
الاستاذ خالد تورين
أفريقيا ليست عرقاً، ولا يحق لها أن تكون كذلك، وإنما هي تمثل فضاء الأعراق اللانهائية، ومن هنا فإن اختزال أفريقيا في عرق يحد من تنوعها الخلاب والمدهش، يعد تعسفاً وجريمة تأويلية وإمبريالية فكرية، يتأذى منها أفريقيا ذاتها قبل غيرها، والاختناق والموت تكون مصيرها ومآلها بسبب تلك النظرة الأحادية الضيقة والقاصرة.
وفي المقابل أيضاً هي ليست بالثقافة الواحدة الجامعة إلا بتنوع ثقافاتها واختلاف مشاربها الثقافية والحضارية، لا تُعرف أفريقيا إلا باعتبارها فضاء الاختلاف اللامتناهية، وبالتالي بالتعريف هي إمكان وجود الاختلاف وإرادة تجلي الاختلاف، أي ملعب ومسرح التلاحم والتداخل والتشابك البشري بكل أبعاده الثقافية والعرقية والحضارية، هي ملعب لتفريق الواحد، وتشتيت الشامل، وفتق الراتق، وتجزئة الكل، وانزياح وخلخلة المتماسك وتفريد للمتماثل.
أفريقيا: صورة مصغرة للعالم
ماذا يعني بأن تكون أفريقيا هي لعبة التنوع الثقافي والعرقي والفكري والحضاري الهائل والغير محدود؟ يعني ذلك بأنها الوجه والصورة الأخرى المصغرة لفضاء الكوكب الأرضي كله ونمط الوجود البشري على وجه الدقة والخصوص، هذا يعني بأن أفريقيا موجودة في كل أرجاء المعمورة، والعالم كله أفريقيا بشكل أو بآخر.
فإذا كان العالم هي إرادة وجود الاختلاف، وتدبير لشأن الاختلاف، وإمكان وجود الاختلاف، فإن أفريقيا لا يحق لها إلا أن تكون كذلك؛ هذه نقطة فاصلة وفارقة في كيفية فهم ما عسى أفريقيا أن تكون وبالتالي فارقة في تحديد وتأويل وفهم مفاهيم مثل الهوية والثقافة والحضارة والاستعمار والوحدة….. إلخ.
فإذا كان أفريقيا هي العالم نفسه وشرط وجود الإنسان من حيث إمكان احتمالها لمفارقة الوجود الإنساني القائم على لعبة التنوع، فإن أفريقيا تكمن في لا أفريقيته، ماهية أفريقيا دوماً فيما يكونه وليس فيما هو كائن.
أفريقيا هي الصيرورة التي تتجاوز نفسها دوماً بالتناقض مع ذاتها، والاختلاف مع ماهيتها، وبالتالي ماهية أفريقيا عرقياً وثقافياً وإنسانياً تتشكل وتتقوم وتتخلق دوماً وباستمرار، فهي أفق انتظار الانوجاد والانوجاد دوماً هي تجاوز، وخلق وإبداع، ومخالفة وخيانة ومحو.
فأفريقيا دوماً حضور في الزمان والمكان، ومن هنا فهي قبل وبعد والآن، أفريقيا القبل (الأمس) ليس بأفريقيا الغد وليس أيضاً بأفريقيا الآن، ولكن ما يجمع أفريقيا الغد والأمس والآن هي الاختلاف والتنوع الزماني، فكينونة أفريقيا هي الزمان وكينونة الزمان هي الاختلاف، وكذلك المكان، فأفريقيا الشرق غير الغرب وغير الوسط وغير الجنوب وغير الشمال وغير وغير.
أفريقيا الغاب ليست بأفريقيا الصحراء وليست بأفريقيا الساحل وهكذا. كل احتكار للمكان هو احتكار ثقافي واجتماعي وفكري مما يعني احتكار وتمكين لما تكون عليها أفريقيا، وعليه فإن أفريقيا السنغال غير أفريقيا السودان وأفريقيا المغرب غير مصر وأفريقيا إثيوبيا غير نيجيريا وهكذا. كل هذا يقودنا إلى نقطة مأسسة وفاصلة وفارقة وهي أن أفريقيا ما هي إلا فضاء للاختلاف والتنوع المخيف والمدهش والمرعب.
نقد التصور الجوهراني للوحدة والهوية
وبذلك يتخلل مفهوم الوحدة والهوية الذي يتبناه الاتجاه الأيديولوجي المغلق، الذي جعل الوحدة مقبرة لأفريقيا، والهوية اختناق وامتناع لدخول الأوكسجين إلى رئة أفريقيا؛ مشكلة الاتجاه الأيديولوجي في البان أفريكانيزم أنه يتمثل الوجود كله على التصور الجوهراني، وهذا أس الفساد التأويلي والمفهومي.
التصور الجوهراني يقوم مقام أن هناك جوهراً وماهية لكل شيء، هذا الجوهر يجعل الشيء على ما هو عليه، متماسكاً داخلياً ومنسجماً ومكتملاً مسبقاً وموجوداً على ما هو عليه منذ الأزل وسيكون كذلك إلى الأبد، وبالتالي الشيء هويته مغلقة على ذاتها، وليس له مسامات وممرات لدخول الآخر على ذلك الجوهر الثمين والماهية العزيزة، فكل تفكير جوهراني ينفي ويستبعد التغير والتحول، ويعتقد بوجود البنية الثابتة والقارة.
وهذا التصور هو الذي أضر بأفريقيا أكثر من أي شيء، وهو الاستعمار نفسه لا أكثر.
إذاً مفهوم الوحدة يتغير في أن الوحدة على الطريقة غير الجوهرانية في التفكير تكون هي اللاوحدة، وحدة أفريقيا تكون دوماً في لا وحدتها، فالوحدة الأفريقية دوماً هي وحدة الاختلاف، وليست وحدة الوحدة، وبالتالي هي وحدة اللاوحدة، ومن هنا خاب ظن وأمل كل القادة الأفارقة في الوحدة التي كانوا يتصورونها عن أفريقيا، لأنها وحدة جوفاء، صورية وفارغة من كل محتوى، بل هي يوتوبيا حالمة، ورجاء طفولي، وضعف نظر وقلة حيلة للفكر والخيال، وبالتالي عجز للعمل والممارسة، لم يتحقق الوحدة الأفريقية المزعومة عند أغلب قادات البان لأن الواقع الأفريقي أغنى وأكثف من تلك التصور للوحدة، يريدونها وحدة صافية ولكن لا صفاء إلا مع العكر، ولا شمول إلا مع التجزئة، ولا ثبات إلا مع التغيير ولا داخل إلا مع الخارج.
والتصور الجوهراني للوحدة أيضاً قائم مقام وضع حد فاصل بين ما هو أفريقي وغير أفريقي لكي يتحدد المفهوم المجرد والفارغ للوحدة، أي تصور أفريقيا باعتباره ماهية مغلقة على نفسها ومنكفئة على ذاتها، يحدد مسبقاً ما هو عليه أفريقيا وما لم يكن أفريقياً.
لكن هذا ما لا يمكن تحققه باعتبار أن أفريقيا هي الانفتاح دوماً على ما هو غير أفريقي عرقاً وثقافة وحضارة، أفريقيا دوماً مفتوح على غيرها، ويتشكل على ما ليس به.
أفريقيا والانفتاح على الآخر
نظرة بسيطة على تاريخ أفريقيا يدعم ما نفكر فيه، أفريقيا هي مجموع لوجود كل ثقافات العالم، هنالك أفريقيا الرومانية وأفريقيا الفرعونية وأفريقيا اليونانية وأفريقيا ذات الثقافة الأوروبية الحديثة، أفريقيا العربية والإسلامية، أفريقيا الصينية والروسية، أفريقيا الماركسية، أفريقيا الليبرالية….. إلخ.
فكل تاريخ أفريقيا هو انفتاح واستضافة للغير، ومن دون الغير أفريقيا لا شيء، بل هي مجموع تلك الأغيار، مما يعني بأن وجودها هو وجود الغير، ولكن التيار الانغلاقي داخل البان أفريكانيزم، يتنكر لذلك كله لكي يختزل أفريقيا في تصور بسيط وساذج، ولكي يستعمر أفريقيا بتلك الفكرة التي ترى أفريقيا مختلفة كلياً عن غيرها ولها ماهية خاصة لا تجتمع عندها غير ذاتها المكونة مسبقاً والمعروفة سالفاً والثابتة دوماً.
ومن هنا فإن جوهر البان أفريكانيزم هو البان هيومانيوزم، أي وحدة عموم الإنسان هو التخريج الأفضل للبان، فمشكلة أفريقيا هي مشكلة الإنسان في المقام الأول، فأفريقيا هي ساحة الاستعراض البشري قبل كل شيء، ومن هنا فأفريقيا تشكلت وأصبحت لأنها مفتوحة لكل إنسان أن يكون.
فالأوروبي هو أفريقي باعتبار أن له بعداً في أفريقيا، وبعد الإنسان الأوروبي في أفريقيا هو انزياح للثقافة الأوروبية في بعد آخر ومسار آخر، على سبيل المثال لو اعتبرنا الثقافة الإنجليزية والفرنسية هي ثقافة أوروبية، فإن أفريقيا هي ساحة إعادة خلق واختراع وتدوير كبير للثقافة الإنجليزية والفرنسية، وبالتالي هنالك فرنسا في أفريقيا (فرنسا الأفريقية) وهنالك أفريقيا في فرنسا (أفريقيا الفرنسية) وكذلك الحال بالنسبة إلى الثقافات الأخرى.
فهناك عربية أفريقيا أي أفريقيا العربية والعربية الأفريقية، فأفريقيا هي تشكيل آخر للأوروبي وللعربي ولكل ثقافة إنسانية، ومن هنا فإن أفريقيا للكل مثلما هي حال أوروبا وآسيا، فالأوروبي هو أفريقي بمعنى أو بآخر، لأن صورة وجوده أفريقي، وكذلك الأفريقي أوروبي باعتبار أن أوروبا هو إعادة بناء ما هو أفريقي وهكذا.
فالثقافة الفرنسية في أفريقيا هي غير الذي في أي مكان ولكنها فرنسية، أي هناك فرنسا أفريقيا مثلما هناك عربية أفريقية، وبهذا المفهوم والتأويل لا خارج إلا وهو في الداخل، ولا داخل إلا باعتبارها خارجاً. كل ما في أفريقيا هو خارجها وكل خارج أفريقيا هي داخلها.
البان أفريكانيزم والبان هيومانيوزم: نحو وحدة الإنسان
ومن ذلك نخلص إلى أن أفريقيا هي الفضاء المفتوح دوماً لإعادة خلق المختلف وتكرار الفارق والناقص والصائر والمتشكل، ومن هنا فهوية أفريقيا تكمن في هوية اللاهوية ووحدتها دوماً في اختلافها وتنوعها، فتكون أفريقيا غنية وقوية وفاعلة في قدرتها إلى إعادة بناء ذاتها دوماً من خلال استقبال ما هو مختلف وتشكيل ما هو آتٍ، وخلق ما هو ليس بأفريقي.
فوحدة أفريقيا هي وحدة الإنسان، وهويتها هي هوية الإنسان، ومشكلتها هي مشكلة الشرط الوجودي للإنسان، وبالتالي البان أفريكانيزم هو البان هيومانيوزم.



