تحليل سياسي

صناعة السلام في السودان ولماذا فشلت التجارب السابقة في تأسيس الدولة الوطنية:

الأستاذ: عبدالله ديدان

 

لم تكن أزمة صناعة السلام المستدام والمستقر في السودان طوال العقود الماضية هي غياب الاتفاقيات، لكنها كانت تكمن فى غياب المشروع السياسي القادر على تحويل هذه الإتفاقيات من تسويات سياسية مؤقتة بين الأطراف إلى عقد وطني يؤسس دولة سودانية جديدة خالية من مسببات عدم الإستقرار، فقد عرف السودان منذ إتفاقية أديس أبابا عام 1972 سلسلة متعاقبة من إتفاقيات السلام، مرورا بإتفاقيات الخرطوم وفشودة في التسعينيات وإتفاقية السلام الشامل عام 2005، تفاق أبوجا عام 2006، إتفاقية سلام أسمرا 2006، وثيقة الدوحة عام 2011، وصولا إلى إتفاق جوبا عام 2020. على الرغم من إختلاف ظروف هذه الإتفاقيات وأطرافها ودرجة نجاحها في وقف العنف مؤقتا، فإن بينها قاسما مشتركا مهما، معظمها حاول إدارة الصراع داخل الدولة القائمة بمؤسساتها القديمة، أكثر مما حاول إعادة تأسيس الدولة التي أنتجت الصراع وتشير مراجعاتنا لإتفاقيات السلام السودانية بين 1972 و2020 إلى أن كثيرا منها ركز على تقاسم السلطة والثروة دون معالجة كافية للجذور السياسية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية التاريخية للأزمة السودانية.
لهذا فإن تاريخ إتفاقيات السلام السودانية، يمكن قراءته بإعتباره تاريخا لمحاولات متكررة لإطفاء الحريق بالعويش، دون إعادة تصميم البناء الذي ظل ينتج الحرائق، كانت الحروب تتغير والأطراف تتنوع والوسطاء يتعاقبون وأسماء الإتفاقيات تتغير، لكن العلاقة المختلة بين المركز والأطراف ظلت حاضرة وظلت الدولة السودانية تدار بمنطق سياسي يجعل السيطرة على المركز مدخلا للسيطرة على الدولة، بينما تتحول مطالب الأقاليم المهمشة إلى مطالب تفاوضية أو إحتجاجات مسلحة عندما تفشل القنوات السياسية في إستيعابها. إتفاقية أديس أبابا عام 1972 كانت واحدة من أهم التجارب المبكرة في هذا المسار، فقد أنهت الحرب الإحتجاجية الأولى ومنحت الجنوب حكم ذاتي واسع، كما أوجدت فترة من الإستقرار النسبي لمدة عشرة سنوات، لكنها لم تتحول إلى إعادة تأسيس للعلاقة بين الدولة السودانية ومكوناتها، حيث بقيت الإتفاقية إلى حد كبير فى محطة ترتيبات للحكم الذاتي داخل بنية الدولة القائمة ولم تحل بصورة نهائية المسائل التى تتعلق بتوزيع السلطة والثروة والهوية السياسية للدولة، مع مرور الوقت، فالخلافات حول تطبيق الإتفاقية وإعادة تنظيم الإقليم الجنوبي والسياسات المركزية وإعلان جعفر نميري للشريعة الإسلامية فى تحدي هوياتي خطير لمفهوم الدولة والمواطنة، أدت إلى تقويض الترتيب الذي نشأ عنها، الشئ الذي كشف عن أن الإتفاقية، لا يمكنها الإستمرار، لأنها تتحول إلى ترجمة محلية لمصالح المجتمعات التي تعيش على الأرض نفسها، بل كانت عبارة عن هدنة بسبب الإرهاق الاقتصادي والضغط الخارجي مضي فيها جعفر نميري، ثم جبد نفسه وإنفض عليها مرة أخري بما أسماه دولة الشريعة الإسلامية متحديا مفهوم التنوع وحق الشعوب السودانية فى هوياتها الوطنية.
وكانت المشكلة الأعمق أن حكومة نميري لم تتعامل مع السلام بإعتباره فرصة لإعادة صياغة النظام السياسي، فقد كانت تنظر إليه كموقف تكتيكي مؤثت رقما تمتص آثار الحرب عليها هي، ثم تعود إلى مواصلة مشروعها الإقصائي، لذلك إنتهى سلام إتفاقية أديس أبابا عندما تغيرت موازين القوة السياسية، فالاتفاق الذي يعتمد على إرادة النظام الحاكم أكثر من إعتماده على مؤسسات سياسية و دستورية مملوكة لكل الشعوب السودانية، يصبح قابلا للانهيار بمجرد تغير حسابات السلطة.
ثم جاءت إتفاقيات التسعينيات وفي مقدمتها إتفاقية الخرطوم للسلام وإتفاق فشودة عام 1997 في سياق مختلف، إتسم بمحاولة النظام الحركة الإسلامية الحاكم، إستيعاب عدد من الفصائل المسلحة المنشقة من الحركة الشعبية لتحرير السودان التى كان يقودها د. جون قرنق، داخل ترتيبات سياسية وأمنية تكتيكية، لكنها لم تهدف إلى تحقيقتحول تأسيسي في بنية الدولة، فقد ظلت السلطة المركزية هي نقطة الجاذبية، وظلت المشاركة السياسية محكومة بمنطق الإستيعاب والتوزيع وليس بمنطق بناء مؤسسات وطنية محايدة، لذلك لم تنجح تلك التسويات في إنهاء الأسباب البنيوية للحرب، وإستمرت الحركة الشعبية لتحرير السودان كقوي رئيسية تواصل نضالها ضد الدولة المركزية الموروثة، لكن هنا تظهر إحدى السمات المتكررة في التجربة السياسية السودانية، وهي تحويل السلام إلى عملية لإعادة توزيع النخب داخل النظام القائم، بدلا من إعادة توزيع السلطة داخل الدولة، حيث يدخل قادة الحركات المسلحة إلى الحكومة، يحصلون على مقاعد أو موارد أو مناصب، لكن المجتمع الذي حمل قضيته السلاح لا يحصل بالضرورة على مؤسسات جديدة أو تنمية مستدامة أو عدالة أو حماية للحقوق وبذلك يصبح السلام صفقة سياسية بين النخب، لكنه بقبضة النخب وريثة دولة المستعمر، بينما تظل البنية الإجتماعية والسياسية التي أنتجت النزاع قائمة.
أما اتفاقية السلام الشامل عام 2005 فقد كانت أكثر الإتفاقيات السودانية تركيبا وأوسعها أثرا، فقد أوقفت الحرب الطويلة بين الحكومات المركزية والحركة الشعبية، وضعت ترتيبات أكثر إتساعا وشمولا لتقاسم السلطة والثروة، كما منحت الجنوب حكم ذاتي ونصت على إستفتاء تقرير المصير الذي إنتهى إلى استقلال جنوب السودان في 2011، كانت نيفاشا قد أوجدت إطار دستوري إنتقالي جديد، إلا أن نظام الحركة الإسلامية المسيطر حينها وللأسف بقية الأحزاب السياسية والقوي المدنية المختلفة، قد تقاعست عن دعم مشروع نيفاشا الذي كان يمكن له أن يخلق فرقا مهما فى مسيرة البلاد، حتي أنه لم تذرف دمعة واحدة على ذهاب الجنوب، لذلك نجد أن نجاح إتفاقية السلام الشامل 2005 في إيقاف الحرب، لم يعني نجاحها في بناء الدولة السودانية، لقد نجحت في إدارة العلاقة بين طرفين رئيسيين في الحرب، لكنها على المستوي التطبيقي، لم تحقق تحولا وطنيا شاملا لإعادة تأسيس السودان كدولة وطنية، لذلك بقيت مناطق أخرى، في مقدمتها دارفور والشرق وجنوب كردفان والنيل الأزرق، خارج التسوية الأساسية أو في وضع تفاوضي مختلف، فكانت النتيجة إن الإتفاق الذي أنهى حربا مركزية، أعاد توزيع القوة بين طرفين رئيسيين، لكنه لم يعالج بصورة شاملة سؤال الدولة الوطنية، بسبب مقاومة مراكز القوي التى تحتكر الدولة الموروثة من المستعمر ورفضها لأي مشروع تأسيسي لدولة المواطنة والحقوق والواجبات المتساوية للشعوب السودانية، فانتهى الأمر بإنفصال الجنوب، بينما بقيت أزمات الدولة في السودان قائمة ومتصاعدة ، وهذا يكشف أن معالجة هذا الصراع الكبير فى ظل سيطرة تحالف مراكز الذي ورث دولة المستعمر، لا تعني بالضرورة معالجة أزمة الدولة القائمة بمؤسساتها ومشروعها السياسي الذي تسبب فى صناعة الصراع.
في دارفور، ظهر الخلل بصورة أكثر وضوحا، فقد وقعت الحكومة وحركة تحرير السودان ـ جناح مني أركو مناوي إتفاق أبوجا عام 2006، لكنه لم يحظ بمشاركة جميع القوى المسلحة الرئيسية كما لم يضع حدا للحرب، ثم جاءت وثيقة الدوحة عام 2011 في محاولة معقدة ومبتسرة لتوفير إطار للسلام في الإقليم، إلا أن تكتيكات نظام الحركة الإسلامية وخططه الموروثة من دولة النخب المركزية، كانت توقع الإتفاقيات بغرض الإمتصاص وإحكام سيطرتها وليس بهدف تحقيق سلام بالمعني الذي يعيد توزيع مراكز القوي، كما أن تعدد الفصائل وإنقسام قوي الكفاح المسلح فى دارفور وتعقيد الصراع المحلي وإرتباطه بقضايا الأرض والموارد والنزوح والعلاقات بين المجتمعات فى الإقليم، جعل الإتفاق السياسي بين السلطة المركزية وبعض الحركات غير كاف لإنتاج سلام اجتماعي مستدام ويرجع ذلك إلى أن نظام الخرطوم بقيادة الحركة الإسلامية قد إستثمر فى هذه التناقضات المحلية وعمل على تقسيم المجتمعات فى الأقليم، نشير هنا إلى إتفاق السلام الشامل 2005 وإتفاق سلام دارفور لعام 2006 قد كان إختلاف النتائج فيهما، مرتبطا بعوامل محلية ووطنية ودولية، وليس فقط بنصوص الإتفاقات ذاتها.
وهذه نقطة جوهرية في صناعة السلام السوداني، فالصراع المسلح ليس هو الصراع كله، إذ نجد أن الحركة المسلحة قد تمثل مظلومية سياسية، لكنها لا تختزل المجتمعات التي تعيش في منطقة النزاع، في دارفور مثلا تتداخل السياسة الوطنية مع قضايا الأرض والحواكير والنزوح والرعي والزراعة والموارد الطبيعية والعلاقات بين المجتمعات والإرث التاريخي للإدارة الأهلية، لذلك لا يمكن لإتفاق سياسي بين الأطراف فقط، أن يكون بديلا عن عقد إجتماعي جديد تشكل على أسسه دولة سودانية جديدة تعالج هذه القضايا.
أما اتفاق جوبا لسلام السودان عام 2020، فقد جاء بعد سقوط النظام السابق وفي سياق إنتقالي كان يفترض أن يفتح الباب أمام إعادة بناء الدولة، وكان أكثر تعقيدا من بعض الإتفاقات السابقة من حيث عدد المسارات والقضايا التي تناولها، كما شمل ترتيبات تخص دارفور والمنطقتين والشرق وقضايا الحكم وتقاسم الموارد والترتيبات الأمنية والعدالة الانتقالية، كما واجه تحديات مرتبطة بتعدد الفاعلين، وضعف التنفيذ وإستمرار النزاعات، وتعقيد الإنتقال السياسي وعدم إكتمال عملية بناء السلام على المستوى الوطني، تضع بعض الدراسات التي راجعت الاتفاقيات السودانية بين 1972 و2020، إتفاق سلام جوبا ضمن سلسلة طويلة، ظلت تعالج التهميش من خلال ترتيبات جزئية، بدلا من إعادة تأسيس الدولة و النظام السياسي بصورة شاملة، الدرس المركزي من سلام جوبا ليس أن الاتفاق كان بلا قيمة،لكن يكشف أن إتفاق السلام بهذه الكيفية، لا يستطيع وحده أن يحمل عبء إعادة تأسيس دولة مأزومة، فحين يكون النظام السياسي نفسه في حالة إنتقال، والمؤسسات الأمنية غير موحدة، والاقتصاد منهار والسلطة موزعة بين مراكز متعددة، يصبح تنفيذ إتفاق السلام مرتبط بصراع أوسع على طبيعة الدولة نفسها وموروثها المختل، فتتحول الإتفاقية من أداة لإعادة تأسيس الدولة إلى إحدى ساحات الصراع حولها.
الملاحظ أن هنالك مشكلة تتكرر في كل هذه التجارب، تتمثل في أمننة السياسة، بحيث يظل السلاح يحتل موقع مركزي في معادلة السلطة، يظهر ذلك جليا فى بقاء عملية دمج القوات وإعادة تأسيس القطاع الأمني، مرتبطة بحسابات القوى السياسية والعسكرية أكثر من إرتباطها ببناء مؤسسة وطنية واحدة بسبب عدم الثقة فى الدولة المركزية الموروثة من المستعمر، ذلك ناتج من أن النخب السياسية المركزية والقوى السياسية والعسكرية المسيطرة على الدولة، تتعاملت مع السيطرة على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بإعتبارها عامل أساسي من إستراتيجيات البقاء السياسي وإستمرار السيطرة على الدولة والموارد، لذلك دائما ما ترفض القوي المركزية ومشروعها السياسي برامج إصلاح القطاع الأمني أو أعادة تأسيسه ليكون مؤسسة دولة وظيفية خاضعة للدستور، لهذا لم تستطع إتفاقيات السلام السابقة أن تكسر الحلقة بين المظالم التى تقود إلى حمل السلاح والسلطة المركزية الإقصائية، فكانت قوي الكفاح المسلح تدخل العملية السياسية، لكنها لا تفقد بالضرورة منطقها التشكيكي بسبب سلوك الطرف الذي يسيطر على السلطة المركزية، بينما توقع السطلة المسيطرة على الدولة على الإتفاق، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى دولة مدنية محايدة تؤمن بدولة المواطنة والعدالة والمساواة بين الشعوب السودانية، فتسعي إلى الترتيبات الأمنية التى تتعامل مع القوات بإعتبارها آلية لقص أجنحة قوي الهامش وتجريدها من سلاحها لإضعافها وعزلها لاحقا، بدلا من تحويل المؤسسة العسكرية إلى مؤسسة وطنية واحدة تخضع للدستور والقانون.
ثم تأتي مشكلة المركزية، فإتفاقيات السلام السابقة، كثيرا ما تعاملت مع الأزمة من خلال منح الأقاليم نصيب من السلطة المركزية، بدلا من إعادة بناء الدولة على أساس توزيع حقيقي للسلطات والموارد يتوافق ومطالب الشعوب السودانية الخمسة وهذا يشكل فرق جوهري، عندما يكون الحل هو زيادة عدد الوزراء أو المقاعد البرلمانية لأبناء الإقليم، فإن ذلك لا يغير بالضرورة فى بنية علاقة الإقليم بالدولة وفقا للنموذج الموروث من المستعمر، أما عندما تكون هناك سلطات تشريعية وتنفيذية ومالية وإدارية حقيقية على المستويات الإقليمية والمحلية، فإن الدولة نفسها تبدأ في التحول نحو دولة العدالة والمواطنة، وهو مالم تحققه هذه الإتفاقيات السابقة للسلام، فالدولة الوطنية السودانية، لا يمكن أن بنائها بمجرد توسيع الحكومة المركزية لتضم ممثلين من الأقاليم، تأسيسها يحتاج إلى إعادة توزيع السلطة نفسها، لا مجرد إعادة توزيع شاغليها، الشئ الذي يقودنا إلى مشكلة العدالة، فقد ظلت العدالة تضمن في هذه الإتفاقيات كبند ضمن بنود عديدة، بينما كان مطلوبا أن تكون أحد الأعمدة المؤسسة للسلام، فالمجتمعات التي تعرضت للظلم التاريخي والتهميش المتعمد و القتل والنزوح ونهب الممتلكات وتدمير القرى وفقدان الأراضي وعدم الاعتراف بمواطنتيها، لا يمكن أن تنتقل إلى سلام مستدام بمجرد إعلان إيقاف الحرب، العدالة التاريخية و الانتقالية، وإعادة تأسيس المؤسسات السياسية ومؤسسات الدولة وفق شروط وطنية جديدة والمساءلة عن الانتهاكات التاريخية ومعالجة آثارها وتداعياتها البنيوية، ليست ملفات سياسية نظرية منفصلة عن السلام، إنما هي جوهر عملية صناعة السلام العادل والمستدام الذي يخاطب جذور غياب الدولة الوطنية السودانية ومن ثم أعادة تأسيسها كدولة عدالة شاملة،فقد أظهرت تجارب السلام السودانية السابقة، أن الشرعية الإجتماعية المكتسبة من حقوق الشعوب السودانية ومخاطبة مظالمها التاريخية لأي اتفاقية سلام، يجب أن تكون أكثر أهمية عن شرعية الموقعين عليه، فالاتفاق الذي توقعه الأطراف السياسية، قد يكون صحيحا من الناحية التفاوضية، لكنه يظل ناقصا من الناحية الوطنية، إذا لم تشارك الشعوب السودانية المجتمعات المتضررة تاريخيا من ظلم الدولة المركزية الموروثة من المستعمر ومشروعها السياسي في صياغته وتنفيذه، تجربتنا السودانية تشير إلى أن الإنفصال بين النخب التي توقع الاتفاقيات والمجتمعات التي تعاني آثار الحرب يمثل أحد عوامل انهيار التسويات.
لذلك يمكننا القول بأن فشل التجارب السابقة لصناعة السلام فى السودان، لم يكن نتيجة نقص في عدد الإتفاقيات، إنما كان نتيجة لغياب الرؤية والإرادة السياسية للنخبة المركزية المسيطرة في الفلسفة السياسية التي تقف وراء صناعة السلام وعدم رغبتها فى التخلي عن إمساكها بمقاليد الأمور وتأسيس دول كل الشعوب السودانية، لذلك دائما ما تجعل من التعامل مع عمليات السلام بإعتباره صفقة لإخضاع قوي الهامش وإمتصاصها إلى حين، بينما المطلوب كان تحويل عمليات السلام إلى عملية سياسية لإعادة تأسيس الدولة والمجتمع والعلاقة بينهما،فالفرق بين النموذجين واضح، في النموذج التفاوضي الضيق يكون السؤال الأساسي هو، كم مقعد تحصل عليه كل حركة حاملة للسلاح وما نسبة الموارد التي تحصل عليها وكيف توزع المناصب، أما في النموذج التأسيسي فإن السؤال المركزي يصبح، ما الدولة التي تمنع العردة للحرب كوسيلة وحيدة متاحة للمطالبة بالحقوق وما القواعد الدستورية التي تجعل المواطن متساويا بصرف النظر عن الإقليم أو الثقافة أو الانتماء أو الدين وكيف توزع الموارد وكيف تدار الدولة وماهو نظام الحكم وكيف تتم حماية الحقوق الحقوق وكيف تخضع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية الديمقراطية وكيف تصبح العدالة قيمة أساسية تقوم عليها الدولة ومؤسسة دائمة وليست أداة سياسية خاضعة للمساومات، هذا التسائلات تجعلنا نقول بأن صناعة السلام في بلادنا، تحتاج إلى الإنتقال برؤيتنا السياسية من هندسة الإتفاقيات إلى إعادة هندسة الدولة نفسها، فالسلام الجديد ينبغي ألا يرتكز على الرؤية القديمة لصناعة السلام السوداني وإعادة إنتاجها مرة أخري، نحن نحتاج إلى تصور وطني شامل يعيد تعريف الدولة وعلاقتها بالشعوب السودانية كمواطنين وهذا يتطلب دستور تأسيسي يعكس التعدد والتنوع السوداني و يصمم نظام حكم لا مركزي حقيقي و يضمن توزيع عادل للثروة والتنمية ويضع أسس دولة المؤسسات و ويقر بالعدالة التاريخية وآلياتها ذات المصداقية، كما يتطلب أن يتحول السلام من مشروع سياسي قصير المدى إلى مشروع وطني إجتماعي طويل المدى، فالسلام لا يكتمل عند وقف إطلاق النار، بل يبدأ منه، فهو لا يصبح سلام مستدام عندما تسكت البنادق فقط، لكنه يتحقق عندما تتغير المسببات التي تجعل الحرب الوسيلة الوحيدة المتاحة للمطالبة بالحقوق أو الحصول على الاعتراف بالمواطنة.
لقد أثبتت تجربتنا السودانية لصناعة السلام سابقا، أن الإتفاقات التي تعالج الصراع دون معالجة الدولة قد توقف الحرب لفترة، لكنها لا تمنع ظهور حرب أخرى، فإتفاقية أديس أبابا لم تمنع عودة الحرب في الجنوب وإتفاقيات التسعينيات لم تنهي النزاعات المسلحة فى بلادنا، كما أن إتفاقية السلام الشامل أرقفت الحرب الشمالية ـ الجنوبية، لكنها لم تمنع تفكك الدولة السودانية وأستمرار الحروب في مناطق أخرى من السودان وإتفاقيات سلام دارفور لم تنتج تسوية وطنية و إجتماعية شاملة، مثلما أن إتغاق سلام جوبا لم يتحول إلى عقد وطني يجيب على تساؤلات المسببات الجذرية للأزمة الوطنية السودانية، هذه ليست أحكام مطلقة على قيمة تلك الإتفاقيات في سياقاتها التاريخية، بل قراءة لتكرار نمط واحد، هو حل مؤقت و نسبي في إدارة النزاع ، مقابل عجز عن تغيير البنية متعددة الجوانب التي تنتج النزاعات، حيث تتحول الأتفاقيات السطحية نفسها إلى سبب جديد إلى عودة الحرب.
عليه فإن السلام الذي يحتاجه السودان اليوم ليس نسخة جديدة من إتفاقيات سابقة، لكننا نحتاج إلى قطيعة منهجية مع الطريقة التي صنعت بها إتفاقيات السلام السابقة، علينا ألا نبحث سلام، تكون الغاية منه مجرد إدخال أطراف جديدة إلى النظام القديم للدولة القائمة بشكلها المختل، يجب أن نسعي إلى بناء نظام جديد تكون فيه الدولة فوق الجماعات والمؤسسات فوق الأشخاص والمواطنة فوق الامتيازات والقانون فوق السلاح والتنمية حقا عام والتنوع مصدر للشرعية الوطنية لا سبب للإقصاء، العمل على تحويل عمليات السلام من السلام التقليدي إلى السلام التأسيسي، الذي هو المرحلة التي تلي وقف الحرب وتتجاوز العمليات الاجرائين لإتفاقية السلام، ليكون هو مشروع لإعادة تأسيس الدولة على أساس عقد وطني جديد.
بهذا المعنى، فإن التحدي الحقيقي الذي تركته إتفاقيات السلام السابقة، ليس عدد الاتفاقيات التي يمكن توقيعها، إنما القدرة على تحويل السلام من تسوية بين أطراف الصراع إلى مشروع لتأسيس الدولة الوطنية، فطالما ظلت الدولة القديمة قائمة بقواعدها المركزية ومؤسساتها الموروثة من المستعمر وتفاوتاتها التاريخية، فإن الإتفاقيات ستظل قابلة للإنهيار مع تغير موازين القوى، أما عندما يصبح السلام جزء من بنية الدولة نفسها، فإن نهاية الحرب لا تعود مجرد هدنة، بل تصبح بداية تاريخ سياسي جديد لبلادنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى