أدب وفلسفة

رمزية ودلالة “النار/الهواء/الماء/التراب(3-3)

الاستاذ خالد تورين

 

النار رمز الصيرورة والتغيير والحركة المستمره والدائبة. تجتمع لديه المتناقضات بصورة كبيرة. فمثلما أنه رمز الطاقة والنشاط فيصبح بذلك رمز للحياة والنماء والوجود بأسره؛ فإنه وفي مقابل ذلك رمز الفناء والدمار الشامل والخراب الكلي. وبالإضافة الي أنه العنصر الاكثر تجريداً ومثالية من حيث أنه مصدر النور والضياء والبهاء والاشراق وبالتالي رمز الألوهه والاطلاق؛ وهو ما يمنح الوجود وجوده؛ اي من خلاله يوجود الموجودات ويعدم ايضاً؛ ينكشف الوجود بالضياء وينحجب بعدمه. فليس عبثاً أن يكون النور عند اكثر من فلسفة وأكثر من حمكة وأكثر من أسطورة هو رمز الوجود او الموجود الأول، فعند أفلاطون يعد الخير ” الشمس ” مثال المثل الذي منه يستمد كل موجودوجوده؛ فهنا شبه بين الخير الذي يتوق اليه كل موجود والشمس الذي من خلاله يظهر كل موجود ويتعين. في الزادتشية والمانوية ينقسم الوجود الي قوتين، قوي النور وقوي الظلام؛ قوي النور هو القوي الخيرة والظلام رمز الشر وإمارته. والنار الأرضي ” نار المجوس ” هو رمز النور الكوني الازلي والخير الابدي والكامل الذي يسعي اليه الانسان الصالح؛ ولا يكون خلاص البشرية وصلاحها إلا فى الانتصار الكامل للقوي النورانية علي القوي المظلمة.

وكذا حال الحضارات القديمة المصرية والبابلية؛ ففي الحضارة البابلية يعد ” آنو ” اله السماء ” الشمس ” كبير الالهه؛ بينما ” رع ” اله الشمس كبير الالهه في مصر. علي الرغم من أن الشمس دائما ما يكون الإله الأكبر لمجتمعات الزراعة والاستقرار والحضر؛ فإن المجتمعات الرعوية والراحلة تتخذ من القمر الهاً؛ وبذلك تكون قد جعلت من الضياء والنور رمزاً للمطلق مثلها مثل المجتمعات الزراعية. وفي الاسطورة اليونانية نجد ان برومثيوس قد سرق النار من الالهه واعطاها للإنسان، ومن خلال النار تعلم الإنسان كل أنواع العلوم، علوم الأرض والبحار والجوء، وتعلم ايضا انواع الفنون، وبسبب النار خلق الإنسان الحضارات، بينما كان قبل النار متوحش مع الوحوش وهائم مع البهم. وبسبب تلك السرقة المهمة في تاريخ الإنسان تم عقاب برومثيوس ” سارق النار ” خوفاً من الالهه بأن إعطاء شعلة النار للإنسان يجعل الإنسان قريب من الالهه؛ بإعتبار أن النار قبس الهي ورمز المعرفة والفن اي العقل والقلب معاً.

وفي القرآن نجد ” الله نور السموات والأرض “. وافلوطين والسهرودي ينظران الي أن الواحد ” المطلق ” هو نور وضياء محض، والعالم انبثق من هذا النور المحض اما بسبب الفيض او بسبب الإشراق؛ فالقرب من مركز الإشعاع ” نور السموات والارض ” هو القرب من الوجود الحقيقي الصافي والخالص والابدي؛ والعكس بالعكس البعد عن مركز الإشراق والاشعاع يعني العالم الزائف والزائل الغير حقيقي.

علي الرغم من كل ماسبق وفيه تأكيد علي أن النار رمز الاطلاق والتعالي والتجريد والمفارقة؛ فإنه وفي نفس الوقت وللمفارقة اكثر حسية ودنواً ومحايثة من اي شيء آخر؛ فالنار والحرارة موجود في كل موجود وسبب كل وجود؛ وما يدل ويشير الي أن النار اكثر حسية هو أن حاسته هو اللمس؛ فالنار يعرف اكثر ويتعين من خلال حاسة “اللمس” مثلما أن التراب يتعين بالعين والماء بالذوق والهواء بالشم. في حين أن النور رمز الحدس والمعرفة الباطنية والقلبية. فالنور دائما عند الاتجاهات الغنوصية والعرفانية الصوفية رمز للمعرفة الشاملة والكلية المباشرة. فالمعرفة الحدسية المباشرة هي علي عكس من المعرفة الحسية والعقلية هي معرفة ذوقية شعورية ومباشرة دون وسيط؛ ولا فاصل بين الذات “العارفة” والموضوع “المعروف”.

إذاً النار رمز التناقض المطلق، فهو نار ونور، سبب الوجود والفناء، سبب الحياة والممات، هو الروح والمادة. ومن اجل ذلك يكون النار دائماً في حالة اما او، لا يقبل القسمة علي إثنين، فأما أن يكون موجوداً “في ظهوره” او غيره، اي اما أن يكون كامناً بشكل كلي او ظاهراً بشكل كلي ايضاً؛ لذا يلتهم ويقضي علي كل شئ وما لا يستطيع القضاء عليه يقضي عليه هو؛ فلا تفاوض ولامساومة ولا منطقة وسطي “برزخ” مع النار.

فالنار/النور في الوعي البشري تدل علي “المعرفة _ الوضوح _ الوعي _ الاظهار _ التمايز _ الهدي _ الخير”. وفي المقابل تدل علي “الانفصال الثشتت _ التجزئة _ التنافس _ التنافر التكثر”.

النار والهواء والماء والتراب معاَ_ يشير الحكيم أنبادقليس الي أن الوجود يكون من خلال تركيب وتشكيل اربعة عناصر مجتمعة وليس عنصراَ واحداَ كما ذهب آخرون؛ ففي البدء كان العناصر الأربعة، ثم الحب الذي من خلاله تتجمع العناصر الأربعة بنسب متفاوتة فكانت وجود الأشياء “الكون”، ثم كانت الكره التي من خلالها تتفرق العناصر الأربعة فيكون فناء الأشياء “الفساد”. إذا الثاب في الوجود هو العناصر الأربعة والمتغير هو النسب التي تدخل في تجمع تلك العناصر، فالوجود “الحياة / الكون” بسبب التجاذب “الحب” والعدم “الفناء/ الموت/ الفساد” بسبب الكره. إذآ الحب هو التكاثف “تماسك العناصر الأربعة” والكره هو التخلل “تباعد العناصر الأربعة”.

فالحياة لا يكون إلا إذا كان هناك ماء وهواء” اوكسجين ” وضوء ” حرارة ” وتراب ” تربة “؛ فالظروف المواتية لنشأة الحياة في الأرض هو بسبب وجود تلك العناصر الأربعة والتفاعل بينهم وبسنب معينة، فليس عبثا أن يكون نشأة الحياة في الماء، ولكن ليس الماء وحده هو العلة الكافية لوجود الحياة، فموقع الأرض من الشمس جعل أن يكون درجة الحرارة مناسبة والماء متوفر والاكسجين معقولاً والتربة مناسبه لوجود حياة. والحياة تاج الوجود وزينتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى