كتب

محاولة في فهم وتلخيص كتاب بؤس الأيديولوجيا للمفكر لكارل بوبر

تلخيص:العاقب الصافي

 

الدعوة الأساسية في هذا الكتاب تقول إن الاعتقاد بالمصير التاريخي مجرد خرافة، وأنه لا يمكن التنبؤ بمجرى التاريخ الإنساني بطريقة من الطرق العلمية أو العقلية. ويقف بوبر مطولًا في تفنيد وتكذيب المقولات التي يتكئ عليها المذهب التاريخي في التنبؤ بمسار ومصير التاريخ، ويبين استحالة التنبؤ بالمصير التاريخي موضحًا الأسباب، ولخص برهانه على تكذيب المذهب التاريخي في خمس قضايا يعتبرها حاسمة:

1- يتأثر التاريخ الإنساني في سيره تأثرًا قويًا بنمو المعرفة الإنسانية، ويقول إن هذه المقدمة لابد أن يسلم بها حتى الذين يرون في أفكارنا، بما في ذلك الأفكار العلمية، نتاجًا عرضيًا لنوع من التطور المادي.

2- لا يمكن لنا بالطرق العلمية أو العقلية أن نتنبأ بكيفية نمو معارفنا العلمية.

3- لا يمكننا التنبؤ بمستقبل سير التاريخ الإنساني.

4- يجب أن نرفض إمكانية قيام تاريخ نظري، أي إمكانية قيام علم تاريخي اجتماعي يقابل علم الطبيعة، ولا يمكن أن تقوم نظرية علمية في التطور التاريخي تصلح أن تكون أساسًا للتنبؤ التاريخي.

5- قد أخطأ المذهب التاريخي في تصوره للغاية الأساسية التي يتوسل إليها.

يعتبر بوبر أن الدليل المتمثل في القضايا الخمس لا يدحض إمكان كل أنواع التنبؤ الاجتماعي، بل يتفق وإمكان اختبار النظريات الاجتماعية، كنظريات الاقتصاد، عن طريق التنبؤ بأن أمورًا معينة سوف تحدث إذا تحققت شروط معينة، وإنما يدحض إمكان التنبؤ بالتطورات التاريخية إلى الحد الذي يؤثر فيه نمو معارفنا.

ويلاحظ بوبر أن الاهتمام بالمسائل السياسية والاجتماعية ليس أحدث عهدًا من الاهتمام العلمي بالكوزمولوجيا والطبيعيات، بل في العصر القديم يتقدم علم الاجتماع على علم الطبيعة، إشارةً إلى نظرية أفلاطون السياسية وجمع أرسطو للدساتير. ولكن بمجيء جاليليو ونيوتن تفوقت العلوم الطبيعية على غيرها، لكن العلوم الاجتماعية ظلت في حالة تدعو إلى الأسف الشديد، مما دفع الباحثين في حقل العلوم الاجتماعية إلى الاشتغال بالمسائل المنهجية، وخاصة مناهج العلوم الطبيعية، ومحاولة تقليد مناهجها في العلوم الاجتماعية النظرية.

ولما كانت النتيجة هي الخيبة، انقسم الناس؛ يتساءل بعضهم عن كيفية تطبيق مناهج العلوم الطبيعية، ويرى آخرون أن الإصرار العنيد على تطبيق هذه المناهج هو سبب تخلف وبطء هذه العلوم. ومن هنا يتضح أن هنالك مدرستين: الأولى مؤيدة، والثانية معارضة، ويرى بوبر أن كلتا المدرستين تستندان إلى حجج تقوم على فهم خاطئ لمناهج العلوم الطبيعية، ويتكون منهما موقف تمتزج فيه المدرستان معًا، أطلق على هذا الموقف اسم التاريخية.

ويقصد بها طريقة في معالجة العلوم الاجتماعية تفترض أن التنبؤ التاريخي هو غايتها الرئيسة، وإمكان الوصول إلى هذه الغاية بالكشف عن القوانين أو الاتجاهات أو الأنماط التي يسير التطور التاريخي وفقًا لها.

تقول الدعاوى التاريخانية المعارضة للمذهب الطبيعي المنهجي في ميدان علم الاجتماع، حسب ما أورده بوبر، إن القوانين الفيزيقية هي قوانين صادقة في كل مكان وزمان، أما قوانين الحياة الاجتماعية فتختلف باختلاف الأماكن والأزمنة. يقوم رأي المذهب المعارض على حجج رئيسية تتعلق بالتعميم، والتجربة، وتعقيد الظواهر، وصعوبة التنبؤات الدقيقة، وأهمية القول بالماهيات من وجهة النظر المنهجية، وسأتعرض لها في المقال الثاني.

المذهب التاريخاني المؤيد لاستخدام مناهج العلوم الطبيعية على العلوم الإنسانية

يقول المذهب التاريخاني المؤيد لاستخدام مناهج العلوم الطبيعية في حقل العلوم الاجتماعية إن العلوم الاجتماعية نسق غايته تفسير الحوادث والتنبؤ بها بواسطة النظريات والقوانين الكلية التي يحاول كشفها، وإن علم الاجتماع علم تجريبي وله سند من التجربة، وأن الحوادث التي يفسرها ويتنبأ بها هي وقائع يمكن مشاهدتها، وأن المشاهدة هي الأساس الذي يعتمد عليه في قبول أو رفض النظريات، وأن التنبؤات بواسطة القوانين واختبار القوانين بالتجربة يجب أن يكونا خطًّا مشتركًا بين علم الاجتماع وعلم الطبيعة.

يقول بوبر إن الأسس التي انطلق منها هذا المذهب ترجع إلى التأثير الشديد بنيوتن وعلم الفلك وقدرته على التنبؤ بالأحداث، مثل أن يتنبأ بمكان تواجد النجوم من خلال سجلات الرصد ومراقبة الكواكب، مما يتوجب على عالم الاجتماع أن يطالع التاريخ، ومن خلال دراسته يستطيع التنبؤ بالأحداث.

وأيضًا، كما أن علم الفلك قائم على تفسير الديناميكا، كذلك يتوجب أن يقوم علم الاجتماع على نوع محدد من الديناميكا الاجتماعية، أي على نظرية تفسر الحركة الاجتماعية. وبناءً على ذلك قامت نظرية التطور التاريخي.

والمقصود بالتاريخ هنا ليس سجلات الأحداث الماضية، بل العلم الذي لا يكتفي بإعادة بصره إلى الماضي فحسب، وإنما يلقي بصره نحو المستقبل أيضًا، من خلال دراسة القوى المؤثرة بوجه عام وقوانين التطور الاجتماعي بوجه خاص.

وأن القوانين الاجتماعية الصادقة هي قوانين تاريخية، يجب أن تكون قوانين للصيرورة والتغير والتطور، وعلى المشتغلين في حقل العلوم الاجتماعية التوصل إلى فكرة عن الاتجاهات التي تتغير الأبنية الاجتماعية وفقًا لها.

يقول كارل بوبر إن المدرستين تشتركان في كثير من الأمور، فهي مثلًا متأثرة بالتفكير الكلي النزعة، وهي صادرة عن فهم خاطئ لمناهج العلوم الطبيعية، وتعتقد أن العلوم الاجتماعية موكولة بالكشف عن قانون تطور المجتمع للتنبؤ بمستقبله. ثم ينتقل بوبر إلى الرد على كلتا المدرستين موضحًا موقفه.

يقول بوبر إن المذهب التاريخاني الرافض لتطبيق مناهج العلوم الطبيعية يستند إلى زعم أن المنهج التجريبي لا يمكن تطبيقه في العلوم الاجتماعية؛ لأننا لا نتمكن من تحقيق الظروف التجريبية المماثلة تمامًا. ويرى بوبر أن هذا الزعم يقارب الصواب، لكنه قائم على سوء فهم فاحش لمناهج العلوم الطبيعية.

وإذا نظرنا جيدًا في المناهج الطبيعية، فإن أي عالم طبيعي تجريبي يعلم أنه قد تحدث أمور مختلفة في ظروف متماثلة. مثلًا، قد تبدو لنا قطعتان من السلك متشابهتين، لكننا إذا وضعنا الواحدة مكان الأخرى في جهاز كهربائي ستكون النتيجة مختلفة اختلافًا كبيرًا، وقد نحتاج إلى بحث طويل حتى نكتشف أي نوع من التماثل ينبغي تحقيقه لنحصل على نفس النتائج، ومع ذلك نحن نطبق منهج التجربة طوال الوقت.

وفي حجة العزل الصناعي، فالمذهب الطبيعي لا يستطيع عزل تأثير القمر على أحد الكواكب لكي ينظر إلى تأثيره وحجمه، بل يستمر بالتجربة والمقارنة، وكذلك المفترض على علم الاجتماع أيضًا.

ويرى بوبر أن المسألة بالنسبة للتاريخانيين أنهم يشكون في أنه لو ذهبوا إلى فترة تاريخية بعيدة لكان الفشل مصير الكثير من تجاربهم الاجتماعية، ويقول إن مثل هذه المخاوف جزء من هستيريا المذهب التاريخاني وانشغاله المرضي بأهمية التغير الاجتماعي، وأن عالم الاجتماع التاريخاني ليس له القدرة على تكييف ذهنه تكيفًا يتلاءم مع ما يحدث في البيئة الاجتماعية من تغيرات.

ويقول بوبر إن معظم الناس الذين يعيشون في فترة تاريخية معينة يعتقدون خطأً أن ما يحدث لهم على نحو منتظم هو من القوانين الكلية للحياة الاجتماعية، ولا يمكنهم اكتشاف ذلك إلا عندما ينتقل أحدهم إلى بلد غريب، فيجد أن عاداته مختلفة في كل شيء، وحتى غير مقبولة في البلد الغريب.

ويتضح من ذلك أن كثيرًا من التعميمات التاريخية على هذا النوع، ويقول بوبر إن هذه الصعوبة لا تواجه المنهج الطبيعي، وأن العالم التاريخاني لا يستطيع التأكد من أن ما اكتشفه هو قوانين كلية حقًا؛ لأنه لا يمتلك الوثائق لإثبات ذلك، كما يصر على أنه لا يوجد سبب نعجز من أجله عن صياغة النظريات الاجتماعية الهامة لكل الفترات الاجتماعية.

ينتقل بوبر للرد على المذهب التاريخاني المؤيد لاستخدام المنهج الطبيعي، ويقول إن المدافعين عن هذا المنهج يعتنقون عقيدة التطور الاجتماعي، وهم يقتبسونها من داروين، ويرى بوبر أن مذهب وحدة المنهج بين المذهب الطبيعي والاجتماعي هو المنهج القائل إن العلوم النظرية تهدف إلى تقرير القضايا العامة، سواء كانت طبيعية أو إنسانية، وتستخدم منهجًا، وأن يرجع المنهج إلى التفسير العلمي الاستنباطي والاختبار.

ويسمى منهج الفرض؛ لأنه لا يحقق اليقين المطلق لأي من القضايا التي يختبرها، وإنما تحتفظ هذه القضايا دائمًا بطابع الفروض المؤقتة حتى بعد نجاحها في كثير من الاختبارات القاسية.

 

كما يجب أن ننظر إلى الاختبارات بأنها محاولات لاستئصال النظريات الكاذبة أو اكتشاف موطن الخلل فيها. وأحيانًا تبدو بعض النظريات مخالفة لأهداف العلم؛ لأنها تقول إن غاية العلم إثبات النظريات لا حذف الكاذب منها، ولكن ينبغي أن يكون استهدافنا إلى إثبات النظريات هو الذي يدعونا إلى إخضاعها لأقسى أنواع الاختبار، حتى نتمكن من كشف أوجه القصور فيها، وينبغي أن نحاول دحضها وتكذيبها.

ويختم بوبر: إذا أردنا أن نضمن البقاء للنظريات الصالحة وحدها، علينا أن نجعل كفاحها من أجل الحياة عسيرًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى