علوم

4-7-الأرض والدولة في السودان: من قوانين الاستعمار الداخلي إلى رؤية السودان الجديد من ملكية الدولة إلى سيادة المجتمع: الأرض وإعادة تأسيس السودان

خالد كودي، نيروبي

23/7/2026 خالد كودي، نيروبي

أولاً: لماذا تخاف النخب من الاعتراف بحقوق المجتمعات؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الجدل حول ملكية الأرض في السودان يدور حول مسألة قانونية أو عقارية بحتة، وأن الاعتراف بالحقوق التاريخية للمجتمعات المحلية لا يعدو أن يكون تصحيحاً لسجل الملكية أو إعادة تنظيم للعلاقة بين الدولة والمواطنين. غير أن هذا الفهم يغفل حقيقة أكثر عمقاً، وهي أن الملكية ليست مجرد علاقة بين الإنسان والأرض، وإنما هي علاقة بين السلطة والمجتمع. ولهذا فإن الصراع حول الأرض لم يكن يوماً صراعاً على العقار، بل كان صراعاً على السيادة، وعلى الجهة التي تمتلك حق اتخاذ القرار بشأن الموارد، والثروة، والاستثمار، والتنمية، وحتى شكل الدولة نفسها.
ولهذا السبب، لم تواجه الدعوات إلى الاعتراف بالملكية الجماعية مقاومة لأنها تهدد مصالح عقارية محدودة، وإنما لأنها تمس البنية التي قامت عليها الدولة المركزية منذ نشأتها. فالاعتراف القانوني بأن الأرض ملك للمجتمعات التاريخية يعني، في جوهره، أن الدولة لم تعد المصدر الوحيد للملكية، ولم تعد الجهة الوحيدة التي تمنح الامتيازات أو تحدد مصير الموارد. وهذا انتقال لا يغير وضع الأرض وحدها، بل يعيد توزيع السلطة بين الدولة والمجتمع.
يشير الاقتصادي دوغلاس نورث الحائز على جائزة نوبل إلى أن المؤسسات ليست مجرد أجهزة حكومية أو قوانين مكتوبة، وإنما هي “قواعد اللعبة” التي تحدد توزيع القوة والموارد داخل المجتمع. ومن هذا المنظور، فإن قوانين الملكية ليست قوانين عقارية بالمعنى الضيق، بل هي مؤسسات سياسية تحدد من يملك حق الوصول إلى الموارد، ومن يملك حق اتخاذ القرار بشأنها، ومن يملك القدرة على تحويل الموارد الطبيعية إلى ثروة اقتصادية ونفوذ سياسي. ولذلك فإن أي تغيير في نظام الملكية يؤدي بالضرورة إلى تغيير في بنية السلطة نفسها.
وتتوسع أعمال دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون في هذا الاتجاه، إذ يميزان بين المؤسسات الشاملة
(Inclusive Institutions)
(Extractive Institutions) والمؤسسات الاستخراجية
فالمؤسسات الشاملة توزع الحقوق الاقتصادية والسياسية على نطاق واسع، وتمكن المواطنين من المشاركة في إنتاج الثروة واتخاذ القرار، بينما تقوم المؤسسات الاستخراجية على تركيز السلطة الاقتصادية والسياسية في يد نخبة محدودة تستخدم الدولة لاستخراج الموارد من المجتمع وإعادة توزيعها بما يحافظ على امتيازاتها. ومن هذا المنظور، لا تكون قوانين الأراضي مجرد أدوات لتنظيم الملكية، بل أحد أهم المؤشرات التي تكشف طبيعة النظام السياسي نفسه.
وينطبق هذا التحليل بدرجة كبيرة على الحالة السودانية. فعندما تصبح الدولة هي المالك القانوني لمعظم الأراضي، فإنها لا تحتكر الأرض فحسب، بل تحتكر أيضاً سلطة منح الامتيازات الزراعية، والتعدينية، والاستثمارية، وإعادة تخصيص الموارد، ورسم أولويات التنمية. وبذلك تتحول الأرض إلى مصدر مباشر للنفوذ السياسي؛ إذ يصبح الوصول إلى الموارد مرتبطاً بالقرب من مركز السلطة، لا بالحقوق التاريخية للمجتمعات أو بقواعد العدالة الدستورية.
ومن هنا، فإن الاعتراف بالملكية الجماعية يعني أكثر بكثير من إعادة تسجيل الأراضي. فهو يعني أن المجتمعات تصبح شريكاً أصيلاً في اتخاذ القرار بشأن مواردها، وأن الدولة تفقد احتكارها لتخصيص الأراضي، ومنح الامتيازات، والتفاوض باسم المجتمعات مع المستثمرين، والتصرف في الموارد الطبيعية دون موافقتها. ولهذا فإن ما تخسره الدولة المركزية ليس مساحة من الأرض، وإنما احتكارها لإنتاج السلطة الاقتصادية.
وهذا ما يجعل قضية الأرض تتحول من مسألة عقارية إلى قضية دستورية. فالقانون العقاري يجيب عن سؤال: من يملك قطعة الأرض؟ أما الدستور فيجيب عن سؤال أكثر عمقاً: من يملك حق تعريف الملكية نفسها؟ ومن يحدد العلاقة بين المجتمع والدولة والموارد الطبيعية؟ ولذلك فإن الصراع حول الأرض في السودان ليس نزاعاً حول الخرائط أو السجلات العقارية، بل هو خلاف حول طبيعة العقد الاجتماعي الذي ستقوم عليه الدولة الجديدة.
ويقدم كارل بولاني تفسيراً يساعد على فهم سبب هذه المقاومة. ففي كتابه التحول العظيم، يبين أن تحويل الأرض إلى سلعة خاضعة بالكامل لسلطة السوق أو الدولة يؤدي إلى إعادة تشكيل المجتمع كله، لأن الأرض ليست مجرد أصل اقتصادي، بل هي الحيز الذي تتكون فيه الهوية والعلاقات الاجتماعية والثقافية. ولهذا فإن من يسيطر على الأرض لا يسيطر على مورد اقتصادي فحسب، بل يسيطر أيضاً على شروط إنتاج المجتمع نفسه. وعندما تصبح الدولة هي المالك الأكبر للأرض، فإنها تمتلك في الوقت ذاته القدرة على إعادة تشكيل المجتمع من خلال منح الأراضي، أو حجبها، أو إعادة توزيعها، أو تخصيصها للاستثمار وفقاً لأولوياتها السياسية.
وهذا يفسر لماذا تنظر النخب المركزية إلى تقنين حقوق المجتمعات بوصفه تهديداً وجودياً، حتى عندما لا تعلن ذلك صراحة. فالمسألة لا تتعلق بخسارة بعض الامتيازات الاقتصادية فقط، وإنما بخسارة القدرة على استخدام الأرض أداةً لإعادة إنتاج السلطة. فالدولة التي لا تستطيع منح الامتيازات الزراعية، أو تخصيص مناطق التعدين، أو إعادة رسم حدود الاستثمار دون موافقة أصحاب الحقوق التاريخية، هي دولة تختلف جذرياً عن الدولة التي عرفها السودان طوال العقود الماضية.
ومن هنا، يصبح مفهوماً لماذا تتحول مقاومة الاعتراف بالملكية الجماعية إلى مقاومة سياسية وإعلامية وفكرية، لا إلى مجرد خلاف قانوني. فالنخب التي بنت نفوذها على مركزية الدولة تدرك أن نقل الملكية إلى المجتمع يعني، في النهاية، نقل جزء كبير من السلطة الاقتصادية إليه أيضاً. ولذلك فإن كثيراً من الخطابات التي تتحدث عن حماية الوحدة الوطنية، أو تشجيع الاستثمار، أو الحفاظ على هيبة الدولة، تخفي وراءها في أحيان كثيرة دفاعاً عن نموذج قديم يقوم على احتكار المركز للموارد، أكثر مما تعبر عن حرص حقيقي على التنمية أو الاستقرار.
ولهذا فإن جوهر الصراع في السودان لا يدور بين أنصار الملكية الخاصة وأنصار الملكية الجماعية، ولا بين الحداثة والتقليد، بل بين تصورين مختلفين للدولة. الأول يرى أن الدولة هي المصدر الأصلي للحقوق، وأن المجتمع يكتسب حقوقه منها. أما الثاني، وهو الذي تتبناه رؤية السودان الجديد، فيرى أن الدولة تستمد شرعيتها من الاعتراف بالحقوق التاريخية للمجتمعات وحمايتها. وفي الحالة الأولى تصبح الأرض أداة لبناء السلطة المركزية، أما في الحالة الثانية فتصبح أساساً لإعادة توزيع السلطة وبناء مواطنة متساوية.
ومن ثم، فإن الاعتراف القانوني بالملكية الجماعية لا يعني نقل ملكية الأرض من الدولة إلى المجتمع فقط، بل يعني نقل مركز القوة نفسه. فهو يعيد توزيع السلطة الاقتصادية، ويحد من احتكار الامتيازات، ويجعل التنمية قائمة على الشراكة لا الوصاية، ويحول الدولة من مالك للموارد إلى ضامن للحقوق. ولهذا تخاف النخب من الاعتراف بحقوق المجتمعات، ليس لأنه يغير السجل العقاري، بل لأنه يغير البنية التي أنتجت امتيازاتها لعقود طويلة. فحين يصبح المجتمع مالكاً لأرضه، يصبح شريكاً في تقرير مستقبله، وعندها تبدأ الدولة في التحول من دولة تحتكر الموارد إلى دولة تستمد شرعيتها من حماية حقوق مواطنيها.

ثانياً: الثورة المضادة في التاريخ الأمريكي: كيف أُجهض مشروع العدالة الاقتصادية بعد الحرب الأهلية؟
لفهم طبيعة الثورة المضادة التي تواجه أي مشروع يسعى إلى إعادة توزيع السلطة والثروة، يصعب العثور على مثال أوضح من التجربة الأمريكية بعد الحرب الأهلية (1861–1865). فهذه التجربة لا تكمن أهميتها في أنها تتعلق بتاريخ الولايات المتحدة فحسب، بل لأنها تقدم نموذجاً تاريخياً يكشف كيف يمكن للنخب التقليدية أن تقبل، ولو مؤقتاً، ببعض الإصلاحات السياسية، لكنها تدخل في مواجهة شرسة عندما يصل الإصلاح إلى ملكية الأرض وإعادة توزيع القوة الاقتصادية.
ولهذا فإن التجربة الأمريكية ليست مجرد مقارنة تاريخية بالحالة السودانية، وإنما مختبر سياسي يوضح أن الثورات لا تُجهض عادةً عند حدود الحقوق المدنية، بل عندما تقترب من إعادة بناء النظام الاقتصادي الذي أنتج الظلم منذ البداية
إعادة الإعمار: أول محاولة لبناء ديمقراطية متعددة الأعراق
بعد انتصار الاتحاد وإلغاء الرق بموجب التعديل الثالث عشر للدستور الأمريكي عام 1865، دخلت الولايات المتحدة مرحلة (Reconstruction) عُرفت باسم إعادة الإعمار
ولم يكن الهدف منها إنهاء العبودية قانونياً فحسب، بل إعادة دمج الولايات الجنوبية في الاتحاد، وبناء نظام سياسي جديد يقوم على المواطنة المتساوية
وقد منحت التعديلات الدستورية اللاحقة السود الأمريكيين الجنسية الكاملة (التعديل الرابع عشر)، ثم حق التصويت للرجال السود (التعديل الخامس عشر). وللمرة الأولى في التاريخ الأمريكي انتُخب مئات الأمريكيين السود في المجالس المحلية والبرلمانات، ودخل عدد منهم الكونغرس الأمريكي، وبدأت تظهر ملامح نظام سياسي أكثر شمولاً.
(Eric Foner) لكن، كما يوضح المؤرخ إريك فونر
فإن هذه الثورة السياسية كانت ناقصة منذ البداية، لأنها لم تحسم السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية: من يملك الأرض؟ فالحرية القانونية لا تكفي إذا ظل المحررون بلا موارد، بلا تعليم، وبلا وسائل إنتاج، وبلا استقلال اقتصادي
مكتب شؤون المحررين: محاولة لبناء الاستقلال الاقتصادي
(Freedmen’s Bureau) لهذا أنشأ الكونغرس الأمريكي عام 1865 مكتب شؤون المحررين
الذي لم يكن مجرد مؤسسة للإغاثة، بل كان مشروعاً لإعادة بناء المجتمع الجنوبي. فقد تولى المكتب إنشاء المدارس، وتقديم الرعاية الصحية، والمساعدة القانونية، وتنظيم عقود العمل، والأهم من ذلك، الإشراف على إعادة توزيع بعض الأراضي التي صودرت من كبار ملاك العبيد.
وكانت الفكرة الجوهرية بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: لا يمكن للعبيد المحررين أن يصبحوا مواطنين أحراراً إذا ظلوا يعتمدون اقتصادياً على أسيادهم السابقين. ولذلك أدرك كثير من قادة إعادة الإعمار أن الحرية السياسية لا تستقيم دون استقلال اقتصادي.
“أربعون فداناً وبغل”: أخطر مشروع في تاريخ إعادة الإعمار
في يناير 1865 أصدر الجنرال ويليام تيكومسيه شيرمان الأمر العسكري رقم (15)، الذي خصص مساحات واسعة من الأراضي الساحلية المصادرة في ولايتي جورجيا وكارولاينا الجنوبية لإعادة توطين العبيد المحررين، بواقع أربعين فداناً لكل أسرة، ثم أضيفت إليها لاحقاً بعض الحيوانات والآليات العسكرية الفائضة، لتظهر العبارة الشهيرة:
– أربعون فدانا وبغل”Forty Acres and a Mule”
ولم تكن هذه العبارة مجرد شعار، بل كانت تمثل رؤية اقتصادية متكاملة. فقد أدرك واضعوها أن المواطنة لا تُحمى بالقوانين وحدها، وإنما بامتلاك وسائل الإنتاج. فالأرض لم تكن تعويضاً عن العبودية، بل كانت شرطاً ضرورياً لتحويل العبيد السابقين إلى مزارعين مستقلين، قادرين على إنتاج ثروتهم بعيداً عن هيمنة ملاك المزارع البيض.
(W.E.B. Du Bois) ولهذا السبب، يرى المفكر الأمريكي
(Black Reconstruction in America) في كتابه الشهير
أن إعادة توزيع الأرض كانت أهم مشروع ديمقراطي شهدته الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية. ويذهب إلى أن أكبر خطأ ارتكبته الدولة الأمريكية لم يكن منح السود حق التصويت، بل التراجع عن منحهم الأرض، لأن الديمقراطية التي لا تستند إلى استقلال اقتصادي تبقى عرضة للانهيار.
أندرو جونسون: بداية الثورة المضادة
غير أن هذه التجربة لم تدم طويلاً. فبعد اغتيال الرئيس أبراهام لنكولن في أبريل 1865، تولى نائبه أندرو جونسون الرئاسة، واتخذ سلسلة من القرارات التي غيرت مسار إعادة الإعمار بالكامل.
فقد أصدر عفواً واسعاً عن كبار ملاك العبيد الذين شاركوا في التمرد، وأعاد إليهم معظم الأراضي التي كانت قد صودرت أثناء الحرب، بما في ذلك الأراضي التي استقر عليها آلاف المحررين. وهكذا وجد كثير من السود أنفسهم مطرودين من الأراضي التي بدأوا في استصلاحها، وعادوا مرة أخرى إلى نقطة الصفر.
وهنا بدأت الثورة المضادة بالمعنى الحقيقي. فهي لم تبدأ بإلغاء حق التصويت، ولم تبدأ بإعادة الرق، بل بدأت بإعادة الأرض إلى النخب القديمة. لقد أدركت هذه النخب أن السيطرة على الأرض تعني السيطرة على الاقتصاد، وأن من يملك الاقتصاد يستطيع، عاجلاً أم آجلاً، استعادة السيطرة على السياسة أيضاً.
القوانين السوداء: إعادة إنتاج العبودية بأدوات قانونية
(Black Codes) بعد استعادة كبار الملاك أراضيهم، سارعت الولايات الجنوبية إلى إصدار ما عُرف بـ القوانين السوداء
وهي مجموعة من التشريعات التي قيدت حرية السود في التنقل والعمل والتملك، وفرضت عليهم عقوبات قاسية إذا لم يوقعوا عقود عمل مع أصحاب المزارع.
وبذلك لم تعد العبودية قائمة قانوناً، لكنها عادت بصورة مختلفة. فقد أصبح كثير من المحررين مجبرين اقتصادياً على العمل في المزارع نفسها التي كانوا مستعبدين فيها، لأنهم ببساطة لم يعودوا يملكون الأرض التي تمكنهم من الاستقلال
المزارعة بالمشاركة: العبودية في ثوب جديد
ومن رحم هذه السياسات ظهر نظام المزارعة بالمشاركة
(Sharecropping)
الذي سمح للمزارعين السود باستغلال جزء من أراضي الملاك البيض مقابل نسبة من المحصول.
وبدا النظام، في ظاهره، أكثر عدلاً من العبودية، لكنه في الواقع خلق دائرة مغلقة من الديون والتبعية. فقد كان المزارع يستدين البذور والأدوات والطعام من مالك الأرض، ثم يسددها من المحصول، بينما تُحدد الأسعار والديون بواسطة المالك نفسه. وهكذا انتهى الأمر بأجيال كاملة من الأمريكيين السود إلى العمل في الأرض دون أن يمتلكوها، وإلى إنتاج الثروة دون أن يحتفظوا بها.
وقد وصفت أنجيلا ديفيس هذه المرحلة بأنها انتقال من العبودية القانونية إلى الاستغلال الاقتصادي المقنن، حيث تغيرت الأشكال القانونية، لكن بقيت علاقات القوة الاقتصادية على حالها.
جيم كرو: تثبيت الثورة المضادة
(Jim Crow) ومع نهاية القرن التاسع عشر، اكتملت الثورة المضادة بإقامة نظام جيم كرو
الذي فرض الفصل العنصري في المدارس، ووسائل النقل، والسكن، والوظائف، والحياة العامة.
وغالباً ما يُختزل جيم كرو في كونه نظاماً للتمييز العنصري، لكنه كان أيضاً نظاماً اقتصادياً يحمي ملكية النخب البيضاء للأرض والثروة، ويمنع السود من منافستها. فالفصل العنصري لم يكن هدفاً في حد ذاته، بل كان وسيلة لحماية البنية الاقتصادية التي أعيد بناؤها بعد إجهاض مشروع توزيع الأرض.
الخط الأحمر: استمرار الثورة المضادة في القرن العشرين
حتى بعد انهيار نظام جيم كرو، لم تتوقف الثورة المضادة. ففي ثلاثينيات القرن العشرين، اعتمدت المؤسسات المالية (Redlining) والحكومية سياسات عُرفت باسم الخط الأحمر
حيث كانت الأحياء التي يقطنها السود تُصنف مناطق عالية المخاطر، وتحرم من القروض العقارية والاستثمار.
وبذلك انتقلت الثورة المضادة من السيطرة على الأرض الزراعية إلى السيطرة على رأس المال الحضري. فلم يعد المطلوب منع السود من امتلاك الأراضي الزراعية فقط، بل أيضاً منعهم من بناء الثروة العقارية في المدن. ولهذا ترتب على سياسات الخط الأحمر فجوات هائلة في الثروة لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.
الدرس التاريخي: الثورة المضادة تبدأ من الأرض
تكشف هذه التجربة أن الثورة المضادة لم تبدأ بإلغاء الدستور، ولا بإلغاء حق التصويت، ولا بإعلان العودة إلى الرق، وإنما بدأت بإلغاء الاستقلال الاقتصادي الذي كان يمكن أن تمنحه الأرض للمحررين. فعندما فقد الأمريكيون السود فرصة امتلاك وسائل الإنتاج، أصبح من الممكن لاحقاً تجريدهم تدريجياً من كثير من حقوقهم السياسية والاجتماعية
W.E.B. Du Bois ولهذا كتب
أن مأساة إعادة الإعمار لم تكن في أن السود لم يحصلوا على الحرية، بل في أنهم حصلوا على حرية بلا أرض. وهي حرية ظلت معرضة دائماً لأن تُفرغ من مضمونها الاقتصادي والسياسي.
أما ماركوس غارفي، فقد استخلص من هذه التجربة درساً آخر، وهو أن التحرر السياسي لا يكتمل إلا ببناء القوة الاقتصادية المستقلة. ولذلك دعا إلى امتلاك الأرض، والمؤسسات الاقتصادية، والمصارف، وشركات النقل، والتعليم، باعتبارها الأساس الحقيقي لاستقلال الشعوب ذات الأصول الإفريقية.
إن التجربة الأمريكية تقدم درساً بالغ الأهمية للسودان. فهي تبين أن الثورات لا تُجهض أولاً في صناديق الاقتراع، بل في قوانين الأرض. فإذا بقيت الأرض والثروة في يد البنية القديمة، فإن تلك البنية ستجد دائماً طريقها لاستعادة السلطة السياسية، مهما بلغت اتساع الحقوق الدستورية. ولهذا فإن الثورة المضادة لا تبدأ بإلغاء حق التصويت، وإنما تبدأ بإلغاء ملكية الأرض، لأن من يملك الأرض يملك، في نهاية المطاف، القدرة على إعادة تشكيل الدولة والمجتمع معاً.

… يتبع في الجزء الخامس…

النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى