
من ميدان مصطفى محمود إلى مناجم شمال الوادي: دماء السودانيين بين القتل والانتهاكات على أيادي مصرية
بقلم: العاقب الصافي
منذ مطلع الألفية، شهدت علاقة السودانيين بالدولة المصرية حوادث دامية وانتهاكات طالت لاجئين ومهاجرين وعاملين سودانيين. وبينما بقيت بعض هذه الوقائع حاضرة في الذاكرة السودانية، جاءت الغارات الجوية التي استهدفت مواقع التعدين الأهلي قرب الحدود السودانية المصرية في يونيو وأكتوبر 2026 لتفتح جرحاً جديداً، وتطرح أسئلة عن حماية أرواح السودانيين، ومسؤولية الدول عن استخدام القوة ضد المدنيين.
في 30 ديسمبر 2005، فضّت قوات الأمن المصرية اعتصاماً للاجئين وطالبي اللجوء السودانيين في ميدان مصطفى محمود بالقاهرة. كان المعتصمون يطالبون بتسوية أوضاعهم وتحسين ظروفهم، بعد أن طال انتظار كثيرين منهم لحسم ملفات اللجوء.
انتهت عملية الفض بسقوط قتلى وجرحى، بينهم نساء وأطفال. وتناقلت التقارير الحقوقية والإعلامية حصائل مختلفة للضحايا، من بينها حصيلة بلغت 27 قتيلاً.
مثّلت الواقعة واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في تاريخ وجود اللاجئين السودانيين بمصر، وأثارت أسئلة حول تعامل السلطات مع التجمعات السلمية، ومدى التزامها بواجب حماية حياة المدنيين.
كما أنه لم تقتصر المخاطر على اللاجئين داخل المدن المصرية، فقد شهدت الحدود المصرية حوادث إطلاق نار على مهاجرين سودانيين حاولوا العبور، كما وثّقت تقارير حقوقية انتهاكات مرتبطة بالاحتجاز والترحيل القسري، خصوصاً بعد اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023.
وفي يونيو 2024، وثّقت منظمة العفو الدولية اعتقالات تعسفية وترحيلاً قسرياً لسودانيين فرّوا من الحرب. وأشارت إلى تقدير يفيد بترحيل نحو 3,000 شخص إلى السودان خلال سبتمبر 2023 وحده، وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
في 16 يونيو 2026، تعرضت مواقع للتعدين الأهلي قرب الحدود السودانية المصرية لقصف جوي ومدفعي. واستهدفت الضربات، بحسب تقارير صحفية وشهادات معدّنين، مواقع من بينها جبل العقيدات ومناطق تعدين قريبة من سوق الأنصاري.
نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» عن مصادر محلية ومعدّنين أن الهجوم أسفر عن قتلى وجرحى، وأن الطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة استُخدمت في القصف. كما تحدثت شبكة «عاين» عن سقوط قتلى ومصابين ومفقودين، وعن فرار معدّنين إلى الجبال والمناطق المحيطة.
لم تكن المأساة مرتبطة بالخسائر البشرية وحدها، فمواقع التعدين الأهلي تمثل مصدر رزق لآلاف السودانيين الذين دفعتهم الحرب والأزمة الاقتصادية إلى العمل في ظروف بالغة الخطورة. وفرارهم من القصف ترك كثيرين بلا مأوى أو إمدادات، بينما صعّبت المخاطر الأمنية إمكانية الوصول إلى بعض المصابين والمفقودين.
وفي 9 و10 أكتوبر 2026، تجددت الغارات الجوية على مواقع التعدين الأهلي في منطقة شمال الوادي قرب الحدود السودانية المصرية، وفق تقارير إعلامية نُشرت يومي 10 و11 أكتوبر.
وذكرت «الشرق الأوسط» أن طائرات حربية نفذت خمس ضربات على الأقل قرب منجم العقيدات وسوق الأنصاري، ونقلت عن معدّنين وشهود عيان أن المئات سقطوا بين قتيل وجريح، وأن الآلاف فروا إلى المناطق الجبلية. وأشارت الصحيفة إلى أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من الحصيلة النهائية.
وتداولت وسائل إعلام محلية حصائل أعلى، من بينها تقدير أولي بلغ 87 قتيلاً.
وتكشف هذه الحوادث، سواء استقرت الحصيلة عند الأرقام المؤكدة أو ارتفعت لاحقاً، عن خطر بالغ يواجه المدنيين العاملين في مناطق التعدين الحدودية. كما تفرض ضرورة الكشف عن ملابسات الضربات، وتحديد الجهة المسؤولة، والتحقيق في مدى مشروعية استهداف هذه المواقع.
من ميدان مصطفى محمود في القاهرة عام 2005، إلى مواقع التعدين الأهلي قرب الحدود في يونيو وأكتوبر 2026، تتراكم وقائع مؤلمة تستحق التوثيق والتحقيق. وبين هذه الوقائع اختلاف واضح في طبيعتها وظروفها، لكن القاسم المشترك هو ضرورة حماية أرواح السودانيين، وعدم ترك الضحايا وأسرهم أمام الغموض وغياب المساءلة.
إن واجب السودانيين لا يقتصر على إصدار بيانات الإدانة، بل يشمل جمع الأدلة، وحصر أسماء الضحايا والمفقودين، وتقديم المساعدة الطبية والإنسانية للناجين، ومطالبة السلطات المعنية بكشف الحقائق، والاستعانة بجهات مستقلة للتحقيق عند الحاجة.
كما أن واجب السلطات المصرية، إذا ثبتت مسؤولية قواتها عن أي من الضربات، يقتضي الكشف عن ملابسات العمليات، والتحقيق في أي انتهاكات محتملة، ومحاسبة المسؤولين.
لا ينبغي أن تتحول حياة المعدّن السوداني إلى تفصيل هامشي في نزاعات الحدود أو صراعات الذهب. فهؤلاء مواطنون يبحثون عن مورد للعيش في بلد أنهكته الحرب، وليسوا أرقاماً في نشرات الأخبار، بل إن حفظ حقوق الضحايا يبدأ من قول الحقيقة كاملة، وتوثيق كل قتيل، وتحديد المسؤولية بالأدلة.
ويبقى السؤال المقلق هو الصمت الكامل لحكومة بورتسودان (الوكيل الرسمي لمصر) إزاء هذه الجرائم، هل جرى هذا القصف بالتنسيق معها، أم أن الحكومة باعت الذهب السوداني وتركت المعدّنين السودانيين تحت رحمة المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة؟



