أدب وفلسفة

نقد البان أفريكانيزم (3)

الاستاذ :خالد تورين

سابق الذكر يقود بالضرورة إلى زحزحة وخلخلة مفهوم آخر مركزي وأساسي في تأسيس وتشييد فكرة البان أفريكانيزم، وهو مفهوم الاستعمار، وفي هذا أيضاً يتناول التيار السائد لدى البان أفريكانيزم مفهوم الاستعمار بالطريقة والكيفية الجوهرانية، وهي بالضرورة طريقة اختزالية وصورية وميتافيزيقية إلى أبعد الحدود.

في المقام الأول، لا يتناول هذا التيار الاستعمار إلا باعتباره ظاهرة أوربية حديثة، وفي ذلك يتجاهل ويتناسى دراسة وفهم الاستعمار كظاهرة إنسانية موجودة مع وجود الإنسان في كل زمان وفي كل مكان. بمعنى أن الاستعمار ليست ظاهرة أوربية فحسب، إنما هي ظاهرة وجودية وأنثروبولوجية، متعلقة بنمط وجود الإنسان القائم مقام التسلط، وتدبير وجود الاختلاف، وكيفية إدارة وتدبير شأن الذات، وبالتالي كيفية إيجاد نفوذ وحيز لوجوده.

فالاستعمار موجود وممارس في كل لحظة وفي كل شبر يكون فيه الوجود الإنساني ممكناً، ولذا فإن الاستعمار الأوربي لأفريقيا لا يعتبر أول استعمار ولا آخرها، وإنما هو شكل واحد من أشكال الاستعمار. فالاستعمار موجود في أفريقيا قبل أن يكون الاستعمار الأوربي ممكناً وواقعاً، وكذلك من بعده. فالأفارقة استُعمروا من الآخر غير الأوربي، ومن الأفريقي نفسه، ولا يزال هناك استعمار أفريقي أفريقي، وهناك استعمار عربي أفريقي وغيرها من أشكال الاستعمار، وأفريقيا نفسها كانت مستعمرة لغيرها ولا تزال.

إذاً، إذا تخلصنا من التفكير الأيديولوجي الانغلاقي الهوياتي، فبالإمكان فهم الاستعمار بشكل فيه سعة مفهوم، ورحابة تأويل، وبالتالي أكثر سعة للواقع، وهو ما يقودنا إلى تغيير النظر إلى الاستعمار باعتباره شراً مطلقاً لا جدوى واحدة منه، وأيضاً إزاحة فكرة أن يكون الاستعمار هو الاستعمار الأوربي فحسب.

ولكن كيف نفسر الفهم الضيق لمفهوم الاستعمار عند التيار الانغلاقي داخل البان أفريكانيزم؟

فذلك النوع من التفكير هو تفكير ثنائي، لأنه تبسيطي واختزالي وتعسفي ولا يطيل التفكير كثيراً. ومن هنا، فإن أجندة تفكيره تذهب إلى أنه لا بد من وضع حد ماهوي ومانوي بين الأنا والآخر، وما هو حق وباطل، والخير والشر، والداخل والخارج.

ولذا، بالنسبة إلى ذلك النوع من التفكير الموجود داخل أروقة البان، فإن أفريقيا كانت آمنة مطمئنة، يأتيها رزقها رغداً، وفجأة أتى ذلك الشرير الأبدي والمطلق، وهو الأوربي، فقطع الحلم الجميل للأفريقي، وأخرج أفريقيا من نعيمها وفردوسها. هكذا، ولمجرد مجيء أوروبا إلى أفريقيا، بدأت مأساة أفريقيا ولا تزال، ولا يمكنها أن تقوم لها قائمة إلا بالتخلص من الأوربي كاستعمار.

هذه النظرة الأحادية الضيقة والتبسيطية هي سمة كل تفكير جوهراني وأيديولوجي، وفي ذلك لا فرق بين البان والقومية العربية أو أي أيديولوجيا انغلاقية. فالبان الانغلاقي هو الوجه الآخر للقومية العربية، ويقومان نفس المقام ويحولان نفس الحال بشكلية مختلفة ومسمى مختلف، ولكن نفس البضاعة ونفس المحتوى.

فتلك النظرة التي تتعامل مع الذات باعتبارها خيراً مطلقاً، والآخر باعتباره شراً محضاً، تجعل شرية الذات تأتي دوماً من الآخر، مما يعني أن الذات مبرأة من كل نقص، وكانت كاملة حتى أتى الآخر المستعمر لكي ينقص وجودها، ولا تكون عافية الذات إلا بالتخلص الكلي من دخيلة الآخر على ماهية الذات.

فالتفكير الأيديولوجي لا يفكر ويفهم إلا بالعداء والولاء، أو البراء والولاء، لا يفهم إلا بالثنائية الضدية والصراعية. ومن هنا، فإن الصورة المتوهمة للذات هي أنها بريئة وديعة جميلة معتدى عليها، والآخر شر في كله، وقبيح في شموله، وعدو في إطلاقه. وهذه مما لا تكون إلا بالتهويم الأيديولوجي فحسب.

الاستعمار بوصفه ظاهرة إنسانية ووجودية

النظرة الأحادية إلى الأمور تقود بالضرورة إلى ضيق الفهم لظاهرة كظاهرة الاستعمار. فإذا تعارفنا على أن كل تمركز للسلطة، وكل ادعاء أحادي، وكل محاولة للسطو على وجود الاختلاف واختلاف الوجود، هي شكل للاستعمار، فيكون الاستعمار بذلك الفهم هو ظاهرة إنسانية وجودية وأنثروبولوجية، تهم وتخص الإنسان أينما كان وحيثما وجد.

فوجود الإنسان هو بالضرورة وجوداً للاستعمار، ومن هنا فكل مقاومة للسلطة والآحاد هي مقاومة للاستعمار. بذلك الفهم، لا يكون الاستعمار خارجياً، وإنما الاستعمار دوماً مشكلة داخلية تخص الذات الثقافية والحضارية.

فالاستعمار ليست مشكلة أفريقيا فحسب كما يذهب إليه مذهب البان الأيديولوجي، وإنما الاستعمار إشكال يخص الإنسان كشرط وجود، وكطريقة تدبير الوجود. فالاستعمار لا يكون مشكلة أفريقية إلا من جهة كونها مشكلة إنسانية في الصميم. فالاستعمار بقدر ما هي مشكلة خارجية (أوربية/أفريقية)، فهي أيضاً مشكلة داخلية (أفريقية/أفريقية) في الصميم.

ومن هنا، فقد أصبح مذهب البان الأيديولوجي لا يفكر في الاستعمار إلا باعتباره ظاهرة خارجية، وأغفل تماماً بأن الطغيان، والذي يوازي ويساوي الاستعمار، هو شأن داخلي أيضاً.

فما الفرق بين الاستعمار الأوربي كظاهرة طغيان وتعسف وإلغاء، والحكومات والسلطات التي قامت بعد الاستعمار داخل أفريقيا، تلك السلطات التي تحولت إلى استعمار رغم أنها قامت على محاربة ما وصلت إليه؟

فالاستبداد هو الاستعمار، أياً كان شكله ولونه، لما في الاستبداد من إلغاء وتغرب وتنزيح وجودي وثقافي. فلا فرق بين طغيان وتعسف يُمارس باسم الحكومة البريطانية أو الفرنسية أو السنغالية أو الكونغولية أو السودانية على أي إنسان كان، في كل زمان ومكان.

وبالتالي، فإن الاستعمار لم يفارق أفريقيا يوماً ولن يفارقها ما دام الإنسان موجوداً، وكذلك الحال في أوروبا وآسيا وغيرها. فالاستعمار موجود وحاضر وبقوة في أوروبا الآن ومن قبل. وبالتالي، كل مقاومة هي مقاومة للاستعمار، بما أنها مقاومة للسلطة في سبيل الحرية، ومن هنا فإن النضال ضد ما هو أفريقي سلطوي هي ذاتها مقاومة للاستعمار.

لماذا التركيز على الاستعمار الأوربي؟

إذاً، لا يقف الاستعمار في حدود الاستعمار الأوربي وينتهي عنده كما ترسخ عبثاً عند البان الأيديولوجي، وإنما يمتد ليصبح كل سلطة هي استعمار، وكل مقاومة هي مقاومة استعمار.

ولكن السؤال المركزي هو: لماذا التركيز الكثيف على الاستعمار الأوربي لأفريقيا من قبل البان الأيديولوجي؟

لكي يوحي إليك بأن لا استعمار بعده ولا قبله، وبالتالي هو الاستعمار بالألف واللام، وهو مطلق الاستعمار. وبالتالي، الغرب (أوروبا) هي مطلق الآخر، مقابل أفريقيا التي تكون مطلق الذات، مما يعني أن الغرب هو مطلق الفساد والشر، وأفريقيا هي مطلق الخير والبراء. تلك هي الأصنام المفاهيمية التي يحاول أن يرسخها البان الأيديولوجي.

نعود إلى السؤال الذي يخص الانهمام الشديد بأوروبا كغازٍ وفاتح. يعود ذلك إلى طبيعة الاستعمار الأوربي نفسه، والذي ليس بطبيعة جوهرية مختلفة نوعاً عما سبقه من الاستعمار، ولكن هناك فارق درجة بينه وبين غيره من الاستعمار.

فاستعمار أوروبا جاء حاملاً وشاهراً، وبدرجة ما، نقد ذاته؛ أي إن الاستعمار الأوربي حمل صليبه (أدوات نقده) داخل كنانته وقد أتى.

ومن هنا، فإن أغلب تيارات نقد الاستعمار، سواء كانت أوربية أو أفريقية، خرجت من رحم الحداثة الأوربية. فالحداثة التي تحمل التنوير في جوفها، والتنوير المنتج لأخلاقيات حقوق الإنسان، تعتبر أدوات نقد الاستعمار ذاتها.

ومن هنا، فإن تيار البان نفسه نتيجة شبه ضرورية للحداثة الأوربية، وللحظة الأوربية؛ أي إن تيار البان نفسه لا ينفك في كونه أوربياً. ومن هنا، لا عجب في أن أغلب منظري البان، في صيرورته ومراحل تشكله المختلفة، هم غربيون، إما بالميلاد أو بالدراسة.

فلا يمكن فهم تيار البان إلا بفهم الظاهرة الحداثية في الأساس. ومن هنا، فإن النقاد الكبار داخل فضاء الحداثة هم أيضاً حاضرون بقوة في فضاء وحقل البان أفريكانيزم؛ ماركس حاضر وبقوة دائمة في حقل البان، وكانط وهيجل وفوكو ودريدا حاضرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى