
2-7-الأرض والدولة في السودان: من قوانين الاستعمار الداخلي إلى رؤية السودان الجديد من ملكية الدولة إلى سيادة المجتمع: الأرض وإعادة تأسيس السودان
خالد كودي، نيروبي
21/7/2026 خالد كودي، نيروبي
ثالثاً: الأرض كأداة للاستعمار الداخلي
إذا كان تطور قوانين الأراضي في السودان قد نقل السلطة القانونية على الأرض من المجتمعات المحلية إلى الدولة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لصالح من استُخدمت هذه السلطة؟ وهل كانت الغاية بناء دولة وطنية محايدة تدير الموارد بعدالة، أم أن تلك القوانين أصبحت جزءاً من منظومة أعادت إنتاج التفاوت التاريخي بين المركز والأطراف/الهوامش؟ للإجابة عن هذا السؤال، يصبح من الضروري الانتقال من القراءة القانونية إلى قراءة أوسع في ضوء أدبيات الاستعمار الداخلي والاقتصاد السياسي للدولة.
ظهر مفهوم الاستعمار الداخلي بصورة منهجية في أعمال عالم الاجتماع الامريكي مايكل هيشتر
(Michael Hechter)
الذي استخدمه لتفسير الكيفية التي قد تمارس بها الدولة الواحدة أنماطاً من الهيمنة تشبه الهيمنة الاستعمارية داخل حدودها
الوطنية. ففي كتابه:
Internal Colonialism: The Celtic Fringe in British National Development (1975)
يوضح هيشتر أن العلاقة بين المركز والأطراف لا تقوم فقط على اختلافات ثقافية أو إثنية وحسب، بل على بنية اقتصادية وسياسية تجعل المركز يحتكر السلطة ورأس المال والمؤسسات، بينما تتحول الأطراف إلى مناطق لاستخراج الموارد والعمالة، دون أن تحصل على نصيب عادل من الثروة أو المشاركة في صنع القرار. وهكذا تصبح الدولة، رغم وحدتها القانونية، فضاءً لعلاقات غير متكافئة تشبه في منطقها العلاقة بين القوة الاستعمارية ومستعمراتها.
ويقدم السودان مثالاً ممتازاً لهذا النموذج. فمنذ الحقبة الاستعمارية، ثم بعد الاستقلال، تركزت مؤسسات الدولة العليا، والجامعات، والمصارف، والصناعة، والإدارة المركزية، ومراكز اتخاذ القرار في الخرطوم والمدن المرتبطة بها، بينما ظلت مناطق مثل جبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور، وشرق السودان، وكثير من مناطق كردفان، تؤدي دور المنتج للمواد الخام والثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية والمعادن، دون أن تتحول هذه الموارد إلى تنمية متوازنة داخل المجتمعات المنتجة. ولم يكن هذا مجرد تفاوت في مستويات التنمية، بل نتيجة لبنية قانونية واقتصادية سمحت للمركز بالسيطرة على الأرض، ومن ثم السيطرة على الموارد التي تقوم عليها حياة تلك المجتمعات.
ومن هنا تصبح قوانين الأراضي جزءاً من آلية الهيمنة، لا مجرد وسيلة لتنظيم الملكية. فعندما تُعد الأرض قانوناً ملكاً للدولة، تصبح الحكومة المركزية هي التي تمنح امتيازات التعدين، وتخصص الأراضي للمشروعات الزراعية الكبرى، وتعيد رسم الحدود الإدارية، وتقرر استخدام الموارد الطبيعية، بينما يتحول أصحاب العلاقة التاريخية بالأرض إلى هوامش قد تستشار أحياناً، أو تُعوض أحياناً أخرى، لكنها دائما لا تمتلك القرار النهائي. وبذلك تنتقل السيادة الفعلية على الأرض من المجتمع إلى المركز، حتى وإن بقي المجتمع يعيش فوقها منذ مئات السنين.
ويتقاطع هذا التحليل مع رؤية فرانز فانون، الذي اعتبر أن الاستعمار يبدأ بالاستيلاء على الأرض قبل أن يفرض هيمنته السياسية والثقافية. ففي كتابه معذبو الأرض، يصف فانون العالم الاستعماري بأنه عالم مقسم إلى فضاءين غير متكافئين: فضاء يملك الأرض والثروة والسلطة، وفضاء يعيش فوق الأرض لكنه لا يمتلكها قانونياً ولا يحدد مصيرها. ولم يكن هذا التقسيم بالنسبة لفانون مجرد نتيجة للاحتلال العسكري، بل كان الأساس الذي بُني عليه النظام الاستعماري كله. ولذلك فإن التحرر الحقيقي، في نظره، لا يقتصر على خروج السلطة الاستعمارية، وإنما يقتضي إعادة الأرض إلى أصحابها وإعادة بناء العلاقة القانونية والسياسية بين المجتمع وموارده.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في الحالة السودانية؛ لأن كثيراً من البنى القانونية التي أنشأها الاستعمار لم تُلغ بعد الاستقلال، بل جرى توسيعها واستخدامها بواسطة الدولة الوطنية. وهكذا انتقلت أدوات السيطرة على الأرض من الإدارة الاستعمارية إلى المركز الوطني، دون أن يتغير المنطق الذي يحكم العلاقة بين الدولة والمجتمعات المحلية. ومن هنا فإن مفهوم الاستعمار الداخلي لا يعني تشبيه الدولة السودانية بالاستعمار الأجنبي على نحو حرفي، وإنما يصف بنية مؤسسية تقوم على تركيز السلطة والموارد في المركز، وتحويل الأطراف إلى مناطق إنتاج واستخراج تخضع لقرارات لا تشارك في صنعها.
ويعزز الاقتصادي والمفكر الإفريقي ولتر رودني هذا الفهم في كتابه كيف أسهمت أوروبا في تخلف إفريقيا. فالتخلف، في تحليله، ليس ناتجاً عن فقر الموارد أو قصور المجتمعات المحلية، وإنما عن نمط من العلاقات الاقتصادية تُنقل فيه القيمة باستمرار من المناطق المنتجة إلى المراكز المسيطرة. فالمنطقة قد تنتج الذهب أو الحبوب أو الثروة الحيوانية أو الأخشاب، لكنها لا تحتفظ بالقيمة المضافة الناتجة عنها، لأن التمويل، والتصنيع، والتجارة، والضرائب، والمؤسسات المالية، كلها تتركز في مكان آخر. وهكذا لا يدل فقر الأطراف على ضعف إمكاناتها، بل قد يكون دليلاً على نجاح نظام اقتصادي في تحويل ثروتها إلى تنمية خارجها.
وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في السودان؛ إذ ظلت أقاليم واسعة تمثل المصدر الرئيسي للإنتاج الزراعي، والثروة الحيوانية، والصمغ العربي، والمعادن، بينما تركزت المؤسسات المصرفية، والصناعة، والاستثمارات العامة، والجامعات، والبنية التحتية المتقدمة، في المركز. ولم تكن هذه النتيجة مجرد خلل في توزيع الإنفاق الحكومي، بل كانت مرتبطة أيضاً بمنظومة قانونية جعلت الدولة المركزية هي صاحبة القرار النهائي في الأرض والموارد.
أما سمير أمين فقد وسع هذا التحليل من خلال مفهوم التنمية غير المتكافئة، موضحاً أن المركز لا يهيمن فقط لأنه يمتلك رأس المال، بل لأنه يحتكر القدرة على تحديد اتجاه تدفق الموارد والقيمة الاقتصادية. ففي الاقتصاد غير المتكافئ، تُخصص الأطراف لإنتاج المواد الخام، بينما يحتكر المركز التصنيع والتمويل والتكنولوجيا واتخاذ القرار. وبهذا تصبح العلاقة بين الطرفين علاقة بنيوية يصعب كسرها ما لم يُعاد توزيع السيطرة على الموارد والمؤسسات معاً.
ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى قوانين الأراضي السودانية باعتبارها تشريعات محايدة، لأنها لعبت دوراً محورياً في ترسيخ هذا النمط من التنمية غير المتوازنة. فمن خلال احتكار الدولة للملكية القانونية للأرض، أصبح المركز هو الذي يقرر أين تُقام المشروعات الزراعية، ومن يحصل على امتيازات التعدين، وكيف تُدار الموارد الطبيعية، ومن يفاوض المستثمرين المحليين والأجانب. وبذلك لم تكن الدولة تدير الأرض فحسب، بل كانت تدير عملية إنتاج الثروة وتوزيعها أيضا.
ولهذا فإن اختزال قضية الهامش في ضعف التنمية أو غياب الخدمات يظل تفسيراً قاصراً ومضلل. فالمشكلة لم تكن في أن الدولة لم تصل إلى الأطراف، بل في الطريقة التي وصلت بها. فقد وصلت بقوانين تمنحها سلطة السيطرة على الأرض، وبمؤسسات تحتكر القرار الاقتصادي، وبنموذج تنموي ينقل القيمة إلى المركز أكثر مما يعيد استثمارها في المجتمعات المنتجة. ولهذا لم يكن التهميش مجرد نتيجة للإهمال الإداري، بل كان ثمرة بنية قانونية وسياسية أعادت تعريف أصحاب الأرض بوصفهم “منتفعين”، بينما احتفظت الدولة بصفة “المالك” القانوني.
ومن هنا تتضح أهمية مشروع السودان الجديد. فهو لا ينطلق من المطالبة بزيادة نصيب الأقاليم من الموازنة العامة فحسب، ولا يقتصر على الدعوة إلى اللامركزية الإدارية، وإنما يستهدف معالجة الجذر الذي أنتج التهميش نفسه: إعادة تعريف العلاقة القانونية بين المجتمع والأرض. فحين تصبح المجتمعات هي صاحبة الحق التاريخي في أرضها، وتصبح الدولة جهة للحماية والتنظيم لا جهة للملكية، فإن أحد أهم أعمدة الاستعمار الداخلي يبدأ في التفكك.
وعليه، فإن الصراع حول الأرض في السودان لم يكن يوماً صراعاً عقارياً أو نزاعاً بين قبائل متجاورة، بل كان صراعاً بين فلسفتين للدولة: فلسفة تجعل المجتمع تابعاً للدولة في علاقته بأرضه، وفلسفة تجعل الدولة خادمة للمجتمع وحامية لحقوقه التاريخية. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة النظر في قوانين الأرض ليست إصلاحاً قانونياً محدوداً، بل خطوة تأسيسية لإعادة بناء الدولة السودانية نفسها على أسس العدالة التاريخية، والمواطنة المتساوية، والسلام المستدام.
رابعاً: السودان الجديد والانقلاب الفكري في مفهوم الملكية
إذا كانت قوانين الأراضي التي ورثها السودان عن الحقبة الاستعمارية ثم عمقتها الحكومات الوطنية قد قامت على فرضية أن الدولة هي المالك الأصلي للأرض، فإن رؤية السودان الجديد في تقديرنا تمثل انقلاباً فكرياً وقانونياً على هذه الفلسفة بأكملها. فهي لا تقترح تعديلاً إدارياً أو إصلاحاً محدوداً في سياسات الأراضي، وإنما تعيد طرح سؤال أكثر جوهرية: من أين تستمد الدولة حقها في التصرف في الأرض؟ وهل الأرض ملك للدولة تمنحها للمجتمعات، أم أن الدولة تستمد شرعيتها من الاعتراف بحقوق المجتمعات التاريخية وحمايتها؟
يمثل هذا السؤال أحد أهم الفروق بين فلسفة السودان القديم وفلسفة السودان الجديد. ففي السودان القديم، تبدأ الملكية بالدولة؛ أما في السودان الجديد، فتبدأ الملكية بالمجتمع، وتأتي الدولة لاحقاً لتنظم هذه الملكية وتحميها. وهذه ليست مجرد صياغة قانونية مختلفة، بل انتقال من تصور يرى المجتمع تابعاً للدولة، إلى تصور يجعل الدولة خادمة للمجتمع وأداة لحماية حقوقه.
لقد تجسدت هذه الرؤية بصورة واضحة في المنشور القضائي رقم (1) لسنة 2021، الذي يعد من أهم الوثائق القانونية التي طورتها مؤسسات السودان الجديد بشأن الأراضي. ويكتسب هذا المنشور أهميته لأنه لم يكتف بإصلاح بعض إجراءات التقاضي أو تنظيم النزاعات، بل أعاد تعريف مفهوم الملكية نفسه، انطلاقاً من الاعتراف بأن عين الأرض تعود ملكيتها التاريخية إلى المجتمعات السكانية الأصلية، وأن هذه الملكية جماعية، تاريخية ودائمة، وغير قابلة للبيع أو التنازل أو المصادرة، بينما يخضع حق المنفعة لقواعد العرف والقانون المحلي، ويمكن أن ينتقل بالحيازة أو الوراثة أو المنح أو غيرها من الوسائل التي تعترف بها المجتمعات.
ويمثل هذا التمييز بين ملكية عين الأرض وحق المنفعة تحولاً بالغ الأهمية في الفكر القانوني السوداني. فقد خلطت التشريعات المركزية لعقود بين الملكية والاستعمال، وافترضت أن غياب التسجيل الرسمي يعني غياب الملكية. أما المنشور القضائي فينطلق من فرضية معاكسة تماماً؛ فعدم وجود شهادة تسجيل لا ينفي وجود ملكية تاريخية، لأن مصدر هذه الملكية ليس السجل العقاري، وإنما التاريخ الاجتماعي، والاستقرار، والعرف، والاعتراف الجماعي المتوارث عبر الأجيال. وبذلك يصبح التسجيل وسيلة لإثبات الحق، لا مصدراً لإنشائه.
ويعيد هذا التصور الاعتبار إلى أحد المبادئ الراسخة في القانون العرفي الإفريقي، (الملكية التاريخية)- وهو أن الأرض ليست ملكاً للأحياء وحدهم، وإنما هي ميراث تتقاسمه الأجيال الماضية والحاضرة والمستقبلية. ولهذا لا يجوز التصرف في عين الأرض باعتبارها سلعة تجارية، لأنها تمثل أساس الوجود الجماعي للمجتمع، بينما يمكن تنظيم كيفية الانتفاع بها بما يحقق التنمية ويحفظ الحقوق في الوقت نفسه.
ومن الناحية الفلسفية، يقترب هذا التصور من عدد من الاتجاهات الحديثة في الفكر القانوني المقارن. فقد اعترفت دول عديدة، مثل كندا ونيوزيلندا، بأن للشعوب الأصيلة حقوقاً تاريخية في أراضيها لا تستمد مشروعيتها من التسجيل الحديث، وإنما من الوجود التاريخي المستمر. كما أقرت المحكمة العليا في عدد من السوابق القضائية أن الدولة لا تمنح هذه الحقوق، بل تعترف بها وتحميها. وبذلك لم تعد الملكية الجماعية تُنظر إليها باعتبارها بقايا من الماضي، وإنما بوصفها أحد الأشكال المعاصرة للملكية التي تتوافق مع مبادئ العدالة التاريخية وحقوق الشعوب الأصيلة.
وفي هذا السياق، لا ينطلق مشروع السودان الجديد من رفض الملكية الخاصة أو الاقتصاد الحديث، كما قد يظن بعض منتقديه بخفة. فالتمييز بين عين الأرض وحق المنفعة يسمح بقيام الاستثمار، والزراعة التجارية، والرعي، والتعدين، والشراكات الاقتصادية، لكنه يشترط أن تتم جميعها على أساس الاعتراف بالملكية الأصلية للمجتمع، وبموافقته الحرة والمسبقة، وبما يحقق مصلحته. فالمشكلة ليست في الاستثمار، وإنما في الاستثمار الذي يقوم على نزع الشرعية عن أصحاب الأرض وتحويلهم إلى متسولين او متلقين للتعويض بدلاً من أن يكونوا شركاء في اتخاذ القرار والاستفادة من الموارد.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين فلسفة السودان القديم وفلسفة السودان الجديد. ففي النموذج الأول، تكون الدولة هي المالك، ويصبح المجتمع طالباً للإذن بالانتفاع. أما في النموذج الثاني، فالمجتمع هو صاحب الحق، بينما تمارس الدولة وظيفة الحماية والتنظيم، بما يضمن التوازن بين التنمية والعدالة، وبين الاستثمار والحقوق التاريخية.
ويمثل هذا التحول قطيعة مع أحد أهم أسس الدولة المركزية السودانية، التي بنت سلطتها على احتكار تعريف الملكية. فمنذ قانون الأراضي غير المسجلة لسنة 1970، أصبحت الحكومة هي المرجع النهائي الذي يقرر من يملك الأرض، ومن يحصل على الامتيازات، ومن يفاوض المستثمرين. أما في رؤية السودان الجديد، فإن الدولة تفقد هذه السلطة الاحتكارية، لأن ملكية الأرض لا تنشأ بقرار إداري، وإنما تسبق وجود الدولة نفسها. ولهذا تصبح وظيفة المؤسسات العامة هي حماية هذا الحق، لا مصادرته.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، يفتح هذا التحول الباب أمام إعادة توزيع السلطة الاقتصادية نفسها. فعندما تعترف الدولة بأن المجتمع هو صاحب الأرض، فإنها تعترف ضمنياً بحقه في المشاركة في اتخاذ القرار بشأن استغلال الموارد الطبيعية، وفي التفاوض بشأن الاستثمارات، وفي تحديد نوع التنمية والحصول على نصيب عادل من عائدات هذه التنمية. وبذلك تنتقل اللامركزية من مجرد توزيع إداري للصلاحيات إلى إعادة توزيع حقيقية للقوة الاقتصادية.
كما أن هذه الرؤية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم العدالة التاريخية، الذي يشكل أحد أعمدة مشروع السودان الجديد التي تتهرب منها أحزاب النخب. فالعدالة هنا لا تعني تعويضاً مالياً عن مظالم الماضي فحسب، وإنما إعادة بناء العلاقة القانونية بين الدولة والمجتمع على أساس الاعتراف بالحقوق التي أُهدرت أو أُنكرت عبر عقود طويلة من التشريع المركزي. ولذلك فإن الاعتراف بالملكية الجماعية لا يُعد امتيازاً تمنحه الدولة لبعض المجتمعات، بل تصحيحاً لخلل تاريخي في بنية القانون السوداني.
إن القيمة الحقيقية لهذا التحول لا تكمن في إعادة تعريف الملكية فقط، بل في إعادة تعريف الدولة نفسها. فالدولة التي تستمد شرعيتها من حماية حقوق المجتمع تختلف جذرياً عن الدولة التي تستمد شرعيتها من احتكار تلك الحقوق. وفي الحالة الأولى، تصبح السلطة أداة لتنظيم العلاقة بين المواطنين ومواردهم، أما في الحالة الثانية، فإنها تتحول إلى وسيط يحتكر الأرض ويعيد توزيعها وفق اعتبارات سياسية أو اقتصادية.
ولهذا يمكن القول إن رؤية السودان الجديد لا تقدم مجرد سياسة جديدة للأراضي، بل تقدم نظرية جديدة للدولة. إنها تنقل نقطة البداية من الدولة إلى المجتمع، ومن المركز إلى الحقوق التاريخية، ومن احتكار الملكية إلى الاعتراف بها. ومن هنا، فإن المنشور القضائي رقم (1) لسنة 2021 لا يمثل وثيقة قانونية لتنظيم النزاعات حول الأرض وحسب، بل يمثل إعلاناً عن تحول دستوري وفلسفي يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان، والأرض، والدولة، ويضع الأساس لعقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة، والعدالة التاريخية، والسيادة المجتمعية على الموارد، باعتبارها الشروط الضرورية لبناء سلام مستدام ودولة ديمقراطية لامركزية.
… يتبع في الجزء الثاث…
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات


