
الإنتظار اكثر من كونه افقاً للمعني يعد افقاً وفضاءاً لوجود الدازاين ( الإنسان) ، الدازاين في وجودية وجوده مجبول علي الإنتظار، لانه مجبول ومفطور علي المفارقة ! مفارق كونه موجود ولكنه دائم التحقق ، اي دائم الانوجاد، بمعني ان وجود الدازاين يكمن في لا وجوده دوماً رغم وجوده ! هذه المفارقة هو ما يجعل الدازاين موجود في ثنايا البرزخ بين نقصه وهو الوجود بالفعل وبين التطلع الي الكمال وهو الوجود بالإمكان ( القوة ). وبالتالي الإنتظار هو انوجاد الانفتاح ، والانفتاح من اجل استقبال الوجود الآتي وهو ضرب من ضروب الدازاين، بما أن الدازاين مشروع تحقق ، فهو مشروع للصير والسير ، اي مشروع وشروع دائم للعبور من الإحساس بالنقص الي منعانقة الشعور بالكمال ، وبالتالي الإنتظار دوماً قنطرة اوعَبَارة وجسر للعبور والوصول حيث لا وصول ، ذلك لان الدازاين وجوده لا يكون إلا في الجسر او الطريق ، والانتظار جسر ودرب وسبيل .
لا يكون الدازاين الا باعتباره حلم، تطلع ، نزوع، شروع ، امل ، وبالتالي تخطي وتجاوز، وصيروة، اي فقدان وإيجاد، وهذا ما يجعل سمة الدازاين ووجوده الأصيل تكمن في القلق، والقلق تحقق فعلي للإنتظار . لا وجود اصيل الا برفع سقف وجود الأمل والحلم، اي سقف القلق؛ وهو ما يعني رفع مستوى ودرجة الإنتظار. اذاً لا وجود للإنسان الا في الإنتظار.
يمكن القول بأن الإنسان كائن ينتظر لأنه يحلم ويتطلع الي الآفاق، ويتخطي وجوده دوماً ، وبالتالي يَوجِد وجوده ويجعله ممكناً وقائماً . والانتظار هو تحقق للزمانية، ذلك لأن الإنتظار هو الوجود في الزمان وبالزمان ومع الزمان، لا ينكشف وجود الدازاين الا بالزمان تلك هي درس هايدغر العظيم، والزمان هو شرط وجود الكينونة وافق إمكانه، بما أنه تحقق الإنفتاح والانوجاد، ولا فتح ونافذة الا بالقلق الذي هو تحقق للإنتظار. ولذا تاريخ الإنسان في جملته تاريخ إنتظار، بما أنه تاريخ للحلم والأمل ، كل الأفكار العظيمة تشرع وجودها لأنه وعد وفي كل وعد إنتظار.
الدين وعد بالخلاص وبالتالي هو إنتظار دائم، وكذلك حال الفلسفة والفن . في الاسطورة اليونانية الخاصة ببروميثيوس الذي سرق النار من الآلهة وقدمه هدية للإنسان، تم معاقبة الإنسان عن طريق إرسال صندوق باندورا له ، الصندوق الملئ بكل الشرور والآثام، ولكن هنالك شئ واحد مختلف وقد وُجِّد بالخطأ في الصندوق وهو الأمل، فالإنسان رغم كل المصاعب والمتاعب الذي يجد نفسه فيه إلا أن الأمل وهو الإنتظار يكون طوق نجاته الوحيد وشرفة خلاصه . ولا يفوتنا القصة القرآنية والتوراتية عند خروج حواء وآدم من الجنة بإعتبارهما مثال الإنسانية، فالخروج جعلهما يخسرا كل شئ ولكن الوعد والانتظار والامل في نعيم قادم جعلهما يكسبا كل شئ من خلال الإنتظار فحسب.
إذاً نحن لا ننتظر الا انفسنا ، رغم ان جوهر الإنتظار هو إنتظار للآخر ، فالآخر هو ذاتنا الذي نحلم به ، ومن هنا يكون الآخر الذي ننتظره هو من جنس الذي نريد ونأمل ان نكونه . فالحب هو إنتظار لانه حلم لجلب الآخر إلينا بما انه افق تحقق الذات ، فالآخر الذي ننتظره قد يكون فكرة او شخصا او…. الخ . فالله حلم ، وأمل وبالتالي الله إنتظار وتوق . الحرية حلم وتوق وإنتظار .
وبذلك لا يكون الإنتظار فراغاً إلا بالقدر الذي يجلب الإمتلاء ، ولا يكون غربة إلا لانه مصدر الإلفة والسكنه والوئام، ومن هنا فإن المعني يأتي الي وجود الدازاين عن طريق الإنتظار، اي أن المعني لا يكون الا بالانتظار، والانتظار الدائم . فكما في رواية صامويل بيكيت( في إنتظار قودو ) يصبح العبث وهو إنتظار قودو الذي لا يأتي معني ، اي ان الإنتظار في حد ذاته تحقيق للمعني رغم انه عبث. وكذلك في مسلسل الإنتظار للكاتب السوري سامي يوسف، فالكل ينتظر ، وفي كل مرحلة من مراحل العمر إلانسان ينتظر لأنه يأمل ويحلم ، ووجوده في الذي سوف يكونه ، وبالتالي لا مفر من الإنتظار الا بالمزيد من الإنتظار.
خالد تورين



