تحليل سياسي

فشل المشروع السياسي السوداني لدولة ما بعد الاستعمار: أزمة المواطنة وإعادة بناء الدولة على أساس المصالح المشتركة

عبدالله ديدان

ارتبط سعي الإنسان المتواصل إلى تحقيق الرفاه العام وجعل الحياة أكثر أمنًا واستقرارًا ويسرًا بتطور أنماط التنظيم الاجتماعي والسياسي، وصولًا إلى الدولة الحديثة، بوصفها إحدى أهم خيرات التجربة الإنسانية في إدارة المصالح وتنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات، إذ لم تكن الدولة الحديثة مجرد إطار جغرافي أو مؤسسة سياسية، إنما جاءت نتيجة تراكم طويل من الخبرات والصراعات والتسويات التي أسهمت في تطوير مفاهيم السيادة والقانون والمواطنة والحقوق والواجبات، وفي بناء المؤسسات القادرة على إدارة الموارد والمصالح المشتركة.

لقد ارتبط مفهوم الدولة الحديثة بصورة وثيقة بمفهوم السيادة الوطنية والاعتراف بحق الشعوب في امتلاك أراضيها وإدارة مواردها وتحديد شكل نظامها السياسي، ضمن منظومة من القواعد والقوانين والمؤسسات التي تطورت تاريخيًا لتنظيم العلاقات بين الدولة والمواطنين. بذلك أصبحت الدولة، في صورتها الأساسية، تقوم على عناصر مترابطة تتمثل في الأرض ذات الحدود الجغرافية، والسكان، والموارد، والسلطة السياسية، والمؤسسات المنظمة للعلاقة بين هذه العناصر.

غير أن وجود هذه العناصر بصورة مادية لا يعني بالضرورة نجاح الدولة في أداء وظائفها التاريخية. فالدولة لا تصبح دولة وطنية ناجحة بمجرد امتلاكها إقليمًا وسكانًا ومؤسسات سياسية، إنما بقدرتها على تحويل هذه العناصر إلى مشروع وطني مشترك يقوم على المساواة، وسيادة القانون، والعدالة، والمشاركة، وحماية الحقوق، وإدارة التنوع، وتوزيع الموارد والفرص بصورة عادلة.

ومن هنا تبرز المواطنة باعتبارها إحدى أهم الآليات السياسية والقانونية والأخلاقية التي تربط الإنسان بالدولة وتحدد طبيعة العلاقة بين المواطنين أنفسهم من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى. فالمواطنة، في بعدها القانوني والسياسي، تعني المساواة في الحقوق والواجبات، والحق في المشاركة في إدارة الشأن العام، والانتفاع العادل بموارد الدولة، والحماية المتساوية أمام القانون. أما في بعدها الاجتماعي والثقافي، فهي تتجاوز مجرد حمل الجنسية لتصبح شعورًا بالانتماء إلى وطن مشترك، وقبولًا بالتنوع، وإدراكًا لحقيقة أن اختلاف المواطنين لا ينتقص من مساواتهم في الحقوق ولا من شراكتهم في الوطن.

السودان ومأزق الدولة الموروثة من الاستعمار

لا تشكل الحالة السودانية استثناءً من هذه القاعدة، إلا أن خصوصية التجربة السودانية تكمن في أن مشروع الدولة الوطنية الذي ورثته النخبة المركزية السودانية من المستعمر لم يكن راغبًا بصورة واضحة في مشروع للمواطنة والدولة المشتركة.

فقد ورث السودان من المستعمر مشروعه السياسي ومؤسسات دولة وحدودًا جغرافية ونظامًا قانونيًا وإداريًا، لكنه لم يرث بالضرورة عقدًا اجتماعيًا وسياسيًا متوافقًا عليه بين مكونات الشعوب السودانية المختلفة. من هنا يمكن فهم جانب أساسي من أوجه الفشل التاريخي للمشروع السياسي السوداني الموروث من المستعمر، أي نجاح نخب المركز في وراثة الدولة كجهاز سياسي وإداري، مقابل الفشل في إعادة تأسيسها باعتبارها مشروعًا وطنيًا تمتلكه الشعوب السودانية دون تمييز.

لقد ظلت الدولة السودانية تعاني من اختلالات عميقة في توزيع السلطة والثروة والفرص، والاعتراف بالتنوع الاجتماعي والثقافي والجغرافي، وفي بناء مؤسسات سياسية تعبر عن جميع الشعوب السودانية. لذلك نجد أن الصراع السوداني ليس مجرد صراع على السلطة السياسية، وإنما في جوهره صراع حول من يمتلك الدولة، ومن يحق له تعريف هويتها، ومن يملك حق المشاركة في مواردها ومؤسساتها، ومن يتمتع فعليًا بالمواطنة الكاملة.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الانقلابات العسكرية والكفاح المسلح والفوارق بين المركز والتهميش وأزمات الحكم ونظام الدولة، بوصفها مظاهر مختلفة لأزمة أعمق، تتمثل في فشل نخب المركز المسيطرة على الدولة في بناء عقد اجتماعي وطني ينظم علاقة السودانيين بالدولة وببعضهم البعض على أساس المساواة والشراكة.

من أزمة الدولة إلى أزمة المواطنة

استمرار هذه الاختلالات أدى إلى أن تصبح المواطنة في السودان، بالنسبة للمشروع السياسي السوداني، مفهومًا هتافيًا أكثر منه ممارسة سياسية واجتماعية مكتملة. فالدستور والقانون قد يقران المساواة بين المواطنين، لكن التجربة التاريخية للدولة السودانية الموروثة من المستعمر أظهرت وجود فجوة بين المواطنة القانونية والمواطنة الفعلية.

وتظهر هذه الفجوة عندما تختلف الفرص بين الشعوب السودانية في الوصول إلى السلطة أو التعليم أو الخدمات أو الموارد أو العدالة، باختلاف موقعهم الجغرافي أو انتمائهم الاجتماعي أو الثقافي أو السياسي. كما تظهر عندما تجد جماعات اجتماعية واسعة أن الدولة لا تمثلها، أو أن مواردها تدار لمصلحة جماعات أخرى، أو أن مؤسسات الدولة لا توفر لها الحقوق والاعتراف والمشاركة المتساوية.

هنا يصبح سؤال المواطنة مرتبطًا بصورة مباشرة بسؤال الهوية الوطنية. فكلما عجزت الدولة عن بناء شعور مشترك بالانتماء، أصبح تعريف من هو السوداني سؤالًا سياسيًا شديد الواقعية، ويصبح الاختلاف الثقافي أو الديني أو العرقي أو الجهوي قابلًا للتحول إلى صراع حول السلطة والموارد والاعتراف، وبالطبع يمكن وصفه بأنه يصبح صراعًا وجوديًا.

التنوع السوداني وإعادة تعريف الهوية الوطنية

تتميز الشعوب السودانية بتنوع واسع ومعقد: عرقي، وثقافي، وديني، ولغوي، واجتماعي، وجغرافي، وبيئي، واقتصادي. بالطبع، لا يمثل هذا التنوع في ذاته مشكلة للدولة، لكن المشكلة بدأت عندما تعاملت معه النخب المسيطرة باعتباره تهديدًا لسيطرتها على الدولة، بدلًا من الاعتراف بأن هذا التنوع هو جوهر وأصل الوجود السوداني كمكان وكإنسان.

إلا أن المشروع السياسي ونخبه التي ظلت تعادي باستمرار أي طرح مغاير لمصالحها المتمحورة حولها، وتصر على فرض مشروعها أحادي الاتجاه، وتهميش الأغلبية واعتبارها ترلة تابعة بلا مواطنة كاملة.

هذا المنحى لنخب المشروع السياسي الموروث من المستعمر، في حقيقته، لا يعترف بالقيمة الإنسانية والسياسية للمواطنة التي تعني أن يكون الإنسان السوداني، في صورته المجردة، مساويًا للإنسان السوداني الآخر في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن نوعه، أو دينه، أو عرقه، أو لونه، أو لغته، أو ثقافته، أو موقعه الجغرافي، أو وضعه الاقتصادي والاجتماعي، أو أفكاره ومواقفه السياسية، أو طبقته، أو حفيد بيوتات.

فشل المشروع السياسي واختلال موازين القوى

يمكن تفسير جانب مهم من فشل المشروع السياسي السوداني من خلال اختلال موازين القوى بين مكونات المجتمع ومؤسساته. فقد ظلت عملية صناعة الدولة والسياسات العامة، في مراحل تاريخية مختلفة، أكثر ارتباطًا بمراكز قوى محددة، بينما ظلت شعوب سودانية واسعة تشكل الأغلبية خارج دوائر اتخاذ القرار والتأثير الحقيقي.

هذا الاختلال لم يكن سياسيًا فقط، بل كان اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا. فضعف المشاركة العادلة بين المركز والأقاليم، وبين النخب والمجتمعات المحلية، وبين الرجال والنساء، وبين الأجيال المختلفة، وبين المنتجين والسلطة السياسية، أدى إلى إنتاج دولة لا تعبر عن الشعوب السودانية، فأصبحت دولة مركز مسيطر وهامش يتم قتله وتشريده وإفقاره وحرمانه من أي خدمات تنموية.

فإن معالجة أزمة الدولة السودانية الموروثة من المستعمر ومشروعها السياسي، لا يمكن أن تقتصر على تغيير الحكومة أو تعديل الدستور أو إجراء انتخابات دورية، رغم أهمية كل ذلك، بل تتطلب إعادة توزيع القدرة على المشاركة في صناعة القرار الوطني، أي تأسيس دولة وطنية جديدة تمامًا وبمؤسسات جديدة، لتكون دولة وطنية تنشأ برؤية ومشاركة كل الشعوب السودانية ويتم تعريفها بدولة المواطنة. وهذا يتطلب تفكيك الدولة الموروثة من المستعمر ومؤسساتها ومشروعها السياسي المختل.

فالفشل التاريخي للمشروع السياسي السوداني لدولة ما بعد الاستعمار، لا يكمن فقط في ضعف الحكومات أو كثرة الانقلابات أو الحروب، بل يكمن في عجز المشروع السياسي الذي أنتجه فضاء دولة المستعمر نفسه عن تحويل الدولة الموروثة من الاستعمار إلى دولة وطنية مكتملة، تقوم على عقد اجتماعي متوافق عليه بين السودانيين.

حيث ظل السودان يمتلك الدولة كمؤسسات وموارد وسلطة، لكنه عانى طويلًا من أزمة في بناء الدولة باعتبارها مشروعًا للمواطنة المتساوية والمصالح المشتركة. ومن هنا، فإن إعادة تأسيس السودان لا ينبغي أن تبدأ فقط من إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنما من إعادة بناء العلاقة بين الإنسان السوداني والدولة وشعوبها.

فالدولة السودانية المنشودة ليست دولة تقوم على هيمنة مجموعة على أخرى، ولا دولة تقوم على إلغاء التنوع باسم الوحدة، ولا دولة تقوم على تفكيك الوحدة باسم التنوع، وإنما هي دولة تقوم على المساواة في المواطنة، والعدالة في توزيع الموارد والفرص، والشراكة في السلطة، والاعتراف بالتنوع، وسيادة القانون، وكرامة الإنسان.

عليه، فإن المشروع الوطني الجديد هو الذي ينقل السودانيين من منطق الصراع على الدولة إلى منطق الشراكة في الدولة، ومن التنافس على امتلاك الموارد إلى التوافق على إدارتها بعدالة، ومن سؤال الهوية الإقصائية إلى هوية وطنية تستوعب التعدد والتنوع، ومن دولة ما بعد الاستعمار الموروثة إلى دولة وطنية يُعاد تأسيسها بإرادة شعوبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى