
الجُنيديون وفَزارة والجُذاميون، وأعراب آخرون؛ ترافقوا وعبروا الصحراء الأفريقية الكبرى إلى بلاد السودان الأوسط والشرقي
ورد باجزء الأول الذي لخِّص جزء من دراسة الراحل إبراهيم إسحاق إبراهيم عن هجرة قبائل بني هلال وحلفائها مثل سُليم وفزارة وجُذام، من المغرب إلى كردفان في السودان، وتناول المنهجية التي اعتمد عليها اسحاق والمتمثلة في التراث الشفهي إلى جانب المصادر التاريخية واللغوية والاجتماعية، فجمع بين التاريخ المدون والتراث الشفهي وعلوم الاجتماع لتتبع الهجرات، وعبور الصحراء الكبرى عبر طرق تجارية قديمة من ليبيا والجزائر وتشاد إلى السودان الأوسط، كما تطرق لعملية اندماج القبائل، والذي أدي لظهور تكتلات قبلية جديدة بأسماء متغيرة. كما ورد بالجزء الأول تناول مجموعات قبلية ” كالعلاونة، المحاميد، العطاوة، التي تربطها صلة بقبائل بني هلال وسُليم في شمال افريقية وبلاد السودان الكبير. وفي هذا الجزء الثاني، نورد ما تناوله الكاتب اسحاق في دراسته التي تناول فيها بعض المجموعات القبلية كأولاد على وسليمان وعرب الشوا ومجموعات من فزاري، وتفاصيل أخري عن زعامة جمعان العويصي الهلباوي للهجرة والتوزيع القبلي في بعض مناطق كردفان ودارفور.
• أولاد علي وأولاد سليمان:
يورد الكاتب روايات وتواريخ تواجد أولاد على بمصر ، وفق ما أورده الجبرتي في اخباره، ويقول انهم جاءوا اليها من منطقة الجبل الأخضر بليبيا، وأن أولاد على بالصحراء الجنوبية لليبيا هم من الرحل، وأن للكبابيش في كردفان والمهرية والبني هلبا بدارفور وتشاد بطنا تسمي أولاد على، ويقول الكاتب أن عشائر من أولاد سليمان وأولاد علي كانت قد تزاملت في التسرب إلى بلاد السودان الأوسط، عبر الطرق الصحراوية الشمالية حتى انضمت إلى ما يعرف بالتجمع الجهني في غرب وادي النيل. ويذكر كيف أنهم عطلوا رحلة محمد بن عمر التونسي بمنطقة فزان، لثلاثة أشهر. كما يذكر الرحالة الألماني ناختيقال أن أولاد سليمان بغاراتهم الصحراوية التي أربكت التواصل التجاري بين فزان وتبستي وبرقو . اما المؤرخ إبراهيم صالح بن يونس ينسب أولاد سليمان في تشاد إلى لبيد من العدنانيين، ويذكر أن منازلهم ببرقة، وأنهم صعدوا منها إلى كانم بتشاد في زمن متأخر، ثم تسربوا إلى شمال نيجيريا، وتحركوا بسائر تشاد الشمالية . ويرجع ماكمايكل أولاد سليمان الموجودين بالسودان إلى أصولهم في سرت وفزان، وذلك فقط عند حديثه عن البطن الموجود في كبابيش كردفان.
• بنو حميد:
تعرف كل من عبد المجيد عابدين، ويوسف فضل على أولاد حميد في فرع الحميديين، الذين ذكر المقريزي أنهم كانوا مع العطويين والجابريين بمصر، وأنهم جميعا يطلعون من هلبا سويد الجذامية، لكن وجود بني حميد باسمهم هذا في بلاد المغرب الأوسط، يضع في الحسبان احتمالا آخر تجدر ملاحظته. فمحمد عزة دروزة مستندا إلى ابن خلدون، يجد بني حميد بطنا من رغبة الهلالية، ويقول إنهم يسكنون بضواحي تلمسان في القرن الرابع عشر الميلادي. ومرة ثانية يجعل ابن خلدون بني حميد بطنا في بني هيب السلميين ويحدد مساكنهم في برقة وأفريقية . أما إبراهيم صالح بن يونس يأخذ بالترجيح السابق لعبد المجيد عابدين ويوسف فضل عن بني حميد المصريين، إلا أن وصفه لانتشار أولاد حميد في تشاد وشمال نيجيريا، يخدم أيضا مقترحات ابن خلدون عن انتماء الحميديين إلى سليم وهلال . ففي شجرات النسب الأربع التي ظهر فيها أولاد حميد من کتاب ماكمايكل ان نزول بطنهم في البقارة من الجنيد (الجد الجامع لمعظم البقارة والأبالة بتشاد ودارفور وكردفان).
• عرب الشوا:
يخلص الكاتب اسحاق الي أن هنالك أربعة افتراضات في مسألة أصول الأعراب الشوا.. أولها هو أن نواة هؤلاء الأعراب كانت قسما من الشاوية الذين ذكرهم الحسن بن الوزان ، أو كانت هي الشاوية الهلاليين الذين يذكرهم ابن خلدون في المغرب الأقصى وثاني الافتراضات هو المعنى الصادر عن الاسم الذي يطلقه المحليون مثل الكانمبو على الأعراب. وثالثها هو الاسم المهني في العربية، وهو افتراض استبعده قياسا على نهج البدو في تسمية أفرادهم وأجدادهم، بما يطرأ لهم من مكونات بيئاتهم وليس بمهنهم. ورابع الافتراضات هو القول بتضخم نواة أعرابية أخرى من غير الشاوية الهلالية، وربما من تجمع الأعراب الناتجين عن موجات بني هلال المغربة، أولئك الذين يذكر تكدسهم بالجنوب التونسي الحسن بن الوزان ويبقى الربط بين الشاوا والساو القدامي افتراضا بعيدا يحتاج إلى دلائل تقيم جسرا بين التاريخ القديم محليا، وبين الأعراب. جاء قوم من أهل هذه الافتراضات إلى تشاد وبرنو عبر الصحراء فكونوا قاعدة شاع منها عموم اسم الشاوية. وقد تسند رابع تلك الافتراضات إشارة لعبد المجيد عابدين أخذا عن جامع الفولكلور الإنجليزي إس آر باترسون، تقول إن جماعة من الحسانية انتقلت إلى غرب إفريقية، ثم عادت نحو الجنوب الشرقي، حتى بحيرة تشاد حيث جاوروا الكاتمبو، وهنالك اشتغلوا برعي الأغنام فأطلق عليهم اسم الشاوية أو الشوا. وهؤلاء قد أشاعوا في تشاد روايات الهلالية التي ظلت متداولة بينهم على السنة الرواة، حتى جمعها باترسون منهم في الثلاثينات من القرن العشرين . فإذا قبلنا بأن اسم الحسانية هو صيغة أخرى من الحساونة، وجدنا عدة إشارات إلى بطن من سليم يحمل هذا الاسم ويحل في فزان وصحرائها الجنوبية .وهكذا نلحظ اتصالا بين الإشارات للشاوية الهلاليين الذين ذكرهم ابن خلدون، والشاوية الذين وصفهم الحسن بن الوزان في المغربين الأدنى والأقصى، بعد قرنين من عصر ابن خلدون، وبين الحسانية والحساونة في فزان وتشاد. ولعل الحسانية والحساونة صيغتين من مصدر واحد، كانوا فرعا من الشاوية الهلاليين، أو من الشاوية التي تزايدت بالعصاة من أعقاب الهلالية بالجنوب التونسي. وبهذه الصفة، احتفظت هذه القبائل بالروايات الهلالية في تراثها الشفهي، وهي تعبر من المغرب وفزان حتى تصل إلى أطراف بحيرة تشاد. وقد نجد في هذا كله أن الشاوية كانوا قد أدوا مهمة مميزة في سلاسل هجرات الهلالية المتأخرة إلى بلاد السودان جنوبي الصحراء الكبرى.
• فزارة وفروعها:
يقول الكاتب ابراهيم اسحاق ان ابن خلدون يخبرنا في تعداده لقبائل الزحفة الهلالية إلى المغرب أن فزارة العدنانية، والمعقل اليمانية، كانتا ضمن تلك الأحلاف، مندرجتين في هلال وفي الأثبج خاصة . ولما كان بدر الجمالي – كما يورد يوسف فضل – قد طارد أشتاتا من فزارة عام 469 هـ / 1076م، والعام الذي يليه، حتى راحوا إلى برقة، فإننا نفترض أن تلك الفئات المطاردة كانوا من بقايا فزارة في مصر، بعد النزوح الهلالي بنيف وعشرين عاما، ثم يورد يوسف فضل، نقلا عن ابن سعيد (ت 685 هـ / 1274م) أن فزارة كانوا على عهده ببرقة وطرابلس الغرب. ويجد يوسف فضل عند القلقشندي أن فزارة كانوا بعد قرن من ذلك العهد قد امتزجوا بالبربر في أفريقية ومراكش. لكن أخبار فزارة في القرن الرابع عشر الميلادي تتوزع بين وجود فرقة منهم في مصر كما يخبرنا يوسف فضل نقلا عن الحمداني، ويوجد فرق أخرى ببرقة وإفريقية كما يقول دروزة نقلا عن ابن خلدون. وهؤلاء الأخيرون قد اندرجوا بالمغرب في بني سليم . كما اندراج المعقل اليمنيين كذلك في هلال وسليم.
أما في الجزائر فقد ظلت المعقل مندمجة في بني هلال . ويعدد القلقشندي، كما يجد محمد عبد الرازق مناع سبعة بطون من فزارة كانوا في عصره برقة، أي في القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي. وهؤلاء السبعة لا يزال النسابة، مثل مناع يلقونهم في تلك الأرض المزروعة من ليبيا . لعل اقتراح يوسف فضل القائل بأن فزارة السودان هي تجمع من عدة قبائل تمثل الاتجاه الصحيح لمراقبة العلاقات التي ظلت تتبنى بين بطون قبلية مختلفة الأنساب، تناسقت تدريجيًا في المغرب بعد القرن الخامس الهجري، ثم حافظت على تناسقها ذلك مهما توزعت بها الديار، وهي ترحل بعيدا في أصقاع البلاد الأفريقية. والقبائل الفزارية السودانية التي يمكن متابعتها في هذا الشأن هي : دار حامد والزيادية والمعالية والمعاقلة، وبنو جرار وبنو بدر، والأخيران ينسبان إلى دار حامد، وأخيرا فرع من المحاميد. وكل هذه القبائل تستوطن كردفان ودارفور وتشاد بغرب وادي النيل، ولا تزال بها بداوة لحد ما. وأن محمد بن عمر التونسي الذي أورد أنه قد سمع عام 1803م بأن المحاميد وبني جرار والمسيرية الزرق والمجانين وبني عمران يشملهم اسم فزارة، وقد لقيهم الرحالة التونسي ببادية شمال دارفور وشرقها وهم يربون الإبل . فإذا أعدنا ترتيب تلك القبائل التي ذكرها التونسي في مجموعات نسبية، وجدنا أن بني جرار وبني عمران والمجانين يجتمعون على صعيد مقولات الأنساب السودانية، في دار حامد من فزارة الكردفانية. أما المحاميد والمسيرية الزرق فيصنفون حاليا في أنساب جهينة غرب وادي النيل، ضمن العطاوة. وهذا التلخيص لعلاقات هذه القبائل قد يشير إلى وجود رباط وثيق بين العطاوة ودار حامد أو فزارة الأم، رباط نما خلال أعصر طويلة من المرافقة في الهجرات والتآزر ، وفي التراث الشفهي بكردفان ودارفور، فالأفزر هو الجد المعلن لفزارة، مع التفاوت في صيغ اسمه الأول بين أشجار النسب عند قبائل التجمع الجهني بغرب النيل، غالبا ما يعرف لديهم بصفته شقيقا للأجذم الجد المقول به للجهنيين والذي تتفاوت أيضا صيغ اسمه الأول بين هذه القبائل. هكذا نجد الأفزر والأجذم شقيقين عند رواة الرحالة الألماني ناختيقال في دارفور . وعند الحمر الفلايتة وعند الحوازمة من أعراب كردفان وبين التعايشة الدارفوريين . فإذا نظرنا إلى أن دار حامد عامة يقولون إنهم حلوا في شمال دارفور لعدة أجيال، قبل رحيلهم إلى ديارهم الحالية بكردفان، اقترب هذا الدليل بنا تجاه تأكيد مرافقتهم للعطاوة، وذلك حسب ما ذكرناه عن خطوط هجرات العطاوة وفزارة وبني هلبا الجذاميين وسليم جنوبا نحو افريقية عبر الصحراء، ويبقى علينا إيجاد المزيد من الشواهد التي قد تدعم الاحتمالات القائلة بقدوم دار حامد وفروعها الفزارية من المغرب، ضمن تلك التحركات الأعرابية الجامعة والمتوالية .
يعترف ماكمايكل بمعقولية الربط بين المعاقلة في كردفان ودارفور، وبين المعقل الذين ذكرهم ابن خلدون والحسن بن الوزان ومارمول في المغرب العربي. وهؤلاء هم المعقل اليمنيون أنفسهم الذين انضموا إلى بني هلال وبني سليم في هجرتهم الكبرى إلى المغرب في القرن الحادي عشر الميلادي. كذلك يورد الناصري اعتمادا على ابن حزم مرة، وعلى ابن خلدون مرة أخرى، أن المعقل كانوا أوفر قبائل العرب عددا بالمغرب الأقصى، خلال القرون من الحادي عشر، حتى الرابع عشر الميلادي، وأن مواطنهم كانت بالقفار من تلك الأرض، أي من تلمسان غربا حتى المحيط الأطلسي، متجهة نحو الصحاري. وندرك من هذا السرد أن المعقل دخلوا المغربين مع الفروع الهلالية والسلمية، وتكاثروا بينهم، كما اجتمعت عليهم ممن سار في الهجرة الهلالية أو لحقها فزارة وأشجع وسواهم . ثم إن ماكمايكل يقول إن بني جرار هم أقرب الأعراب السودانية للدعوى إلى فزارة، كما يضع احتمالا لإيجاد الصلة بين هذا الفرع الكردفاني من فزارة وبين الفزاريين الذين كانوا بمصر العليا في القرن الخامس عشر الميلادي .
والبزعة معروفة نسبا بأنهم بطن في دار حامد الكردفانية الفزارية وأن لهم قرابة حميمة مع بني جرار . لكن عبد المجيد عابدين يسمع في كردفان عام 1960م، من البزعة، أو ربما ممن يعرف أنسابهم، بأن البزعة قد جاءوا أصلا من شمال إفريقية. ثم نجد عند الناصري فيما ينقله درة أن إسماعيل بن الرشيد أحد ملوك الدولة العلوية بالمغرب الأقصى، كان قد غزا صحراء السويس حتى بلغ تخوم بلاد السودان، ووجد عدة قبائل أعرابية من بينهم أولاد جرار. ونعتقد أن المضاهاة بين أولاد جرار هؤلاء بالمغرب العربي، وبين بني جرار في دار حامد الفزاريين، تقوم دعائمه على الإشارات السالفة إلى المعقل والفزارة والبزعة، وعلاقاتهم بين المغرب الكبير وبلاد السودان الأوسط. قبائل المجموعة الفزارية المتحالفة مع هلال وسليم تكون بذلك قد حافظت على أطوار مترابطة من الترحال المتصاحب.
• الهلباوي جمعان العويصي قائدا لهجرات بني هلبا والعطاوة وفزارة الي بلاد السودان
يسترسل الكاتب في الاحتمالات التي من الممكن أن تجعل جمعان العويصي قائدا للهجرة، وفقا للروايات الشفهية في دارفور التي تقول إنه قد قاد هجرات بني هلبا والعطاوة وفزارة إلى بلاد السودان الأوسط، كان قد وجد في الضرائب المغربية أو التركية على العربان فانساح بجموعهم، بعد أن استدرجهم إلى الاضطرار للهروب بقتله مندوب السلطة، عبر الصحراء إلى شمال دارفور وتشاد، وانتقلت بقايا من تكتلات الشاوية والعربان الذين ذكر عصيانهم الحسن بن الوزان بجنوب تونس في القرن العاشر الهجري مع هؤلاء الجموع حتى وصلوا إلى برنو. و يرد في التراث الشفهي الدارفوري عن مندوب خليفة الرسول البغدادي ولد السودة، ولحاقه بالأعراب واغتيالهم إياه، وذلك طالما نعلم بأن الخلافة الإسلامية كانت قد انتقلت إلى العثمانيين بعد عام 923هـ / 1517م بفتحهم لمصر ، وانتزاعهم الخلافة من العنصر العربي.



