تحليل سياسي

النار في المرة القادمة: السودان بين إرث الرق، ورأس المال الرمزي للنخب، وضرورة التأسيس الجديد(1-2)

21/9/2026 خالد كودي، بوسطن

The Fire Next Time – يبدو كتاب جيمس بالدوين
“النار في المرة القادمة”، الصادر عام 1963، كتاباً عن التجربة الأمريكية السوداء في زمن حركة الحقوق المدنية. لكنه، عند قراءته من السودان، يصبح أوسع من سياقه الأمريكي. إنه كتاب عن المجتمعات التي بنت نظامها الأخلاقي والسياسي على تراتبية تاريخية، ثم أرادت إصلاح نتائج هذه التراتبية من دون مساءلة الأسطورة التي صنعتها. وهو بهذا المعنى يفتح مدخلاً بالغ الأهمية لقراءة السودان: ليس لمقارنة تاريخين مختلفين وكأنهما متطابقان، وإنما لاستخدام سؤال جيمس بالدوين الأساسي: ماذا يحدث للمجتمع حين تتحول علاقة تاريخية بين السيد والعبد، والمركز والهامش، والمتفوق والموسوم بالدونية، إلى ثقافة ومؤسسات وامتيازات تبدو طبيعية لأصحابها؟
My Dungeon Shookيتكون كتاب بالدوين من نصين رئيسيين:
Down at the Cross وهي رسالة إلى ابن أخيه في الذكرى المئوية لتحرير العبيد، وهو نص أطول يمزج السيرة الذاتية بالدين والعرق والسياسة والنقد الاجتماعي. لكنهما، في الحقيقة، سؤال واحد: كيف يمكن للإنسان أن يتحرر من نظام لا يكتفي بحرمانه من الحقوق، وإنما يحاول أن يقنعه بأن المكان الذي وُضع فيه هو مكانه الطبيعي؟
بالدوين: المشكلة ليست في الأسود بل في العالم الذي اخترع “الأسود”!!
أهم ما يفعله جيمس بالدوين في “النار في المرة القادمة”
أنه يقلب اتجاه السؤال. فالخطاب الأمريكي التقليدي كان يتحدث عن “مشكلة الزنوج”
The Negro Problem
وكأن وجود السود هو المشكلة التي يتعين على الدولة والمجتمع حلها. أما بالدوين فيعيد السؤال إلى منتجي المشكلة: ما الذي احتاجه المجتمع الأمريكي لكي يصنع “الزنجي” بوصفه أدنى مرتبة، ثم يجعل هذا الاختراع يبدو حقيقة طبيعية؟ وفي هذا المعنى، لا تصبح العنصرية مجرد موقف شخصي يضمره إنسان أبيض تجاه إنسان أسود، وإنما نظاماً لإنتاج القيمة والسلطة والهوية؛ فالمدرسة وسوق العمل والكنيسة والشرطة والحي واللغة والثقافة والذاكرة تستطيع جميعها إعادة إنتاج التراتب حتى بعد أن يفقد التمييز الصريح مشروعيته القانونية. هذه هي إحدى الأفكار المركزية التي يبني عليها بالدوين نقده للمجتمع الأمريكي.
ومن هنا تأتي إحدى أكثر أفكاره أهمية: العنصرية تجرح ضحيتها، لكنها تنتج أيضاً وعياً زائفاً لدى المستفيد منها. فمن اعتاد الوقوف في مكان مرتفع قد يتوقف، بمرور الزمن، عن رؤية المنصة التي رفعته، ويبدأ في الاعتقاد بأن ارتفاعه نابع حصراً من قدراته الفردية. ولذلك لا يعني التحرر عند جيمس بالدوين مجرد السماح للأسود بدخول العالم الذي بناه الأبيض، وإنما مساءلة العالم نفسه: من بناه؟ وعلى حساب من؟ ومن حُرم من موارده؟ ومن امتلك حق تعريف الجمال والمعرفة والكفاءة والأخلاق والوطنية؟ وفي الصفحات الأخيرة يرفض بالدوين، بهذا المعنى، أن يكون التحرر مجرد تحويل الأسود إلى نسخة من النموذج الأبيض؛ المطلوب عنده تحول أعمق في العلاقة وفي المجتمع الذي أنتج التراتب نفسه.
هذه هي النقطة التي تجعل قراءة حيمس بالدوين في السودان شديدة الخصوبة. فمنذ السنوات الأخيرة للاستعمار وبدايات الدولة الوطنية، جرى تداول تعبير “مشكلة الجنوب” بصورة جعلت الجنوب نفسه يبدو أحياناً وكأنه المشكلة التي تعيق اكتمال الأمة السودانية، بدلاً من أن يكون السؤال: ما طبيعة الدولة التي يجري بناؤها؟ ومن يحدد هويتها؟ ولماذا عجزت عن استيعاب التعدد الديني والثقافي واللغوي والإقليمي داخل علاقة مواطنة متساوية؟ والمؤرخ جاستن ويليس يبين أن مفهوم “الجنوب” السياسي نفسه لم يكن ببساطة تعبيراً تلقائياً عن كتلة اجتماعية متجانسة؛ فقد تشكل تمثيله السياسي وسط ضغوط ومصالح وتصورات متشابكة شارك فيها سياسيون شماليون وبريطانيون ومصريون وغيرهم، بينما كان السياسيون الجنوبيون أنفسهم يعملون في ظروف من المضايقة والعنف وضعف القدرة على الوصول إلى تسوية سياسية.
وهنا يصبح التشابه المنهجي مع بالدوين مهماً، مع ضرورة عدم مساواة التجربتين تاريخياً. كما سأل بالدوين: هل الأسود هو المشكلة، أم النظام الذي أنتج “الأسود” كمشكلة؟ يمكن إعادة صياغة السؤال سودانياً: هل كان جنوب السودان هو “المشكلة”، أم أن المشكلة كانت في الدولة السودانية وطريقة تأسيسها وتعريفها للمركز والمواطنة والهوية والسلطة؟
هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً إذا عدنا إلى تاريخ الحرب. فتمرد توريت في أغسطس 1955 وقع قبل إعلان استقلال
Oystein Rolandsenالسودان في يناير 1956، لكن المؤرخ
يحذر من اختزال بداية الحرب الأهلية كلها في تلك اللحظة؛ إذ يرى أن الفترة بين 1955 و1962 شهدت تصاعداً في التوتر السياسي والعنف المحلي والركود الاجتماعي والاقتصادي، قبل أن يتبلور صراع أهلي واسع النطاق في 1963. أي أن الحرب لم تنشأ من حادث منفرد ولا من “طبيعة جنوبية” متمردة، وإنما من مسار سياسي متراكم فشلت الدولة خلاله في معالجة الأزمة ومنع تحولها إلى حرب شاملة.
الأهم أن تسمية الصراع بـ”مشكلة الجنوب” لم تكن وصفاً بريئاً تماماً؛ لقد كانت أيضاً إطاراً سياسياً ومعرفياً. وتوضح Sebabatso Manoeli المؤرخة
في كتابها
Sudan’s “Southern Problem”: Race, Rhetoric and International Relations, 1961–1991
أن “مشكلة الجنوب” كانت ميداناً لصراع خطابي ودبلوماسي حول تعريف السودان نفسه، وأن مفاهيم العرق والعنصرية والقومية استُخدمت في المعركة بين الحكومات السودانية والحركات الجنوبية لكسب الشرعية أمام الجمهور الدولي. أي أن الحرب كانت أيضاً حرباً على من يمتلك حق تسمية المشكلة وتفسيرها.
وهذا مهم جداً: عندما تقول الدولة إن لديها “مشكلة في الجنوب” فهي تحدد مكان المشكلة جغرافياً قبل أن يبدأ النقاش. يصبح الجنوب هو موضع الخلل، بينما يختفي المركز من مجال الفحص. يصبح المطلوب تفسير غضب الجنوبي، وتمرد الجنوبي، وسلاح الجنوبي، وهويته، بدلاً من إخضاع الدولة نفسها للسؤال: كيف وزعت السلطة؟ ما تصورها للهوية القومية؟ كيف تعاملت مع مطالب الفيدرالية والحكم الذاتي؟ وكيف أدارت الاختلاف الديني والثقافي واللغوي؟ وما الذي جعل قطاعاً من مواطنيها يرى حمل السلاح ممكناً أو ضرورياً؟
بهذا المعنى، تشبه عبارة “مشكلة الجنوب” بنيوياً ــ لا تاريخياً ــ ما كان بالدوين يرفضه في عبارة “مشكلة الزنوج”: يجري نقل مركز السؤال من المؤسسة المنتجة للاختلال إلى الجماعة التي تعاني نتائجه!!
والدليل التاريخي الأقوى على قصور هذا التشخيص ظهر عندما لم يؤد انفصال جنوب السودان في 2011 إلى إنهاء حروب السودان. يشير المؤرخ دوغلاس جونسون إلى أن اتفاقية السلام الشامل عالجت بدرجة كبيرة مستقبل جنوب السودان، لكنها لم تعالج بما يكفي القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية المشتركة للتهميش في المناطق الأخرى؛ ولذلك تجددت الحرب في ما يسميه “الجنوب الجديد” على الحدود، بما في ذلك أزمات مرتبطة بجبال النوبة /جنوب كردفان والنيل الأزرق وأبيي. ويرى جونسون أن التركيز على حل “مشكلة الجنوب” حجب حقيقة أن القضية أوسع من جغرافية الجنوب نفسه.
وهنا تقع المفارقة التاريخية الكبرى: ذهب الجنوب، ولم تذهب المشكلة.
وهذا لا يثبت تفسيراً واحداً لكل حروب السودان، ولا يلغي اختلاف أسباب الصراعات بين جنوب السودان ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان؛ لكنه يجعل من الصعب اختزال الأزمة التاريخية في وجود الجنوب وحده. والأكثر دلالة أن جونسون يلاحظ أن الحركة الشعبية/الجيش الشعبي، منذ نشأتها، سعت إلى نقل النقاش من “مشكلة الجنوب” إلى “المسألة القومية”، وطرحت حلولاً قومية لما اعتبرته اختلالات بنيوية في السودان.
وهنا نقترب أكثر من جيمس بالدوين ومن فكرة الرأسمال الرمزي. فإذا ظلت الدولة والنخب السياسية والثقافية عقوداً تسمي الأزمة “مشكلة الجنوب”، فإن المركز يحصل على امتياز بالغ القوة: أن يكون هو الموقع الذي يعرّف المشكلة من دون أن يُعرَّف هو نفسه بوصفه جزءاً منها. الآخر جنوبي، إفريقي، نوباوي، دارفوري، بجاوي، “هامش”؛ أما المركز فيستطيع أن يظهر بوصفه السودان غير الموصوف، أي السودان الطبيعي والمعيار الذي تقاس عليه بقية الهويات.
وهذه ليست مسألة لغوية بسيطة. إنها شكل من أشكال القوة الرمزية. فامتلاك سلطة تسمية الآخر هو أيضاً امتلاك سلطة إعفاء الذات من التسمية. ومن هنا يمكن أن نفهم كيف يستطيع مثقف أن يعارض الدكتاتورية بصدق، وأن يدافع عن الديمقراطية، ومع ذلك لا يدرك تماماً مقدار الرأسمال الرمزي الذي ورثه موقعه الاجتماعي والثقافي من تاريخ أطول: تاريخ الرق والعنصرة، وعدم التكافؤ في التعليم، وهيمنة لغات وثقافات بعينها على مؤسسات الدولة، واحتكار طويل نسبياً للجامعة والإعلام والبيروقراطية ومنابر إنتاج المعرفة. وليس المقصود تحويل ذلك إلى ذنب إثني موروث؛ فالأصل الاجتماعي لا يجعل الإنسان مسؤولاً عن أفعال أسلافه. المقصود هو إخضاع الامتياز الموروث والمؤسسات التي أعادت إنتاجه للتحليل
ومن هنا يصبح سؤال بالدوين سودانياً بامتياز: بدلاً من أن نسأل فقط “ما مشكلة الجنوب؟” أو لاحقاً “ما مشكلة دارفور؟” و”ما مشكلة جبال النوبة؟” و”لماذا يتمرد الهامش؟”، يمكن قلب السؤال:
ما الذي ظل في بنية الدولة السودانية يجعل مناطق وجماعات مختلفة، وفي أزمنة مختلفة، تعود إلى طرح أسئلة متشابهة حول المواطنة والهوية والسلطة والثروة والاعتراف؟
عندئذ لا يعود الجنوب استثناءً تاريخياً غريباً يحتاج المركز إلى تفسيره، وإنما يصبح تاريخ الحرب في الجنوب واحداً من المرايا التي يرى السودان فيها أزمة تأسيسه هو. وهذه النقلة، من “مشكلة الجنوب” إلى “مشكلة الدولة”، ومن سؤال سلوك المهمش إلى سؤال البنية التي أنتجت التهميش، هي بالضبط ما يجعل النار في المرة القادمة نصاً بالغ الأهمية لقراءة التاريخ السوداني: فبالدوين يعلمنا أن أكثر أشكال السلطة رسوخاً قد تبدأ من القدرة على إقناع المجتمع بأن الضحية هي المشكلة، بينما تبقى المؤسسة التي صنعت شروط المأساة خارج قفص السؤال.

من تاريخ الرق وتداعياته إلى صناعة المركز السوداني
لا يمكن نقل التجربة الأمريكية إلى السودان نقلاً ميكانيكياً. فالعبودية في السودان اتخذت أشكالاً تاريخية مختلفة عن نظام المزارع الأطلسي الأمريكي، كما أن تكوينات الهوية والدين والإثنية والمنطقة أكثر تعقيداً. لكن الدراسات التاريخية عن السودان تشير بوضوح إلى أن الرق والاسترقاق وتداعياتهما لم يكونا حادثة هامشية في تاريخه الاجتماعي، وأن آثارهما تداخلت مع صناعة التصنيفات العرقية والثقافية والهوية السياسية.
يذهب د. أمير إدريس، مثلاً، إلى أن ثنائية “العربي/الأفريقي” في السودان لا ينبغي التعامل معها كحقيقتين عرقيتين ثابتتين، بل بوصفها نتاج عمليات تاريخية ارتبطت بالاسترقاق والاستعمار وتكوين الدولة. ويرى أن إرث الرق والاستعمار استمر في تشكيل العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية بين الدولة ما بعد الاستعمار والجماعات التي أخضعتها أو همشتها.
وتوضح هيذر شاركي أن عملية التعريب في السودان سبقت الاستعمار، لكن الحكم الاستعماري بعد 1898 فضّل نخبة محدودة داخل المجتمعات المعربة، وأن القومية التي تشكلت لاحقاً حول هوية عربية سودانية تحولت بعد الاستقلال إلى سياسات رسمية للتعريب في بلد متعدد اللغات والثقافات. وترى أن هذه السياسات لم تمحُ الهويات غير العربية بقدر ما ساهمت في تقويتها، وارتبطت في بعض السياقات بتصورات عن التفوق الثقافي والعرقي العربي.
وهنا يبدأ التقاطع الحقيقي مع بالدوين.
فالرق لا ينتهي بالضرورة عندما يتوقف بيع البشر. قد ينتهي الرق القانوني ويبقى جزء من قاموسه الاجتماعي حياً: في معنى اللون، واللهجة، والاسم، والنسب، والمنطقة، والمهنة، والزواج، ومن يصلح للقيادة، ومن يُنظر إليه بوصفه “مثقفاً”، ومن يُعامل باعتباره مادة للدراسة لا منتجاً للمعرفة.
بل إن الأدبيات الأكاديمية عن السودان تشير إلى استمرار أثر هذا الإرث في اللغة الاجتماعية نفسها، وفي استعمال مفردات تربط السواد بالدونية أو العبودية، وفي أشكال من العنصرية الثقافية والاجتماعية والسياسية.
وهنا يصبح سؤال بالدوين سودانياً تماماً:
ماذا لو لم تكن “مشكلة الهامش” مشكلة الهامش أصلاً، بل مشكلة الدولة والمركز اللذين أنتجا الهامش؟

من رأس المال الاقتصادي إلى رأس المال الرمزي
لكن هناك مستوى أكثر خفاءً من الأرض والوظيفة والسلطة السياسية: رأس المال الرمزي.
وهنا تساعدنا أعمال بيير بورديو في توسيع قراءة بالدوين. فالمجتمعات لا توزع المال والسلطة فقط؛ إنها توزع أيضاً الشرعية والاعتراف والهيبة وحق الكلام وحق تعريف الحقيقة.
قد يمتلك شخصان الشهادة الاكاديمية نفسها، لكن اسميهما ولهجتيهما وشبكاتهما الاجتماعية وموقعهما الجغرافي وتاريخهما الأسري والمؤسسة التعليمية التي تخرج فيها كل منهما تجعل المجتمع يمنح أحدهما سلطة تلقائية أكبر من الآخر.
هذا هو رأس المال الرمزي.
وفي السودان، لا ينبغي اختزال المسألة في القول إن “نخبة بعينها شريرة” أو أن كل فرد ينتمي إلى المركز مسؤول شخصياً عن تاريخ الرق وتداعياته. مثل هذا التبسيط يعيدنا إلى الجوهرانية العرقية التي ينبغي نقدها. المسألة الأعمق هي أن التاريخ يستطيع أن يراكم الامتياز عبر الأجيال من دون أن يكون الجيل الحالي قد اخترع النظام الذي منحه الامتياز.
وهنا تكمن المعضلة الأخلاقية.
قد يكون المثقف ديمقراطياً وصادقاً في رفض العنصرية، ومع ذلك يتحدث من داخل مؤسسة ثقافية أنتجت له منابر وشبكات واعترافاً لم تكن موزعة تاريخياً بالتساوي. وقد يؤمن بالمساواة، لكنه يفترض ـ دون وعي ـ أن اللغة التي يكتب بها، والمراجع التي يعتمدها، والمركز الذي يعيش فيه، والمؤسسات التي تعترف به، تمثل “المعيار الوطني”، بينما ثقافة الآخر وتجربته تحتاجان دائماً إلى تفسير وترجمة وإثبات أهليتهما.
وهذا قريب جداً من عالم بالدوين: الامتياز يصبح أكثر قوة عندما يتوقف صاحبه عن رؤيته بوصفه امتيازاً.

المثقف الذي يرى نفسه فرداً ولا يرى التاريخ خلفه
هنا تبرز مشكلة قطاع من المثقفين السودانيين.
فالمثقف قد يقول: أنا لم أسترق أحداً. لم أقتل أحداً في جبال النوبة. لم أحرق قرية في دارفور. لم أفرض التعريب على أحد. لم أمنع مواطناً من الجامعة.
وقد تكون كل هذه الأقوال صحيحة تماماً.
لكنها لا تجيب عن السؤال البنيوي.
السؤال ليس: ماذا فعلت أنت شخصياً؟
بل أيضاً:
ما النظام التاريخي الذي جعل صوتك مسموعاً أكثر من صوت آخر؟
كيف تشكلت المؤسسات التي منحت بعض الجماعات وصولاً أكبر إلى المدرسة والجامعة والخدمة المدنية والإعلام والمؤسسة العسكرية والثقافية؟
من امتلك حق كتابة التاريخ الوطني؟
من قرر أي لغة هي لغة المعرفة والدولة؟
من امتلك حق تسمية الآخر “قبلياً” بينما ظلت جماعته هو بلا قبيلة في الخطاب العام، أي باعتبارها “الوطن” نفسه؟
هذه ليست اتهامات وراثية للأفراد، وإنما أسئلة في علم اجتماع السلطة.

النضال مستمر والنصر اكيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى