
مفهوم السياسة الخارجية: الماهية والاتجاهات النظرية
إطار معرفي يستعرض عوامل تشكيل القرار الخارجي وتعدد الرؤى بين النظرية والتطبيق.
الإعداد العلمي:مروان محمد حج محمد وفيصل براء المرعشي
تاريخ النشر: 26 مايو 2016
مقدمة
من المعروف على مستوى العلوم الاجتماعية بما في ذلك أدبيات العلاقات الدولية والسياسة الخارجية أن إعطاء تعريف لمفهوم معين يكون من خلال خصائصه المشتركة، مما يوفر إطارًا منهجيًا ومعرفيًا لرصد حدود الظاهرة. إلا أننا في الواقع نصطدم بتعدد واختلاف التعاريف تبعًا لاختلاف المفكرين ومرجعياتهم الفكرية حول الظاهرة الواحدة، كما هو الحال بالنسبة للسياسة الخارجية، الأمر الذي يعكس مدى تعقيدها.
ويعود سبب هذا الاختلاف إلى ديناميكية ظاهرة السياسة الخارجية واختلافها من دولة إلى أخرى بسبب عدة اعتبارات أهمها:
تتوجه السياسة الخارجية بطبيعتها نحو البيئة الخارجية، وهذه البيئة تتسم بالتغير المستمر، وبالتالي تتسم السياسة الخارجية بالتغير.
تعكس مكانة الدولة في بنية النظام الدولي أهدافها وطموحاتها في المحيط الخارجي، ولذلك تختلف السياسة الخارجية بين الدول.
تمثل السياسة الخارجية نتيجة لتفاعل عدة عوامل؛ منها الدائمة والمؤقتة، والمعنوية والمادية، والأساسية والثانوية، والداخلية والخارجية، وغالبًا ما يصعب تتبع كيفية تفاعل هذه العوامل.
قد تتبع الدولة سياسات خارجية مختلفة في الوقت نفسه، كدعم دولة معينة ومناهضة أخرى، أو اتباع سياسة علنية وأخرى خفية، وهذه الأخيرة تمثل محورًا مهمًا في دراسة نظرية السياسة الخارجية.
ورغم ذلك، لا يخلو الميدان من تعريفات علمية شاملة اعتمدتها العديد من الكتابات في السياسة الخارجية.
تعريف السياسة الخارجية
يعرّف بعض الدارسين السياسة الخارجية تعريفًا عامًا لا يميز بينها وبين غيرها من السياسات. ومن أمثلة ذلك تعريف الدكتور حامد ربيع الذي يرى أن السياسة الخارجية هي:
“جميع صور النشاط الخارجي حتى ولو لم تصدر عن الدولة كحقيقة نظامية.”
ويضيف أن نشاط الجماعة كوجود حضاري، أو التعبيرات الفردية للحركة الخارجية، تندرج ضمن هذا المفهوم الواسع.
أما كورت فالدهايم (Kurt Waldheim) فيعرف السياسة الخارجية بأنها:
“البرنامج الذي يحدد مسلك الدولة تجاه الدول الأخرى لتحقيق أفضل الظروف الممكنة بالطرق السلمية التي لا تصل إلى حد الحرب.”
كما يضيف أنها مجموعة المبادئ التي تُدار في ظلها علاقات الدولة مع الدول الأخرى، إلا أن تعريفه يقتصر على الوسائل السلمية دون القتالية.
بينما عرف السفير ليون نويل (Leon Noel) السياسة الخارجية بأنها:
“فن إدارة علاقات دولة مع الدول الأخرى.”
ويرى جورج مودلسكي (George Modelski) أنها:
نظام الأنشطة التي تطورها المجتمعات لتغيير سلوك الدول الأخرى والتكيف مع البيئة الدولية.
أما ريتشارد سنايدر (Richard Snyder) فيعرفها بأنها:
منهج للعمل أو مجموعة قواعد يتم اختيارها للتعامل مع مشكلة حالية أو متوقعة.
ويؤكد سنايدر على دور صانع القرار، معتبرًا أن الدولة تُجسَّد في الأشخاص الذين يتخذون القرارات باسمها.
ويقترب من ذلك تعريف تشارلز هيرمان (Charles Herman) الذي يرى السياسة الخارجية باعتبارها:
السلوكيات الرسمية التي يتبعها صناع القرار للتأثير في الوحدات الدولية الأخرى.
أما جيمس روزناو (James N. Rosenau) فيرى أنها:
التصرفات السلطوية التي تتخذها الحكومات للحفاظ على الجوانب المرغوبة في البيئة الدولية أو تغيير غير المرغوب فيها.
اتجاهات دراسة السياسة الخارجية
يمكن تقسيم رواد دراسة السياسة الخارجية إلى ثلاث مجموعات رئيسية:
المجموعة الأولى
ترى أن نظام السياسة الخارجية تابع للنظام الدولي، وأنها مجرد رد فعل عليه. كما تقلل من أهمية السياسة الداخلية في تفسير السلوك الخارجي. ويظهر هذا الاتجاه لدى منظري المدرسة الواقعية مثل هوبس ومورغانثو وجون ميرشايمر.
المجموعة الثانية
تتعامل مع السياسة الخارجية كمستوى تحليل مستقل، وتربط بين مخرجات السياسة الخارجية والمدخلات الداخلية والخارجية. وتركز على عملية اتخاذ القرار باعتبارها نتاجًا للتفاعل بين المصالح والأعراف الدولية.
وقد برز هذا الاتجاه عام 1959 مع كتاب كينث والتز “الإنسان ،الدولة ، الحرب”، الذي طرح ثلاثة مستويات للتحليل:
-النظام الدولي
-الدولة
-الفرد
المجموعة الثالثة (النموذج البيروقراطي)
تحصر السياسة الخارجية في مؤسسات الدولة وصناع القرار الرسميين، وترى أن الحكومة هي المؤثر الأساسي في صياغتها، مع رفض اعتبار القوة العسكرية أداة مركزية للسياسة الخارجية لدى بعض أنصار هذا الاتجاه.
النظريات المرتبطة بالسياسة الخارجية
السياسة الخارجية هي جملة من الأهداف السياسية التي تحدد كيفية تواصل الدولة مع محيطها الخارجي، وتتمحور حول:
حماية أمن الدولة.
تحقيق المصالح الوطنية.
تحقيق الأهداف الاقتصادية والفكرية.
ويمكن تحقيق هذه الأهداف عبر:
الوسائل السلمية والتعاون الدولي.
أو الحروب واستخدام القوة.
شهد القرن العشرون ارتفاعًا كبيرًا في أهمية السياسة الخارجية، وأصبحت جميع الدول تعتمد على الدبلوماسية للتفاعل الدولي، ويتولى تحديدها رئيس الدولة أو رئيس الحكومة وفقًا لطبيعة النظام السياسي.
وقد حاولت مدارس فكرية متعددة تحليل مفهوم السياسة الخارجية، فظهرت:
النظريات الوضعية.
النظرية البنائية.
النظرية النقدية.
وسيتم تناول هذه النظريات تفصيليًا في مقالات لاحقة.
المصادر والمراجع
أحمد نوري النعيمي، السياسة الخارجية، دار زهران للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2011.
أحمد نوري النعيمي، عملية صنع القرار في السياسة الخارجية: الولايات المتحدة أنموذجًا، دار زهران، 2011.
حسين حافظ وهيب، “العوامل المؤثرة في السياسة الخارجية العراقية”، مجلة دراسات دولية، جامعة بغداد، 2010.


