أدب وفلسفة

السودان و الإرث الاستعماري عند محمود ممداني

تلخيص: العاقب الصافي

يفتتح ممداني هذا الفصل بالقول إن السودان أصبح دولتين، جمهورية السودان وعاصمتها الخرطوم، وجمهورية جنوب السودان وعاصمتها جوبا. ورغم أن الجنوب حصل على استقلاله، إلا أن الصراعات لم تتوقف، بل ظهرت صراعات جديدة داخل الدولة بين مجموعات إثنية مختلفة، خاصة بين الدينكا والنوير. ويرى ممداني أن تفسير هذه الصراعات باعتبارها نتيجة لعداوات قبلية قديمة لا يفسر الحقيقة كاملة، لأن هذه المجموعات لم تكن تعيش طوال تاريخها في حالة صراع دائم، وإنما أصبح الصراع الآن مرتبطًا بالسيطرة على الدولة وما توفره من مال وسلاح ونفوذ وحماية للجماعة التي تسيطر عليها.
ويربط ممداني ذلك بالإرث الاستعماري، فالتنوع الموجود في السودان لم يكن في حد ذاته سببًا للحرب، وإنما عمل الاستعمار على تحويل الاختلافات الموجودة بين الناس إلى هويات سياسية وإدارية، وأعاد ترتيبها على أساس العرق والقبيلة، ثم أصبحت هذه الطريقة في إدارة المجتمع جزءًا من الدولة بعد الاستقلال.
السردية الاستعمارية: صناعة العرب
يرى ممداني أن مشروع الاستعمار في السودان عمل على تقويض المجتمع المتعدد الإثنيات، وإعادة تفسيره من خلال ثنائية العرب والأفارقة. فالبريطانيون تعلموا القصص التي كان السودانيون يروون بها تاريخهم وأنسابهم وانتماءاتهم، ثم رفضوا كثيرًا من هذه الروايات وقدموا بدلًا عنها تفسيرًا يقوم على الانقسام العرقي بين العرب والأفارقة.
وهنا لم يكن الأمر مجرد وجود عرب وأفارقة، وإنما إعادة تعريف هذه الاختلافات باعتبارها هويات عرقية ثابتة. فالعربي أصبح في الرواية الاستعمارية مرتبطًا بالشمال، والأفريقي بالجنوب، وأصبح هذا التقسيم جزءًا من الطريقة التي فُهم بها السودان فيما بعد.
ويرى ممداني أن هذه الرواية الاستعمارية استمرت بعد الاستقلال، وأصبحت حاضرة في تفكير النخب والقوميات السياسية، وساهمت في تبرير الصراعات والحروب الأهلية التي انتهت في النهاية إلى انفصال الجنوب.
كما ارتبط بهذه الرواية تصور آخر هو ثنائية المستوطن والأصلي، حيث جرى النظر إلى العربي باعتباره مستوطنًا وإلى الأفريقي باعتباره أصليًا، وهي فكرة أصبحت جزءًا من تفسير تاريخ السودان وعلاقاته الداخلية.
الديموغرافيا الاستعمارية: صناعة القبيلة
لم يكتفِ الاستعمار بتقسيم السكان إلى عرب وأفارقة، وإنما عمل أيضًا على تصنيفهم قبليًا. ففي عام 1929 نشر ماكمايكل ورقة بعنوان «قبائل السودان»، وكان الهدف منها جمع معلومات عن القبائل واستخدامها في فهم السكان وإدارتهم.
وهكذا أصبحت القبيلة هوية إدارية، ولم تعد مجرد انتماء اجتماعي. والمثير أن عدد القبائل التي سجلها المسؤولون الاستعماريون ازداد خلال فترة الحكم الاستعماري؛ ففي عام 1929 كان التصنيف يتحدث عن نحو 450 قبيلة، بينما سجل تعداد منتصف الخمسينيات نحو 570 قبيلة.
ويرى ممداني أن هذه الزيادة لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد اكتشاف لقبائل كانت موجودة من قبل، وإنما كانت نتيجة أيضًا للتقسيمات الإدارية التي أنشأها الاستعمار، فأصبحت القبيلة جزءًا من طريقة تنظيم المجتمع والحكم.
القانون الاستعماري: خلق العرق والقبيلة
استخدمت الإدارة الاستعمارية هذه التصنيفات في تحديد من يحكم محليًا ومن يخضع للحكم المركزي، وأصبحت السلطة القبلية جزءًا من نظام الحكم غير المباشر. وبالتالي تحولت الاختلافات الاجتماعية إلى أساس لإدارة السلطة.
وفي هذا السياق ظهرت أيضًا مسألة الفصل بين الشمال والجنوب، إذ رأى بعض المسؤولين البريطانيين أن ترسيخ السيطرة الاستعمارية يقتضي التعامل مع الشمال والجنوب باعتبارهما وحدتين مختلفتين، وهو ما ساعد لاحقًا في ترسيخ الانقسام بينهما.
بناء الأمة والدولة بعد الاستقلال
بعد الاستقلال ظل أثر النظام الاستعماري واضحًا في الصراع على السلطة السياسية. وظهرت التنافسات في شكل انقلابات وصراعات وحروب أهلية ومحاولات لفرض السلطة من أعلى.
وكان السؤال الأساسي هو: من يمثل الأمة السودانية؟
فالسودان مجتمع متعدد الهويات، ولا يمكن اختزاله بسهولة في هوية واحدة، فهناك العرب والأفارقة، والمسلمون والمسيحيون، والهويات الإقليمية واللغوية والثقافية المختلفة. ولذلك أصبح تعريف الأمة السودانية نفسه موضوعًا للصراع السياسي، وكل مشروع سياسي حاول أن يقدم تعريفًا معينًا لمن تكون له الأولوية في الدولة.
الأفريقانية في السودان
يرى ممداني أن للأفريقانية جذورًا سياسية وفكرية عميقة في السودان، وكانت في جانب منها نقدًا للاستعمار، وفي جانب آخر نقدًا للعروبة السياسية.
لكن نقد العروبة السياسية لا يعني نقد العرب أو اللغة العربية أو الثقافة العربية، وإنما نقد تحويل العروبة إلى مشروع سياسي يجعل الأمة السودانية مساوية للهوية العربية.
ومن هنا ظهرت محاولات أخرى لتعريف السودان بصورة أكثر تعددًا، ومن بينها فكرة السودانوية، التي حاولت النظر إلى السودان باعتباره مجتمعًا متعددًا بدل اختزاله في هوية واحدة.
جنوب السودان: دولة خاطئة
بعد استقلال جنوب السودان اندلعت معارك عنيفة بين الدينكا والنوير في مناطق مختلفة، وقدمت كثير من التفسيرات الخارجية هذه الصراعات باعتبارها صراعات قبلية.
لكن ممداني يرى أن هذا التفسير لا يكفي، لأن الصراع مرتبط بطبيعة الدولة نفسها وبالصراع على السيطرة عليها. فالدولة أصبحت وسيلة للحصول على الموارد والسلطة والحماية، ولذلك أخذ التنافس السياسي شكلًا إثنيًا.
ويرى ممداني أيضًا أن استقلال جنوب السودان لم يكن قطيعة كاملة مع البنية التي تركها الاستعمار، إذ استمرت أنماط من الحكم والسيطرة، وأصبحت الدولة مرتبطة بمصالح خارجية، خاصة مع أهمية النفط ومصالح القوى الدولية فيه.
وبذلك أصبحت الدولة الجديدة تحمل داخلها بعض التناقضات التي ورثتها من الدولة الاستعمارية، بدل أن يكون الاستقلال نهاية لهذه البنية.
عدالة الضحية والتحرر من الاستعمار في السودان
ينتقد ممداني الطريقة التي جرى بها التعامل مع الصراع في جنوب السودان من خلال التركيز على العدالة الانتقالية ومحاكمة الأفراد. ففي رأيه، يمكن أن يؤدي ذلك إلى اختزال العنف في أفراد باعتبارهم جناة، بدل النظر إلى المؤسسات والبنية السياسية التي أنتجت العنف.
فإذا تم تحديد عدد من الأشخاص باعتبارهم المسؤولين عن الجرائم ومعاقبتهم، يمكن للنظام السياسي أن يتجنب السؤال الأوسع: ما الذي أنتج هذه الصراعات أصلًا؟
ومن هنا فإن التحرر من الاستعمار عند ممداني لا يعني فقط خروج المستعمر، وإنما يعني أيضًا التخلص من النظام السياسي الذي جعل الاختلافات العرقية والقبلية أساسًا لتنظيم السلطة.

وبذلك فإن مشكلة السودان، في هذا الفصل، ليست في التنوع نفسه، وإنما في الطريقة التي حُوّل بها هذا التنوع إلى هويات سياسية وقانونية متنافسة على الدولة. ولذلك فإن تجاوز إرث الاستعمار لا يعني إلغاء الاختلافات بين السودانيين، وإنما إخراج هذه الاختلافات من كونها أساسًا للصراع على السلطة.
النص اعلاه تلخيص لكتاب محمود ممداني “لا مواطن لا مستوطن صناعة الأقليات وتفكيكها”
الفصل الرابع: السودان، والاستعمار، والاستقلال، والانفصال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى