تحليل سياسي

حين تتحول العصبية الي منظومة

مواصلة سلسلة ثلاثية :الفرد والمجتمع والسلطة

د.محمد حسين

في المقال السابق. توقفنا عند لحظة التحول الحاسمة: حين لا تبقى الجماعة مجرد مساحة تواصل أو دائرة ثقة، بل تتحول إلى هوية مغلقة تُعرِّف الفرد وتحدد موقعه من العالم. لكن هذا التحول لا يقف عند حدود الوعي أو الشعور بالانتماء؛ فالعصبية، حين تستقر داخل المجتمع، لا تبقى حالة نفسية أو اجتماعية عابرة، بل تبدأ بالتوسع التدريجي لتتحول إلى منظومة كاملة، لها منطقها الخاص، وقواعدها غير المكتوبة، وآلياتها التي تعيد بناء نفسها داخل الفرد والمجتمع والسلطة في آن واحد. وهنا تبدأ المرحلة الأخطر.

حين يدخل الفرد في بنية عصبية مغلقة، لا يبقى كما هو. في البداية يظن أنه انتمى إلى جماعة تمنحه الأمان والوضوح، لكنه مع الوقت يبدأ بفقدان شيء أساسي: المسافة النقدية بينه وبين أفكاره. لم يعد الرأي مجرد موقف يمكن مراجعته، بل أصبح امتداداً مباشراً للهوية، ولم يعد النقاش تبادلاً للأفكار، بل اختباراً للولاء. هنا تتغير طريقة تفكير الفرد تدريجياً؛ يصبح أكثر حدة في مواقفه، أقل قابلية للاستماع، أسرع في الحكم، وأشد حساسية تجاه أي اختلاف. ليس لأن الفكرة بالضرورة قوية، بل لأنها محمية بانتماء جماعي يمنحها حصانة نفسية. ومع الوقت، يتحول أي رأي خارج هذه العصبية إلى تهديد وجودي، لا يُفهم بوصفه اختلافاً مشروعاً، بل يُقرأ كاستهداف مباشر للذات. وهنا تظهر مظاهر مألوفة في مجتمعاتنا: التخوين، التكفير، التشكيك في النوايا، وربط الرأي بالهوية لا بالمضمون. الفرد هنا لم يعد يناقش الفكرة، بل يدافع عن نفسه من خلالها. وهذا التحول — رغم أنه يبدو فردياً — هو نتيجة مباشرة لبنية اجتماعية كاملة تعيد تشكيله من الداخل، وهو ما يشبه ظاهرة “التفكير الجماعي” (Groupthink). غير أن ما يزيد من خطورة هذا المسار أن إعادة تشكيل الوعي الفردي لا تقف عند حدود التلقي والانفعال، بل تدفع الفرد ذاته إلى إعادة إنتاج العصبية داخل المجتمع من جديد، لكن بصيغ أكثر تشرذماً وأبعد عن المنطق. فيصبح ناقلاً لنسخة مشوهة منها، أشد تطرفاً وأكثر تقلباً.وتظهر هنا مفارقة لافتة:

ـيوجّه الفرد عداءه الأكثر حدة نحو خصم بعيد أو رمزي،

بينما يتعامل مع تهديد أقرب وأكثر مباشرة بتسوية صامتة أو تجاهل.

ـقد ينشغل بصراعات بعيدة جغرافيًا أو رمزية الهوية،

في الوقت الذي يتعايش فيه مع واقع ضاغط يحيط به يوميًا دون أن يواجهه.

ـليس لأن التهديد البعيد أخطر،

بل لأن العصبية تعيد ترتيب أولويات الإدراك:

ما يمنح شعورًا بالانتماء يصبح أولوية،

وما يفرض تعقيدًا أو كلفة مباشرة يُدفع إلى الهامش.

وحين تتكاثر العصبيات داخل المجتمع، لا نحصل على تنوع صحي، بل على تفتت بنيوي. في الظاهر يبدو أن هناك تعددية في الآراء، لكن في العمق لا توجد مساحة مشتركة حقيقية تجمع بينها. فالاختلاف الطبيعي يثري المجتمع، أما العصبية فتفككه. كل جماعة تمتلك روايتها الخاصة، ومعاييرها الخاصة، ومصادرها الخاصة للمعرفة، ومع ضعف الاحتكاك بين هذه الجماعات لا يحدث تصحيح متبادل، بل يحدث تراكم متوازٍ لحقائق متناقضة. وهكذا يفقد المجتمع إحدى أهم وظائفه: القدرة على إنتاج معنى مشترك، ومع غياب هذا المعنى تصبح كل جماعة مرجعاً مكتفياً بذاته. بدلاً من ذلك يظهر نمط جديد: مجتمع من جماعات لا مجتمع واحد، جماعات لا تتنافس فحسب بل تتصادم، لأن كل واحدة منها ترى نفسها مركزاً للحقيقة. ومع الوقت يتمدد الانقسام من المستوى الفكري إلى الطائفي فالإثني فالسياسي فالمناطقي؛ العصبية لا تنتج انقساماً واحداً بل تخلق بيئة قابلة للانقسام المستمر.

ويتجلى هذا النمط بوضوح في الحالة السورية بعد سنوات الحرب الطويلة. لم يخرج المجتمع من الصدمة بوصفه كتلة واحدة، بل دخل مرحلة أشد تعقيداً من التفتت. فالحرب لم تُضعف العمران والمؤسسات فحسب، بل أعادت تشكيل الوعي الاجتماعي ذاته، ودفعت الأفراد إلى الانكفاء داخل دوائر أضيق من الثقة والانتماء، سواء كانت عائلية أو مناطقية أو طائفية أو سياسية. ومع طول أمد العنف، لم تعد العصبية مجرد رد فعل دفاعي مؤقت، بل تحولت لدى كثيرين إلى آلية بقاء ومرجعية لإعادة إنتاج التفكير. وحين تتطبّع هذه العصبيات في المشهد العام، تصبح مادة تُدار وتُستثمر، دون أن يتوفر إطار جامع يعيد بناء المساحة المشتركة.

ويبدأ الخطر الأكبر حين تنتقل هذه البنية إلى داخل السلطة. فالدولة في أصلها تقوم على إدارة الشأن العام وفق معايير عامة، لكن حين تدخل العصبية إلى هذه البنية يحدث تحول عميق: يتراجع معيار الكفاءة ويتقدم معيار الانتماء. لا يُختار الأكفأ، بل الأقرب، ولا يُقدَّم الأصلح، بل الأضمن ولاءً، فتتحول الدولة من إطار عام إلى شبكة علاقات مغلقة. ومع الوقت تفقد مؤسساتها قدرتها على العمل بوصفها مؤسسات عامة، وتتحول إلى شبكات ولاء. وهذا لا ينتج ضعفاً إدارياً فحسب، بل ينتج شيئاً أخطر: إعادة إنتاج الجهل، لأن غياب الكفاءة يعني غياب المعرفة، وغياب المعرفة يعني تراجع القدرة على التطور. وهكذا تعود السلطة — دون أن تقصد دائماً — لتعيد تشكيل المجتمع بالصورة ذاتها التي انبثقت منها.

ويبرز هذا النمط بجلاء في التجربة العراقية بعد 2003، حيث أدى حضور الانتماءات الفرعية داخل مؤسسات الدولة إلى ترسيخ أنماط محاصصة لم تُضعف كفاءة الأداء فحسب، بل أعادت تعريف الدولة بوصفها ساحة لتوازن الولاءات أكثر من كونها إطارًا جامعًا لإدارة المصلحة العامة. وفي هذه الحالة، لا تعود العصبية مجرد انعكاس للانقسام، بل تصبح إطارًا منظّمًا له داخل مؤسسات الدولة، بما يعيد إنتاجه بصورة أكثر استقرارًا واستمرارًا.

ولا يقف أثر تسلل العصبية إلى حدود إعادة تشكيل القرار داخل السلطة، بل يتجاوز ذلك ليعيد تشكيل الأفراد أنفسهم. فحين تعمل المؤسسات وفق منطق الولاء لا الكفاءة، فإنها لا تنتج قرارات مختلفة فحسب، بل تنتج نمطاً بشرياً مختلفاً: أفراداً يتشكل وعيهم السياسي والمهني داخل بيئة عصبية، فيحملون هذا المنطق معهم ويعيدون إنتاجه في المجتمع من جديد. وهكذا لا تعود السلطة مجرد متلقٍّ للعصبية، بل تصبح أحد أهم مصانعها، تعيد إنتاج أفراد منبثقين عن منطقها، يحملون نفس آليات التفكير والانحياز، وينقلونها إلى مستويات أخرى من الحياة الاجتماعية.

وفي هذه البيئة، لا تبقى العصبية في شكل واحد أو اتجاه واحد، بل تبدأ بالتشظي والتكاثر. فهي لا تظهر فقط كعصبية سياسية أو فكرية، بل تمتد لتأخذ أشكالاً متعددة: طائفية، دينية، سياسية، مناطقية، بل وحتى اجتماعية وثقافية. ومع توفر بيئة قابلة لهذا التلقي، لا تتنافس هذه الأشكال فيما بينها، بل تتراكم وتتداخل، بحيث لا يُلغِي أحدها الآخر، بل يعززه ويغذيه. وهكذا يتحول المجتمع إلى مساحة مفتوحة لتعدد العصبيات، لا بوصفها تنوعاً صحياً، بل بوصفها طبقات متراكبة من الانقسام، تعيد إنتاج بعضها البعض داخل منظومة واحدة.

وهنا تكتمل الصورة: العصبية لا تعمل في اتجاه واحد، بل تدور في حلقة مغلقة، فرد منغلق يقود إلى مجتمع منقسم، ومجتمع منقسم ينتج سلطة ولائية، وسلطة ولائية تعيد إنتاج فرد أكثر انغلاقاً. كل مستوى يعزز الخلل في المستويين الآخرين، وكل دورة تنتج نسخة أشد من سابقتها. وما يعمّق هذه الديناميكية أن الانقسام الداخلي قد يتحول إلى أداة بيد قوى خارجية، تُعيد توظيفه وتغذيته لتحقيق أهدافها، فتتحول العصبية من نتيجة للانهيار إلى أداة لإدامته، تُستخدم للتعبئة حول خصومات مُختارة وتُشتّت الانتباه عن التهديدات الحقيقية التي تمس حياة الأفراد والمجتمعات.

وتستمر هذه المنظومة بفضل عوامل مترابطة: الخوف من الاختلاف يدفع الأفراد نحو الجماعات المغلقة طلباً للأمان، وضعف الثقة بالمؤسسات يجعل الولاء الفرعي أكثر جاذبية من الانتماء العام، وغياب مجال عام حقيقي يتيح النقاش الحر يترك الساحة للانغلاق. وفي عصرنا تضطلع المنصات الرقمية بدور مركزي، إذ تعمل كغرف صدى تضخم العصبيات وتسرّع انتشارها، فالخوارزميات لا تعكس الواقع فقط بل تعيد تشكيله، عبر تغذية كل جماعة بما يعزز انغلاقها، فتتحول العصبية من ظاهرة عضوية إلى ظاهرة مصنَّعة ومُدارة. كما تمتد إلى المجال الاقتصادي، حيث ترتبط الفرص الوظيفية والعقود والثروة بالولاء أكثر من ارتباطها بالكفاءة، وفي هذا السياق تبرز أدوار صانعي الخطاب والنخب الإعلامية والفاعلين السياسيين، الذين يمتلكون القدرة على تغذية هذه العصبيات أو المساهمة في تفكيكها.

وحين تتحول العصبية إلى منظومة، لا تعود مجرد انحراف في السلوك أو خلل في الوعي، بل تصبح بنية كاملة تعيد تشكيل الفرد، وتفكك المجتمع، وتوجّه السلطة. في هذه المرحلة لا يكون الخطر في وجود الاختلاف، بل في غياب القدرة على إدارته، ولا يكون التهديد في تنوع الانتماءات، بل في تحولها إلى جدران مغلقة. وهنا لا يعود السؤال: من على حق؟ بل: هل ما زال هناك إطار مشترك يمكن أن نختلف داخله؟ وحين يختفي هذا الإطار… لا يبقى الخلاف، بل يبقى التفكك. وهذا ما سنتناوله في المقال القادم: المجتمع الممزق… حين تتحول العصبيات إلى واقع معاش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى