تحليل سياسي

المركز الثقافي الجائر وموسيقي الزنق: هل هناك غناء هابط:

أستاذ: عبدالله ديدان

العقل النخبوي المتركز حول نفسه السودان، دايما ما يضع كل نشاط إنساني لمن خارج دائرته، تحت مجهر بنيته التمييزية والعنصرية المختلة، ليظل متحكما حتى فى الوجدان و الذائقة الإنسانية للفنون، فعندما ظهرت موسيقي الزنق فى منتصف التسعيانات وقبلها كان هنالك نمطا آخر من ذات السياق الذي أنتجها، أنبري حراس بوابة المشروع الثقافي للدولة الموروثة من المستعمر بكل قيمها الثقافية، الإجتماعية، السياسية والإقتصادية، وأشهروا أسلحتهم القمعية والتخويفية، فالقوا هذا غناء هابط وموسيقي قبيحة، لا ، حتى أن بعضهم قال هذه ليست موسيقي أصلا وإنما كركبة تسبب التشهوه السمعي!
فكان أن سدت فى وجه موسيقي ومعني الذنق، كل أبواب مسارح الغناء المؤسسي المحتكرة، ولا أعني بها فقط التى تمتلكها الدولة، إنما حتي أتحاد الفنانيين والمسارح والقنوات التلفزيوينة والإذاعيةوكل منصات الغناء، بحجة أنهم غير مؤهلين لذلك ويشوهون الفن والموسيقي، لأنه فنهم هو عناء هابط، هكذا تم إصدار الحكم وحصر ممارسي موسيقي الذنق ومغنييها فى زريبة طبقية تمييزية، لا يعترف صاحبها بالتنوع ولا حق التحرر الفني والوجداني والذوقي لطبقات يجب أن تظل مقهورة، فهو العقل الذي أنتجته الدولة الإقصائية ومشروعها السياسي الموروث من المستعمر.
ليس من السهل أن يتم وصف نمط موسيقي وفني مثل موسيقى الزنق في السودان من موقع الحكم الأخلاقي أو الذوقي والعلمي، بأنه غناء هابط وموسيقي هابطه، فنصفها ويتم غلق باب النقاش، فالفن، في جوهره، ليس إمتحانا في الذوق الرفيع الذي هو شئ نسبي، يتفاوت إجتماعيا وثقافيا حسب سياقات معينة تشكل الذائقة الوجدانية والنفسية للمتلقي والمنتج معا، بالتالي الموسيقي والغناء، بقدر ما هو تعبير عن المجتمع وتحولاته و المساحات التي يجد فيها الناس أنفسهم وأصواتهم وذاكرتهم.
لكن السؤال الأكثر أهمية هو، هل ظهور موسيقى الزنق وتوسعها يمثل تطورا طبيعيا في الثقافة الموسيقية السودانية، أم أنه نتيجة لأزمة أعمق في المؤسسة الثقافية السودانية، المشكلة في جانب منها، ليست في موسيقى الزنق ذاتها، وإنما في الطريقة التي تعامل بها المركز الثقافي السوداني تاريخيا مع الأشكال الموسيقية القادمة من الأطراف الاجتماعية والثقافية، حيث ظل تعريف ما أطلقت عليه صفة الفن الرفيع في السودان مرتبطا إلى حد كبير، بمؤسسات ودوائر ثقافية محددة، إمتلكت سلطة تصنيف الموسيقى إلى راقية وهابطة، أصيلة ودخيلة، نخبوية وشعبية، وهنا نتسائل، من منح الذيالمركز الثقافي حق إصدار شهادة الجودة الفنية.
فحين تأتي الموسيقى من فضاء المدينة الرسمي، أو من المؤسسات الثقافية والأكاديمية، تصبح قابلة للاحتفاء والتوثيق والنقد، أما حين تأتي من الشارع ومن الأحياء الشعبية ومن الشباب ومن جماعات إجتماعية وثقافية مهمشة، يتم إعتبارها تهديدا للذوق العام وكأن منتجيها ومتذوقيها ليسوا من هذا الذوق العام، أو هكذا تصلهم الرسالة الخربة.
هذه ليست قضية موسيقية فقط، إنها قضية سلطة ثقافية وسياسية وإجتماعية توزع صكوك المواطنة والحقوق حتى الوجدانية والذوقية، فالذوق نفسه قد يصبح طبقيا ومركزيا، عندما تتحول أذواق مجموعة إجتماعية إلى معيار وطني عام، بينما تعامل أذواق الآخرين بإعتبارها أقل قيمة، مع إنه فى الفنون وتذوقها ليس هناك شئ إسمه الذوق العام.
موسيقى الزنق هيصوت إجتماعي، ثقلفي وطبقي قبل أن تكون نوعاً موسيقيا ويمكن النظر إلىها كأحد التعبيرات التي نشأت في فضاءات إجتماعية محددة وحملت معها إيقاعات ولغة وأزياء وحركات ورؤى تعكس عالماً اجتماعياً جديدا، عالم ظل محروما من حقه فى أن يكون ذاته فى وطن لا يقر المواطنة وحقوقها، فنمط موسيقي الذنق والسياق الذي أنتجه، يجعلنا لا نعتبره مجرد أصوات مرتفعة أو إيقاعات سريعة وكلمات غنائية ليست بنت المركز الثقافي، إنما هي إحتجاج ثقافي على احتكار المركز لتعريف ما ينبغي أن يكون عليه الفن السوداني وموسيقاه، لهذا فإن ازدهارها لا ينبغي أن تتم قراءته، فقط بوصفه مؤشرا للذوق الفني، لكن بوصفه مؤشرا على تحول اجتماعي عميق وثورة حقوقية إنسانية، تنتزع مواطنتها الفنية والموسيقية بقوة الإرادة، فحين لا يجد الشباب أنفسهم في الموسيقى التي تقدمها المؤسسات الرسمية، فإنهم يصنعون موسيقاهم الخاصة وحين لا تعكس المنابر الثقافية لغتهم وتجاربهم، فإن الشارع يتحول إلى مسرح وحين يشعر قطاع واسع من المجتمع أن الثقافة الرسمية لا تمثله، فإنه يبحث عن ثقافته خارج المركز الثقافي، لذلك وجدانيا وذوقيا، ليس هنالك فرق بين ود اللمين وحمادة عباسية ولا بين رشا الزنجية وأفراح عصام ولا بين عثمان حسين ومحمد حسن بوتو وموسيقيا بالطبع ليس هنالك فرق بين محمدية وعلي تباشي أو بين بدر الدين عجاج وطاسو ولا بين نيجيري وأسامة بكيلو، فلكل نمطه الموسيقي وسياقه الإجتماعي والطبقي والثقافي الذي أنتجه ولكل جمهوره الذي يتذوق غناءه وموسيقاه وجدانيا ونفسيا، المسألة ليست مقارنات أو فرض مركزي ذوقي يتحكم فى وجدان الناس طبقيا وإجتماعيا ويفرض نمطه الثقافي على الآخرين كمنتج من دولة موروثة من المستعمر تحتكر تعريف الوطنية والحقوق والوجدان بما يحدم سيطرتها على الوطن.
الشعوب التى تحرر إنسانها لا تفرض نمطا ثقافيا مركزيا على إنسانها، فموسيقي الراب والريقي والبوب والراب والهيب هو والموسيقي الريفية والبلوز كلها إسمها فنون أمريكية وتتمتع بذات الوجود والإنسان حر فإن يتذوق ما يشاء، دون أن يصفه مركز ما بأن ذوقه متدني ويحاربه بناء هلى ذلك، لذلك هناك فنانين فقط وجماهير حإة لا يفرض عليها نمط فني إستعلائي، فيحظي اسنوب دووك بذات ما تحظي به سيلين ديون ويحظي ويحظي بس بي كنج بذات ماتحظي ويتني هيوستن وهكذا، هي حرية الذائقة وحرية المؤسسات الفنية فى دولة الحقوق والمواطنة التى يحميها القانون، الإ من النقد الفني وليس التقسيم التهميشي الإقصائي، الذي هو يعتبر جريمة كبري تهدد المواطنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى