مقام العين ولكن العين يقوم بالتمييز والتحديد والفرز الكمي اكثر من غيره من الحواس.
اما الماء فهو في منزلة بين منزلتين، منزلة التعين والشكل والهيئة والملامح والتجسيد والتجسيم والثقل والصلابة وبين التجريد واللاتحديد واللاتعين؛ فهو بين اللطافة والحركة والصيرورة وبين الكثافة والثبات والسيرورة . فالماء شفاف ومعتم في الآن ذاته ، واضح وغامض، سطحي وعميق، رمز للحياة والنماء وكذا الدمار والخراب ؛ هو بين صلابة وثقل وثبات ووضوح التراب وبين مرونة وخفة وحركية وغموض الهواء . ونجد في القرآن ” وكان عرشه علي الماء ” ، عرشه الضمير هو يرجع الي الذات الإلهية ، مما يعني بأن عرش الله كان ولا يزال علي الماء ، والتأويل الفلسفي للعرش هو الماهية ، والماهية هو ما يجعل الشئ شيئا دون غيره ، مما يعني أن ماهيه الله لا يكون إلا علي الماء وفي الماء وبالماء . وكيف يكون الماء ماهية المطلق ،؟ ذلك لأنه برزخ “وسط ” بين السماء والأرض الماء ذو طبيعة مزدوجة وهذا سمة الألوهية والاطلاقية .
مثلما أن حاسة العين هي حاسه التراب بمعني أن التراب يتحدد ويتميز ويتعين اكثر فأكثر بالعين ، فإن حاسة الماء الاكثر تحديدا وتمييزاً له هو الذوق “اللسان ” ، بمعني أن الذوق ” اللسان ” هو من يحدد الماء كيفاً وليس كماً . فإذا كانت علاقة العين “حاسة ” بالتراب ” محسوس ” علاقة فيزيائية وخارجية فإن علاقة اللسان “حاسة ” بالماء “محسوس ” علاقة داخلية وكيميا ئية _ عند التذوق ” باللسان” فإن الشئ المتذَوق يصبح جزء من المتذوِق وبصورة اكثر قرباً فلايمكن اخذ مسافة فاصلة بين بين اللسان ” الحاسة ” والمحوس “الماء ” ؛ علي عكس مما هو في التراب .
الماء روح الانوثه وجسد الذكورة من حيث أن الماء الذي يخرج من جسد الرجل هو سبب امومة المرأة “روحها ” . والماء روح المرأة في أن الماء اكثر عمقا في الباطن وأكثر سطحية في الظاهر ؛ اكثر شفافية ووضوحا وفي الآن ذاته اكثر غموضاً وتستراً . جذاب وفاتن وساحر ومغري وجميل في الظاهر ولكنه مخيف ومرعب وملغز وجليل في الباطن _ كثير من العطف والرعاية والحنان والعطاء وكثير من الدهاء والمكر والخبث ؛ كثير من الرقة والعذوبة والمرونة والتودد وكثير من القوة والصلابة والعزيمة _ كثير من الخمول وكثرة من النشاط والهمة. فروح المرأة مثل الماء برزخ ومنزلة بين منزلتين؛ فإذا كان الماء حامل العرش الالهي ” وكان عرشه علي الماء ” فكان المرأة حاملة الماهية الإلهية من حيث إنها رمز الخلق والتكوين . فإذا كان جسد المرأة رمز التراب وروحها الماء فإن مثالها الهواء.
الهواء _ نتيجة تخلل الماء وتكثيف النار ، برزخ بين الماء والنار؛ فيه خفة وحركية واقتحامية النار ، ولطف وسعة وروية الماء؛ ساكن سكون المحيط ومتحرك حركة الشعلة . خفي لا نكاد نراه ولكنه موجود وظاهر نكاد نحسه في كل مكان . خفته سبب حركته وانتشاره، وحركته سبب قوته واندفاعه ؛ الهواء حسب ارسطو جاف وبارد . هو روح الرجل من حيث نزوعه نحو الانفراد والابتعاد واللاشريك واللا استقرار . فإذا كان الماء يحوي ويحتوي فإن الهواء يُقصي ويُبعد وينفر ؛ لذا فإن سلطة الهواء خارجية ومن فوق ، بينما سلطة الماء داخلية ومن تحت وخفي . فالهواء هي الاكثر نزوعاً الي السماء منه الي الأرض، يسمو اكثر من كونه يدنو ويوطئ .
حاسة الهواء هي الشم “الأنف ” . فالعلاقة هنا بين الذات ” الحاسة ” والموضوع ” المحسوس ” لا هي بالخارجية بصورة اكبر مثل العلاقة بين العين والتراب ، ولاهي داخلية بصورة كبيرة كعلاقة الماء باللسان، فهي بين ذلك سبيلاً . يكون الهواء “الريح ” داخل الأنف ولكن ليس الي حد الاندماج والذوبان .
خالد تورين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى